عندما تصبح التفاهة ثقافة

عندما سئل الكاتب الروسي أنطون تشيخوف عن طبيعة المجتمعات الفاشلة، أجاب قائلًا :”في المجتمعات الفاشلة، يوجد ألف أحمق مقابل كل عقل راجح، وألف كلمة خرقاء إزاء كل كلمة واعية. تظل الغالبية بلهاء دائمًا، وتغلب العاقل باستمرار. فإذا رأيت الموضوعات التافهة تتصدر النقاشات في أحد المجتمعات، ويتصدر التافهون المشهد، فأنت تتحدث عن مجتمع فاشل جدًا”.
دخل رجل سوقًا يعج بالناس، فرأى جمعًا غفيرًا يلتفون حول مهرج يطلق النكات ويقلد الأصوات، في حين كان على مقربة منه حكيم يشرح للناس أسباب جفاف النهر الذي تقوم عليه حياتهم كلها، فلم يقف عند الحكيم إلا نفر قليل. تعجب الرجل من هذا المشهد، فقال له أحد العقلاء: “الناس لا يفرون من الحقيقة لأنها كاذبة، بل لأنها مكلفة”.
فالتسلية تمنحهم متعة عاجلة، أما الوعي فيطالبهم بمراجعة أنفسهم وتحمل مسؤولياتهم. وهذه الأقصوصة، على بساطتها، تكشف قانونًا يتكرر في حياة الأفراد والأمم، فكلما ارتفعت قيمة الشيء ازدادت كلفته النفسية، وكلما انخفضت قيمته ازداد الإقبال عليه. ولذلك قيل: “الناس إلى السهل أميل منهم إلى النافع”، وهي حكمة تختصر جانبًا مهمًا من أزمة التفاهة في المجتمعات.
إن أخطر ما تفعله التفاهة أنها لا تهدم المجتمعات بضربة واحدة (الضربة القاضية)، بل تستنزفها ببطء حتى تفقد قدرتها على التمييز بين المهم والهامشي. فالمجتمع لا ينهار حين يكثر الجهل وحده، بل حين يختلط الأمر الجاد بالهزلي، والإنسان العالم بالمهرج، وصاحب الرؤية بصاحب الضجيج.
وعندما تصبح الشهرة بديلًا عن الكفاءة، والإثارة بديلًا عن الفكرة، تتحول ساحات النقاش إلى أسواق للانتباه لا إلى ميادين للمعرفة. وقديمًا قال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
لأن صاحب الوعي يرى ما لا يراه غيره من مواطن الخلل والخطر. أما التفاهة فتمارس نوعًا من التخدير الجماعي يجعل المجتمع مشغولًا بأعراض المرض عن أسبابه، وبالزبد الطافي على السطح عن التيارات العميقة التي تحرك مصيره.
ومن الناحية النفسية، لا يقبل الناس على التفاهة دائمًا لأنهم يجهلون تفاهتها، بل لأن النفس البشرية تميل بطبعها إلى ما يمنحها إشباعًا سريعًا بأقل جهد ممكن. فالموضوع الجاد يفرض على الإنسان أن يفكر ويقارن ويعيد النظر في قناعاته، في حين تمنحه التفاهة متعة فورية لا تتطلب منه شيئًا.
لهذا تنتشر الأخبار المثيرة أسرع من الحقائق الدقيقة، وتجد القصص السطحية جمهورًا أوسع من الأفكار العميقة. وقد أشار غوستاف لوبون في كتابة (سيكولوجية الجماهير) إلى أن الجماهير تنجذب غالبًا إلى ما يخاطب العاطفة أكثر مما يخاطب العقل. ومن هنا يصبح كثير من الناس أسرى لما يثير انفعالاتهم لا لما ينير عقولهم، فيعرفون أن ما يتابعونه قليل الجدوى، لكنهم يستمرون فيه لأن أثره النفسي أسرع وأيسر وأقل إزعاجًا للضمير والفكر.
غير أن المشكلة لا تقف عند حدود النفس، بل تمتد إلى بنية المجتمع نفسه. فحين تتراجع مكانة العلم والفكر، وتضعف المؤسسات التي تصنع الوعي، يصبح التافه أكثر حضورًا لأنه أكثر قدرة على اجتذاب الانتباه في زمن السرعة والازدحام.
مع مرور الوقت تنشأ دائرة مغلقة، فالتفاهة تنتج جمهورًا أقل وعيًا، وهذا الجمهور يمنح التفاهة مزيدًا من النفوذ والانتشار. وعندئذ يصبح أصحاب الأفكار الجادة غرباء في أوطانهم، لا لأن أفكارهم ضعيفة، بل لأن السوق الثقافي أصبح يفضل ما يثير على ما يبصر، وما يلهي على ما يبني.
لهذا فإن معركة النهضة في جوهرها ليست معركة معلومات بقدر ما هي معركة أولويات، معركة تعيد الاعتبار لما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وتحرر العقول من استبداد الضجيج الذي يملأ الأسماع في حين يترك الأرواح والعقول أكثر فراغًا وفقرًا مما كانت عليه. قال الله تعالى: “فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ” الرعد:17.
مقالات ذات صلة: