إصداراتمقالات

الحقيقة بين العقل والدين

في بحثنا عن الحقيقة يجب أن ننطلق من النقطة صفر، وهي نقطة التشكيك الاختياري المطلق في كل ما حولنا، هذه النقطة التي لا نتصور عندها شيء ولا نصدق فيها بشيء. ثم نسعى بعدها للبحث عن مفاهيم وقضايا يقينية بديهية واضحة بذاتها، أي لا تحتاج إلى استدلال، ويصدق بها العقل مباشرة بلا وساطة، ومن أمثلة تلك المفاهيم هو معنى “موجود” أي متحقق في الخارج، ومن أمثلة تلك القضايا قضية “استحالة اجتماع النقيضين”.

استخدام البديهيات العقلية في إثبات وجود الإله

ولكي تستمر معلوماتنا يقينية لا تشوبها شائبة الظن أو الشك؛ يجب أن نستخدم هذه المفاهيم والقضايا القليلة اليقينية في فهم المعاني الأخرى والبحث في القضايا الأخرى، فإذا كانت المقدمات يقينية فسنحصل على نتائج يقينية، فمثلا عندما نبحث في قضية مثل وجود الله يجب أن تكون مقدماتنا يقينية لتكون نتائجنا يقينية. والعقل السالك لهذا الطريق الصعب -لكنه مؤد للحقيقة- يستطيع أن يصل إلى كثير من الحقائق، منها ضرورة وجود خالق لهذا الكون، إذ أن إيجاد الكون بدون خالق أو علة أولى يستلزم اجتماع نقيضين محال، حيث يفترض تساوي حالة عدم الكون مع حالة وجوده، وأنه لم يكن هناك إيجاد يستوجب موجد. وأيضا لاستحالة أن يكون الكون قد أوجد نفسه بنفسه، إذ يتطلب ذلك أن يكون الكون أو بعض أجزائه موجودة قبل وجودها، أي موجودة مع عدمها وهو اجتماع نقيضين محال.

ولما يصل العقل لوجود هذا المبدأ لهذا الكون يبدأ في بحث صفاته، ولما كان إيجاد هذا الكون يستلزم أن يكون موجده قادرا وفاعلا، ويستلزم كونه عالما، إذ لا يتصور وجود النظام الدقيق من غير العالِم. وأيضا لأن الوجود لا ينتج عن العدم لاستلزم ذلك اجتماع نقيضين باطل كما سبق، كان كل كمال وجودي في هذا العالم لا بد أن يتصف به موجد هذا العالم بنحو أشرف وأكمل، وإلا لم يكن قادرا على إيجاد هذا الكمال الوجودي، ففاقد الشيء لا يعطيه. ولذلك يجب أن يتصف خالق هذا الكون بكل الصفات الكمالية الحقيقية الموجودة في هذا العالم، بل الأدق هو أن نقول إن هذا العالَم متصف بالصفات الكمالية لخالقه على نحو أقل لما تستلزمه طبيعة المعلولية!

العقل والجزئيات

لكن هذا العقل عندما يبحث في بعض التفاصيل والجزئيات الهامة جدا لتكامل الفرد والمجتمع؛ يجد نفسه لا يمتلك المقدمات المناسبة لها، فهذا العقل الباحث عن اليقين؛ عندما يبحث في مسألة جزئية مثل الميراث مثلا؛ لا يجد لديه مقدمات يقينية. فهل الأب مثلا يجب أن يحصل على ميراث أكثر أم الابن؟ أليس الأب له كل الفضل؟ ولكن أليس الابن هو من سيستمر في الحياة؟ وما هو المقدار المناسب لكل منهما بدقة؟ هنا لا يجد العقل وحده جوابا يقينيا.

الله قيوم ومحيط بكل شيء

ولما ثبت أن ها هنا إلها، وأنه عالم بشئون الكون على أكمل ما يكون العلم، وعالم بالتفاصيل اللازمة لتكامل الإنسان، ولزم له الجود والغنى، فهو المستغني عن أي علة، وهو الواهب لكل وجود، وهو العالم بكيفية تكامل الإنسان على أتم وجه؛ حكم العقل بأن هذا الإله لا بد بالضرورة مرسل للإنسان ومخبر له بما لا يقدر أن يعلمه وحده.  هذه الرسالات التي هدفها وصول الإنسان لكماله الفردي والمجتمعي من حيث هو إنسان، وهدفها وصول الخلق لغايته التي ينشدها، فكل مخلوق غايته وسعيه إلى الكمال، وقد تعلقت الإرادة الإلهية بأن يكون تكامل الإنسان اختياريا، ودلته خير الدلالة على طريق تكامله هذا.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

