مقالات

المُنقطون!

كتبت من قبل عن ثقافة “اللقطة”، تلك التي يموج بها مجتمعنا العربي، وتغشى حياتنا سعيًا إلى تحقيق الوجود لذواتٍ خاوية بحضوراتٍ زائفة، والتماسًا لواقعٍ رقمي كاذب نواسي به فشلنا وإخفاقاتنا، ننثر فيه فقاعات متفاوتة الحجم، نسميها أحيانًا “نجاحات”، وأحيانًا أخرى “إنجازات”، لكنها سرعان ما تتلاشى وتتبخر في الهواء! وبقدر ما تستغرق اللقطة التصويرية نُصفق ونبتسم ونُهلل، قبل أن تتوارى خلف عالمنا الغث وفشلنا المهيب، لندرك أننا ما زلنا في القاع نصطرخ ونصطرع، ثم لا نلبث أن نُنكر ونتأهب للقطة أخرى نخدع بها أنفسنا!

تحملنا ثقافة “اللقطة” بالتبعية إلى ما أسميه ثقافة “النُقطة”، ولا أعني بهذه الأخيرة مفهومها الرياضي القائل إن “النُقطة” ما ليس له أجزاء، كما لا أعني بها علامة نهاية الكلام المعروفة أنها إحدى علامات الترقيم، ولا حتى استخداماتنا اليومية للكلمة وصفًا للوحدات الكمية الصغير، مثل قولنا “نقطة ماء”، أو للوحدات الخدمية المنبثقة عن وحدات أكبر، مثل قولنا “نقطة شرطة”، أو “نقطة إسعاف”، إلخ، إنما أعني ما اعتدناه من ممارساتٍ مجتمعية، تتخذ أحيانًا شكلًا تكافليًا يتمثل في تلك الأموال أو الهدايا التي يمنحها المدعوون (إلى عُرسٍ أو حفلٍ أيًا كان) للعروسين أو أحدهما نوعًا من الدعم، أو نوعًا من المشاركة المالية مؤجلة السداد، وتتخذ أحيانًا أخرى شكلًا عبثيًا يتمثل في تلك الأموال التي ينثرها السفهاء فوق رؤوس الراقصات وتحت أقدامهن في دور اللهو والمجون نوعًا من التباهي والتفاخر!

“النقطة” بهذا المعنى (وجمعها الشائع نُقوط) تقليدٌ عربي قد يكون محمودًا ما دام يعبر عن التلاحم الاجتماعي أو الترابط الأسري، وما دام مقويًا لأواصر المودة والصداقة، لكنه يغدو مذمومًا حين يعكس تفاهة القائم به، أو مكره ونفاقه بُغية تحقيق مآربه وبلوغ أهدافه بأيسر السُبل، وربما أقذرها! هذا ما تراه مثلًا في المصالح والمؤسسات وأماكن العمل على اختلاف أنواعها، حيث تجد نفرًا من المرؤوسين يتعبدون على مدار الساعة في محاريب رؤسائهم، إما نفاقًا بالمديح الكاذب، أو تقربًا بالتصاغر القميء، أو توددًا بنقل الأخبار وإفشاء الأسرار، أو تضحيةً على أنصاب السادة بالعطايا والقرابين، كلٌ “يُنقط” بطريقته، حتى ليكاد أحدهم يُزمر ويُطبل ويرقص أمام ولي نعمته!

يزداد المُنقطون نشاطًا في مواسم الانتخابات –على اختلاف أنواعها ودرجاتها– طوعًا أو كرهًا، سواء أكان ذلك بعمل اللافتات وتشويه الشوارع والمباني بها، أو كان بنحت الشعارات الدعائية والمشاركة في المسيرات التأييدية والهتاف تسبيحًا بحمد المرشحين، أو بتقديم الهدايا لجموع الناخبين (الرشوة الانتخابية). كذلك يزداد المُنقِطون (بكسر القاف) والمُنقَطون (بفتح القاف) تفاعلًا –على المستوى الأكاديمي– في موالد المؤتمرات والمناقشات وغيرها من الأنشطة الجامعية والثقافية، إذ تجد صغارًا يُنقطون طلبًا للمشاركة أو الترقي أو اقتناص لقبٍ علمي أو وظيفي (بالإطراء الكاذب، والولائم، وغيرها من سُبل النفاق)، وتجد كبارًا (أو أشباه كبارٍ) ينتظرون “النُقطة” طلبًا للتواجد وتصدر المشهد! وفي هذه المواسم والموالد تغدو النُقطة صنعة، لها قيمها وفنونها ومناهجها وأدواتها ورموزها وخبراؤها وحُراسها، وأسوأ ما في الأمر أن كل شيء –رغم غرابته، ولا عقلانيته، وقسوته– يبدو مُعتادًا ومألوفًا، إذ يستسلم الناس لمعاناتهم في البحث عن أقواتهم ومواجهة أمراضهم وتجرع ذل الجهل ومرارة الفساد، ويستمرئ السياسيون والإعلاميون والأكاديميون وأصحاب المناصب بيع الأكاذيب في أسواق النخاسة رائجة البضاعة!

