مقالات

جمعية الحمير

الناس يختلفون في تفكيرهم وأمزجتهم، وفقرهم وغِناهم، وضعفهم وقوتهم، وإفراطهم وتفريطهم، وشدّتهم وتساهلهم، ومن هنا يختلف الفهم والوعي والاستيعاب، فعندما تم وصف الإنسان أنه لا يفهم كان كالأنعام بل أضل، أي لا يعي أو يعلم، فالعقل هو الفيصل والحد الفاصِل في هذا الأمر.

نشأة جمعية الحمير

وجمعية الحمير ليست وليدة اللحظة بل نشأت في فرنسا في عام 1911م، عندما أهانت مدرسة تلميذتها فوصمتها بقولها: “يا حمارة”، فأراد والد الفتاة التخفيف عنها فكتب بعض الصفحات على لسان الحمار بأنه يعمل باجتهاد وفي صمت ودون مقابل، ومن ثم تحسين صورة الحمار لتخفيف الضغط النفسي الواقع على البنت.

وبناء على ذلك أنشأ الناس في فرنسا جمعية الحمير الفرنسية إعجابًا بالفكرة، وعلى إثرها قام الفنان زكي طليمات الممثل والمخرج المسرحي بتأسيس جمعية الحمير المصرية في عام 1930م، في نفس العام الذي تم فيه إغلاق معهد التمثيل، وتقوم على الخدمة العامة للجميع في صمت وبلا مقابل، وتهتم برعاية الحيوان وحقوقه التي تتمثل في الحمار.

إنّ الضعفاء دائمًا يحتاجون لمن يقف بجانبهم ويساعدهم، ويساندهم لقلّة حيلتهم وعدم معرفتهم بالأثرياء، والفجوة الكبيرة بينهم وبين أصحاب النفوذ والسلطان.

جمعية الحمير المصرية

جمعية الحميروقد شملت عضويتها عددًا من الفنانين والممثلين والكتّاب، وتم إعادة تأسيسها عام 2004م كجمعية خيرية هدفها الأسمى هو رعاية نحو نصف مليون حمار، ويلقّب أعضاء الجمعية حسب مدة عضويتهم، ومن ألقاب المنتسبين إليها: الجحش، والحمار الصغير، والحمار الكبير، صاحب الحِدوة، صاحب البردعة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ذاع صيت الجمعية وانتشرت بصورة واسعة فتم تأسيسها في عدة دول مثل كردستان وسورية، والجمعية لديها ثلاثة أعياد وهي: عيد الضرب، وعيد النهيق، وعيد البردعة.

وتتخذ الجمعية الحمار رمزًا وقدوة لها وشعارًا لِما يتميز به من قوة التحمل والصبر، ولأنه أيضًا من الحيوانات المظلومة والمهضومة حقوقها، والتي يقع عليها عبء خدمة البشر، وربما لا يحصل على كلمة شُكر.

لقد ضمّت جمعية الحمير شخصيات مثقفة مشهورة من أبرزها: طه حسين، وعباس العقاد، ونادية لطفي، والكثير من الفنانين والكتّاب والمفكّرين الذين بلغ عددهم 30 ألف عضو من المصريين. وجد هؤلاء وغيرهم مع الحمار ملاذًا آمنًا، واستمروا يستلهمون نشاطهم من عزيمة الحمار وتحمّله، فيقيمون حفلات النهيق ويخاطبون بعضهم بلغة حمارية.

ومن شدة إعجاب الكاتب الكبير توفيق الحكيم بالفكرة كتب بعض الكتب التي تتحدث عن الحمار مثل: أنا وحماري، وحمار الحكيم.

استعادة نشاط جمعية الحمير

إنّ هناك تشابه كبير بين المُسْتحْمَرين الكادحين من بني الإنسان وبين المُسْتَضْعفين الصّامتين من الحمير في عدم النظر إليهم بالشفقة وتوفير الخدمات والقوت ولوازم الحياة، فالانضمام إلى الجمعية يكون في الغالب هربًا من الواقع الأليم الضاغط.

وعند الالتحاق بالجمعية يحصل العضو على لقب حرحور أي حمار صغير، ويمكن أن يحصل على لقب جحش ثم يترقى إلى لقب حمار ثان ثم حمار أول وهكذا، كما يوجد أعضاء ظلوا في العضوية يحملون لقب حرحور أو جحش ليبقى عضوًا عاديًا، أما لقب حامل البردعة وهو الحمار الكبير فلم يحصل عليه سوى ثلاثة أعضاء هم زكي طليمات، وشكري راغب، والمرسي خفاجي.

لقد أوشكت الجمعية على الإغلاق في عام 1986م، بعد وفاة آخر أعضائها المؤسسين وهو الفنان السيد بدير، فوقف لها وأنقذها من الإغلاق وزير الصحة السابق محمود محفوظ ،فاستعادت نشاطها في العمل مرة أخرى.

صديق الفلاح

جمعية الحمير

إنّ الحمار صديق الفلاح، فهو طيب مُسالِم مُطيع ويعرف طريقه إلى البيت والحقل والمزرعة، ويستطيع تحاشِي العقبات التي تقابله في طريقه، ويريد أن يعيش في أمان وسلام وهدوء.

لقد بلغ الحمار مبلغًا عظيمًا ربما يحسده عليه كثير من الناس، فقد يثير الضرب المبرّح من اللا إنسانيين الشفقة عليه، كما يثير حفيظة الجمعيات التي تنادي بحقوق الحيوان والكفاح من أجل حريّته وفِكاكه وسعادته.

والناس على مدار التاريخ ومع تقلّب العصور والأنظمة ربما تحتاج إلى جمعية مثل جمعية الحمير للتنفيس والتعبير عمّا يشعرون به، ولتكتسب مزيدًا من الصبر والاستمرار في التعوّد على قوة التحمل ومسايرة ضغوطات الحياة المتلاحقة.

يقول خوان رامون خمينث: “امتطيتُ حماري ودفعته برجلي إلى المشي، وأخذنا نصعد إلى شجرة الصنوبر وهو يركض ركضًا حادًّا، ولمّا وصلتُ تحت تاجها الوارف الظليل جعلتُ أصفّق وأغني وأصيح، وغمر حماري ما غمرني فأخذ ينهق بشدة مرة ومرة، وكانت الأصداء تُردّد الصوت في عمق وجلجلة كأنها في قاع بئر كبير، ومضت الطيور إلى شجرة صنوبر أخرى وهي تغرد”.

اقرأ أيضاً:

بوريدان ومُعضلة الاختيار

روح التسلية

قصة “قميص الأستاذ”

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

**************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. وائل زكي الصعيدي

خبير مناهج وطرق تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها/ جامعة الاقتصاد والتجارة الدولية

محاضر في: جامعة الدراسات الأجنبية كلية العلوم الإسلامية الصينية / بكين – الصين

دكتوراه فى المناهج وطرق تدريس اللغة العربية

ماجستير في أدب الأطفال، ودبلوم خاص في المناهج وطرق التدريس، رئيس قسم الموهوبين بإدارة ميت أبو غالب التعليمية دمياط سابقاً

عضو اتحاد كتاب مصر