أنبياء الله

إن وجود أشخاص قالوا بأنهم رسل من الله هو شيء مثبت تاريخيًا إثباتًا يقينيًا بالتواتر الذي يستحيل معه الكذب، نفس التواتر الذي يجعلنا نحكم بأن هناك بلادًا اسمها أمريكا دون أن نزورها، ونفس التواتر الذي يجعلنا نجزم بوقوع حرب أكتوبر رغم أننا لم نعش أحداثها. وعند تأمل التراث الذي تركه بعضهم يرجح العقل صدقه ترجيحًا يقينيًا، فشرائع بعض من قال بالنبوة وما تتضمنه من علم وعمل معجزة وخارجة عن حريم العقل، فليست تدرك بتعلم أو بعقل، بل ليست تدرك إلا بوحي أو بشيء يشبه الوحي، وبها من الجزئيات ما يصعب أو يستحيل على العقول الوصول له.

معجزة الأنبياء الحقيقية

فهذه التشريعات هي المعجزات الحقيقية للأنبياء، كما أن إخبارهم بأمور جزئية قبل أن تقع ثم تقع على النحو الذي أخبروا به هو من أدلة نبوتهم، حيث تثبت أيضا امتلاكهم لعلوم يعجز عنها أهل العقل. فالمعجزات الحقيقية للأنبياء هي العلم الموافق في كلياته للعقل والخارج في جزئياته عن قدرة العقل! أما المعجزات المادية فهي موجهة أكثر للعامة؛ فهي مقوية وليست كافية وحدها؛ لأنه يمكن أن تقع بسحر أو خداع أو نحوه. كما أن المعجزات المادية التي نما إلى علمنا بعضها هي من نوع الإعجاز في العلم أيضا، فهذا موسى عليه السلام يتحدى أكثر أهل زمانه علمًا وهم السحرة في علمهم وهو السحر، فيثبت لهم أن لديه علمًا أو أن لدى مرسله علمًا لا يعلموه، ولذلك كان أول من صدّق به هم أهل ذلك العلم وهم السحرة، فهم الذين خروا سجدًا وفهموا قيمة المعجزة.

فالإعجاز الحقيقي هو علومهم الموافقة للعقل ووضعهم للشرائع التفصيلية، فوضع الشرائع يحتاج لمقدمات كلية وأخرى جزئية تفصيلية لا تعرف إلا بالوحي لأنها في مناطق الفراغ العقلي. ويحتاج أيضا واضع الشرائع إلى معرفة مقدار ما يحتاجه الجمهور وأي الطرق يجب أن يسلكها معهم. ويزداد الإعجاز عندما نعلم أن هذه العلوم لم يكن لها مقدمات في البيئة التي ظهر فيها النبي! فمحمد بن عبد الله كان أميًا لم يدرس القراءة والكتابة، ولم يقرأ في كتاب أو نحوه، ولم يجلس إلى عالم أو حكيم جلوس المتعلم. نشأ في بيئة لا تعلم شيئا من صنائع الحكمة، ولا من صنائع العقل، ولا من أعمال التجريب، ثم أتى بتشريع معجز في وقت قصير، توافق كلياته كلها ما أثبته أهل العقل في زمن طويل، ولا تتعارض معه، ويخبر بتفصيلات دقيقة يعجز عنها العقل وحده!

————-

المصدر (بتصرف):

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، مؤلفات ابن رشد، مقدمة د. محمد عابد الجابري، سلسلة التراث الفلسفي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى مارس 1998، بيروت-لبنان.

 

 

اقرأ أيضا… نبي الله محمد ودوره في ارتقاء الفكر الإنساني…مولد ربيع العقل (1-2)

اقرأ أيضا…نبي الله محمد ودوره في ارتقاء الفكر الإنساني…مولد ربيع العقل(2-2)

اقرأ أيضا… العاطفة والعقل…حرب لا تنتهي وصراع يصعب على الكثير عقله

أحمد عزت

د. أحمد عزت

طبيب بشري

كاتب حر

له عدة مقالات في الصحف

باحث في مجال الفلسفة ومباني الفكر بمركز بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث

صدر له كتاب: فك التشابك بين العقل والنص الديني “نظرة في منهج ابن رشد”

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

حاصل على دورة في الفلسفة القديمة جامعة بنسفاليا