من جهة أخرى، ومع ظهور تطبيقات التواصل الاجتماعي (مثل تويتر وفيسبوك وإنستجرام وواتس آب وغيرها)، اكتسبت ثقافة النُقطة زخمًا كبيرًا غير مسبوق، فما أن يكتب أحدهم شيئًا ولو كان تافهًا، لا سيما إن كان مشهورًا أو مسؤولًا أو ذا منصب أو تُرجى منه مصلحة لطائفة من الناس، حتى ينهال عليه “النقوط” من كل صوبٍ وحدبٍ في أشكالٍ مختلفة، بدايةً من رموز الإعجاب والحب والسعادة والحزن، ومرورًا بالتعليق مدحًا وتهليلًا، ووصولًا إلى المُشاركة على الصفحات الخاصة والعامة! وتلك نقوط ميسورة ورخيصة، فلا تستلزم جُهدًا بدنيًا أو إنفاقًا أو وقتًا مُحددًا مثلما كان الحال من قبل، بل إن كل ما على المرء في الواقع الافتراضي أن يُمسك بهاتفه أو يجلس أمام حاسوبه ليُمارس التنقيط في سهولة ويُسر! فإذا ما ترك المُنقَّط منصبه أو انتفت الحاجة إليه وجدت المُولد وقد انفض من حوله، وتركه المُنقطون يُكابد الغُربة على نواصي صفحته!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

لا شك أننا جميعًا نميل إلى تلقي المديح، وتطرب آذاننا لسماع الإطراء ولو كان كاذبًا، ونسعى في تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى الحصول على أكبر قدر من التقدير والدعم تعويضًا لما قد نفتقر إليه في عالمنا الفعلي، حتى لقد كشفت إحدى التجارب التي أجريت على تسعة عشر شخصًا، باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي لرسم خريطة لنشاط الدماغ، أن كلًا من المجاملات والمكافآت المالية تُنشط منطقة الدماغ ذاتها المرتبطة بالمكافأة، وهي المنطقة المعروفة باسم المُخطط (Striatum). ومع ذلك، علينا أن نُدرك، ولعلنا نُدرك بالفعل، أن ثمة فرقًا بين من يُمدح استحقاقًا ومن يُمدح نفاقًا، وبين من يُمدح تطوعًا وحبًا دون مصلحة تُبتغى ومن يُمدح طلبًا منه أو خوفًا من بطشه أو التماسًا لحاجة لديه، علينا أن نُدرك، ولعلنا نُدرك بالفعل، أن ثمة فرقًا بين أن تتفاعل بالرموز التعبيرية والتعليقات والمشاركات مع فكرٍ حقيقي، وأن تتفاعل مع التوافه إشباعًا لتفاهة تعيشها وتتعايش معها، وأن ثمة فرقًا بين أن تمدح مثلًا جمال فكر امرأة، وبين أن تمدح جمال وجهها أو دقة تناسق جسدها أو نعومة حديثها، علينا أن نُدرك، ولعلنا نُدرك بالفعل، أن كثرةً ممن يجوبون مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي هم جُهلاء يُهللون لجهلاء، ومرضى يربتون نفاقًا وتملقًا على أكتاف مرضى، وبُسطاء ضلوا طريقهم فراحوا يُنقطون التماسًا لفتات موائد الكبار، أو من ظنوا أنفسهم كبارًا!

يستيقظ أحدهم من نومه، يُؤرقه خواءٌ فكري وعوارٌ نفسي، باحثًا عن إنجازٍ لا تؤهله قدراته وملكاته لتحقيقه، وعن إطراء زائف يُشبع به الأنا المريضة ويُباهي به الآخرين، ولأن ثقافة النُقطة هي الرائجة، تراه يعمد إلى هاتفه أو حاسوبه مُنقطًا ومتلقيًا للنُقطة! والغريب أنه يكاد يُصدق نفسه، ويكاد يُصدق أن الآخرين يُصدقونه، حتى أصبحنا مجرد دمى محشورة داخل صندوق أكاذيب أحكموا غلقه علينا، ولو تصاعدت منه الأكاذيب لوسعت الأرض وأهلكتها! والأغرب من ذلك أن ثمة أناسًا ما زالوا يمتلكون القدرة على استنشاق الأكاذيب داخل الصندوق، بل والتطبيل على جوانبه!

الحلول غائبة، والعلاج مهمل، والعنتريات غالبة، ونقاط الحروف مهاجرة، والعقول سُكارى، والضمائر غافية، والقلوب حبلى بالمظالم، وللأسف، هؤلاء الزاحفون من مقابر التاريخ، الخارجون من كهوف الجهالة والنفاق والتفاهة، لا يعون أن الكوكب غير آبه لحضورهم من عدمه، ولا يدركون أنهم عبءٌ على البشرية المتوثبة نحو الحضارة والعلم، ومع ذلك يرون أنفسهم أقانيم الحق في مرايا العصر الكاذبة، كم من أثقال يئن تحت وطأتها الوطن!

مقالات ذات صلة:

الكذب والدونية

الحرب غير المعلنة بإستخدام وسائل التواصل الإجتماعي

المنتكسُ يستقيم

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية