مقالات

حوار مع ابن سينا (2)

تم إجراء هذا الحوار -الافتراضي- مع عملاق الفلسفة والفكر والرياضيات والطب داخل جدران الذهن مستوحيًا ومستدعيًا فكر الرجل و مصطلحاته وأدبياته، وإليكم الجزء الثاني من الحوار:

مولاي وشيخي غصنا في أعماق النفس الإنسانية، فهل يمكن أن نطفو على السطح لندرك الواقع الذي نعيشه الآن ونضع أيدينا على الداء؟

– عن أي واقع تريد الحديث؟

واقعنا الاجتماعي والسياسي والفكري، بعد الثورة التي قامت في بلادنا.

– كي أجيب أحتاج أن أتصور ما حدث عندكم، فالتصور الصحيح هو المقدمة الوحيدة للحكم الصحيح، سأسألك عدة أسئلة: لماذا ثار شعبكم؟ وعلى من ؟

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ثار على حكامه لأسباب متعددة كالفقر والظلم وامتهان الكرامة والخيانة.

– فمن الذي قاد تلك الثورة؟

ليس لها قائد بعينه، كانت هناك دعوات للخروج لبَّاها الشباب واندفعت وراءهم جموع الشعب لتطالب بإسقاط الحاكم ونظامه.

– وأين كان الحكماء والعقلاء والفلاسفة وأهل الحل والعقد في هذا الوقت؟

– تقريبًا من تقصدهم يا مولانا لم يعد لهم وجود، لكن الأمر لا يخلو من بعض مفكرين ومثقفين. وهم إما آثروا السكوت أو نزلوا بعد تيقنهم من سقوط الحاكم ..أو فضلوا الكتابة والتنظير على قيادة جموع الجماهير.
( تغير لون عالمنا الجليل وظهر الحزن واضحا في قسمات وجهه)
ما سبب ضيقكم مولانا، هل ضايقتك ثورة الشعب أم ماذا؟
– كلا وألف كلا ! و هل مآل المظلوم والمُهان والجائع إلا الغضب ..الثورة حالة غضب جامحة يستجمع فيها الإنسان أو الأمة قواهم الغضبية لتسير عبر قنوات وتتجمع، حتى إذا بلغت بالجموع مبلغها تكون هادرة كأمواج البحار العاتية، لا تترك شيئًا إلا اقتلعته وهي في تلك الحركة الهادرة أحوج ما تكون لعقل حكيم يغضب ويزأر لكنه لا يفقد الاتجاه فيرسم الطريق ويعين العامة على تحمل مشاقه وينظر للأحوال ويُقدِّر كل شيء بقدره، وتكون منزلته منهم بمنزلة الرأس من الجسد لا استغناء لأحدهما عن الآخر، ثم إنه يتعين عليه أن يكون أول من يدعو القوم للاجتماع ويكون متصدرا للميدان فيلتف الناس حوله ويتلهفون لنصرته تلهف الجنود للنصر بعد رسم الخطة وتحديد الهدف من قائد الميدان .. هكذا القائد الحكيم يرسم ويخطط ليوم النزول، لا أن يترك الناس يتيهون ويبلغ بهم الغضب مبلغه ثم ينزل لهم !!

أنى له بقيادتهم وقد صاروا رعية بغير راع!

بل ضايقني وآلمني أن العامة نزلوا ولم يكن يقودهم الحكماء، اعلم أن “- نصرة الحق شرف، ونصرة الباطل سرف.”

وأن عدم نزول الخواص والقادرين على القيادة ورسم الطريق للناس هو خطيئة كبرى، فلا هم أدوا ما عليهم من واجب في نصرة الحق ورفع الظلم ولا هم رفعوا عن أعين الناس الالتباس.

لكنقل لي عن الناس، هل كانوا يعرفون من سيولى عليهم عند عزل الحاكم؟

-لا، بل كان الكل يطالب بإسقاطه ليقوم نظام يسمح للشعب باختيار حاكمه.

– وهل اتفقوا على حاكم أو نظام يحقق لهم ما يطلبونه بُعَيدَ عزل الحاكم ؟

لا لم يتفقوا، بل أمسك الحكم قادة جيش الحاكم المعزول ووعدوا الشعب بتحقيق مطالبه.
– أعطت الرعية الذئب قيادة الزمام ! لعنة الله على من ترك الناس وكان بوسعه إرشادهم وهدايتهم للجادة، هؤلاء الظلمة وإن كانوا قد تركوا الشعب يخلعه إلا أنهم ذئابه وخاصة أهل شره وأعوانه على الظلم ، والعاقل لا يرجو العدل من الظالم. فماذا جرى بعد ذلك؟

استمر مسلسل القتل والسجن والتنكيل بشباب الثورة والتآمر لإجهاضها، والشباب يحاولون الثبات والصمود، والنخب لا تتفق على كلمة واحدة، حتى وصل الحال بقادة الجيش لعمل انتخابات جاءت برئيس من تيار كان يعادي النظام.

– هذا التيار لماذا لم يقد الثورة طالما أنه قوي، كان يمكنه أن يتولى زمام المبادرة فيرسم ويخطط ليوم الخروج؟

ليس هذا فكره، بل فكره تدريجي إصلاحي، لكنه من ورث النظام بحكم تنظيمه وعدده.

– بئس الفكر ذلك الذي لا يقدر الأمور بقدرها ولا يضع الأشياء في مواضعها، وبئس الخاصة تلك التي لا تجتمع على كلمة.

هل فهمت ما كنت أرمي له يا أخي، إن الحركة بنت الرؤية والروية تتأتى من إعمال العقل بصحيح الفكر للوصول إلى حقيقة الأمر. إن كل ما يعانيه الفرد وتعانيه الأمة هو مصداق جلي لغياب العقل عن صنع الفكر، وغيابه عن تشكيل الوعي ، وغيابه عن تشخيص الفعل. ثم غياب الأخلاق عن ساحة العمل.

وما العمل يا شيخنا؟
– إن كان حكماؤكم أو مدعو العقل منكم قد خذلوا شعبهم، فينبغي على من يجد في نفسه الأهلية للتعقل أن يسلك طريق الحكمة والمعرفة ليشكل وعيه ويقدح زناد فكره ليمتلك الفكر ويتسلح بالخلق القويم. فيسد الفراغ الهائل هو ومن معه حتى يأتي اليوم الذي ينطلق فيه المفكر الجديد بفكره وسط الناس فيأخذ بأيديهم ويريهم ضوء الطريق ويكون لهم قائدا وحكيما ويكونوا له عونا وسندا. وحتى يأتي ذلك اليوم لا يتوقع العاقل لهذه الأمة أن تنال مرادها من تحقيق العدل. ولئن كان العدل هو سعادة المجتمع فإن ” السعادة القصوى لا تأتي إلا عن طريق العلم.”
…….وللحوار بقية إن كان في العمر بقية