إصداراتمقالات

حول المادية الجدلية و فطرة الإنسان

حول المادية الجدلية و فطرة الإنسان

بالفعل لم تثبت التجربة الأمور الغيبية ، ولا يجوز للإنسان أن يعتقد بالغيبيات فقط لأن هذا الشئ (الإعتقاد) منطقى و يقبله العقل ، فهذا لا يدفع ولا يقنع شخص مادى بالإعتقاد بذلك ، حتى إذا دلل على هذا الكلام بالبراهين و الأدلة المنطقية ، سيقول لك بكل بساطة أن هذه البراهين لا تخضع للتجربة ، أما البراهين الرياضية و الهندسية و الفيزيائية فهى بالتأكيد يمكن إخضاعها للتجربة لذلك نحن نؤمن بها .

فما الذى يجبره على الإعتقاد بشئ غيبى ولا تجربة تدلل عليه ؟؟

فهذا لن يفيد بشئ و لن يغير من الواقع و لو بجزء ضئيل.

فعندما يقال للماديين أنتم تدخلون المعمل و أنتم تؤمنون بأشياء غيبية (مثل مبدأ عدم اجتماع النقيضين) وتبنى عليها نتائج علمية ، سيقول المادييون وقتها أن عدم الإيمان بهذه المبادئ شئ عبثى لأنه يناقض العقل و يعارضه وقد ثبت ذلك من خلال التجربة ، ولكن عدم الإيمان بشئ غيبى وإن كان منطقيا ولكنه غير مثبت بالتجربة (مثل حقيقة الأديان ووجود الإله و البعث و الحساب) لا يعد عبثا وذلك لأن هذا لن يكلف العقل و لن يوقعه فى تناقضات بل بعضهم يرى أن الإيمان به هو ما سيرهق العقل لأن الإنسان وقتئذ سيصبح مضطربا بين الإيمان بالتجربة أم الإيمان بالغيب.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

مثال: إذا قيل من قبل الماديين أن الفأر يطير(كمحاولة لفرض نوع آخر من الغيبيات)، فهذا الشئ غيبى بالتأكيد و لكن قد يقبله العقل لأن هناك بالفعل كائنات أخرى تطير وهذا قد يتطابق مع نظرية التطور ، وبالتالى فإن الفيصل هنا التجربة ، لأنها هى فقط ما سيجعلنا نعتقد أو لا نعتقد بذلك ، و فى أغلب الأحيان سيكون الإنسان العاقل لا يعتقد بهذا الشئ إلى أن يثبت العكس و سيكون هذا الإثبات بالتأكيد من خلال التجربة.

أتفق تماما مع هذا الطرح و لكن فى حدود معينة ، فقد تجاهل أصحاب المادية الجدلية البحتة شيئا فى غاية الأهمية و هو فطرة الإنسان الروحية والحسية (والمقصود بالحس هنا هو الحس المعنوى و ليس الحس المادى) ، فأتفق تماما مع أصحاب المادية الجدلية فى طرحهم و تمسكهم بالمنهج التجريبى فى كل شئ ولكن بشرط أن يكون هذا الشئ لا يمس سوى الجانب المادى فقط فى الإنسان ، وألا يسبب إرهاقا أو يطغى أو يؤثر على جوانبه المعنوية والنفسية والعقلية ، لأن ذلك سيحدث خللا كبيرا فى توازن الإنسان مع أشكاله و أنماطه المتعددة ، فالإنسان كما أن له جانبا ماديا ، هو له أيضا جانبا روحيا و آخر عقليا يريد و يسعى إلى إشباعهم جميعا ، و بالتالى فلا يجب أن يقتصر حكمنا على الأشياء من جانب واحد فقط وإلا بهذا سنكون قد اختزلنا الإنسان فى مادة قد لا يكون لها أى ثمن .

وبالتالى يكون الحكم على إعتقاد الإنسان بشئ ما هو مدى طغيان هذا الإعتقاد على جوانب الشخص الأخرى ، ففى المثال المذكور سلفا عن إمكانية أن يطير الفأر ، فإن إيمان الإنسان به لن يؤثر على أى من جوانبه الأخرى واعتقاده به من عدمه لن يكون عاملا مؤثرا فى مدى سعادته ، و لكن فى حالة الغيبيات الكبرى فإن الوضع مختلف تماما ، فعندما تقول له أن كل شئ يثبت بالتجربة بما فيها الإيمان بالغيبيات ، فهذا ظلم و تشريد و تمزيق و إلغاء كامل بل هو اغتيال لمشاعره و إنسانيته.

وبالتالى فلا تناقض بين الإلتزام بالتجربة فى الحالة الأولى (الفأر) وعدم الإلتزام بها فى الحالة الثانية (الغيبيات)، ولا تناقض أيضا بين الإيمان ببعض الأمور الغيبية و تجاهل البعض الآخر، فالمسألة ليست الكل أو اللاشئ.

ولكن على جانب آخر، فمن المؤكد جدا أن الأدلة و البراهين العقلية والمنطقية لن تكون كافية للإقناع إلا أذا كان الإنسان فى حاجة فطرية إلى الإيمان بتلك المعتقدات المبرهن عليها.

فمثلا يمكن لعقل الإنسان أن يتقبل بسهولة من الأدلة والبراهين ما يفيد بوجود الإله إذا كان بفطرته الحقيقية فى حاجة إلى ذلك.

ولكن ماذا يحدث إذا لم تكن فطرته فى هذه الحاجة؟؟؟

أعتقد أن الحقيقة ليست كذلك، ولكن ما يحدث في فطرة الإنسان الحقيقية من تجريف و شوائب و معوقات لها أسباب عدة هو ما يجعل الصورة تبدو معكوسة ، ووقتها لن يستطيع عقله تقبل الأدلة و البراهين لأن تصوره سيكون أنه ليس فى حاجة إلى إله.

فلا أتمنى من أتباع المنهج العقلى أن ينشغلاو بالإتيان بالأدلة و البراهين المنطقية أكثر من إنشغالهم بالإدراك السليم لفطرة الإنسان و ما قد يصيبها من شوائب و معوقات تؤثر بالسلب على طريقة التفكير ، و قد يكون الحل معقد ولكن بكل تأكيد للتجرد دور كبير فى الرجوع للفطرة الحقيقية.

وهنا يأتى الحديث عن تكامل الإنسان مع نفسه و إرضائه لذواته وأشكاله المتعددة ، فإيمان الإنسان ببعض الغيبيات الكبرى أو كلها لا يناقض العقل ولا يناقض إيمانه هو نفسه بالمنهج التجريبى لأن هذا سيؤدى إلى نوع آخر من تكامله و سعادته و هو التكامل الروحى و التناغم الرائع بين أركان فطرة الإنسان.

فليأخذ من التجربة ما يحقق له السعادة المادية و النهضة العلمية و البشرية ،

و ليأخذ من الغيبيات ما يحقق له القوة المعنوية و الإيمان الراسخ ،

و ليأخذ من الفكر ما يحقق له أهدافه الإنسانية و قيمه الأخلاقية.

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.