تليسكوب القمر! .. مشروع جديد لوكالة ناسا يهدف لرؤية عصور الكون المظلمة قبل تكون النجوم!
تخيل لو قلتلك إن وكالة ناسا دلوقتي بتشتغل على مشروع هدفه بناء تليسكوب راديو فضائي على سطح القمر!
والتليسكوب دا مش بس هيكون أول مشروع من نوعه وبحجمه دا يبنوه ويجمعوه خارج حدود كوكب الأرض، لكن كمان هيكون أهم مشروع علمي وفلكي توصل له تاريخ الإنسان تقريبًا! عشان هو بحجمه اللي هيتجاوز حجم العاصمة الأمريكية واشنطن كلها، هيقدر يرصد فترة في عمر الكون سبقت وجود النجوم نفسها وتكونها!
وعن طريق دا، هيقدر أخيرًا يجاوب على السؤال الأزلي، يا ترى إيه اللي كان موجود في لحظة بداية الكون؟!
اربط حزامك بقى واستعد، وهات كوباية الشاي بالنعناع وتعالى معايا النهاردا آخدك في رحلة جديدة نحكي فيها عن مشروع عملاق جديد، هيغير تاريخ العلم كله!
تلسكوب ناسا على سطح القمر
شوف يا صديقي، يوم 6 أبريل اللي فات، ناسا نشرت لأول مرة على موقعها الرسمي مجموعة من المشروعات الجديدة اللي هتتلقى دعم مالي من الوكالة، لبدء دراستها وتنفيذها قريب بعد الموافقة عليها، ومن بين الأفكار الجديدة دي، كان في فكرة بعينها شديدة الطموح لدرجة إنها أبهرت علماء مختبر الدفع الصاروخي أو (JPL) هناك، وخلتهم يحلموا باليوم اللي ممكن تتنفذ فيه.
الفكرة دي كات عبارة عن مشروع اسمه مرصد فار فيو (Far View Observatory)، ودا تليسكوب راديو فضائي ضخم جدًا، هيتبنى على مساحة واسعة وكبيرة للغاية من سطح القمر، بحيث إنه يمتد لمساحة أكبر من حجم مدينة واشنطن الأمريكية كلها!
التليسكوب دا تبعًا لكلام ناسا، هيكون قادر إنه يلقط موجات الراديو شديدة الخفوت، اللي جاية من أعمق أعماق الكون، ويعالجها بحساسية شديدة غير مسبوقة في تاريخ علم الفلك بأي تليسكوب سابق، وعن طريقها، هيقدر يورينا زمن من عمر الكون محدش شافه قبل كدا، في ترددات من موجات الراديو لم تستكشف قبل كدا من البشر على الإطلاق!
عشان تبقى متخيل بس وفاهم الموضوع دا هيكون مذهل وهيغير مسار العلم كله قد إيه، فخليني أقولك إن في فترة من تاريخ الكون لحد دلوقتي العلم مش قادر يوصلها، ومفيش ولا تليسكوب قادر إنه يرصد أي آثار جاية منها بأي شكل، ولا حتى تليسكوب جيمس ويب الجديد، والسبب في دا إن في الزمن دا من عمر الكون، اللي كان بعد 370 ألف سنة تقريبًا من الانفجار الكبير، فالكون أصلًا مكانش فيه نجوم خالص لسه!
اقرأ عن: “الخاتم العظيم”
رؤية عصور الكون المظلمة
الفترة دي يا صديقي بيسموها العصور المظلمة للكون (Dark Ages of the universe)، ودا عشان لفترة امتدت لـ370 ألف سنة تقريبًا من بداية الكون، كان الفضاء كله بيتكون من سحابات عملاقة وشديدة الضخامة من الهيدروجين، والسحابات دي مكانتش بيصدر منها أي ضوء خالص، والطاقة اللي كانت بتنبعث منها كلها كانت بتطلع في صورة موجات راديو، بس طبعًا بعد مرور مليارات السنين، وبدء تكون النجوم وتوسع الكون الهائل فوق حدود الاستيعاب، موجات الراديو دي بقت تسافر مسافات طويلة جدًا لحد ما تمددت أطوالها الموجية لحدود مذهلة، تتجاوز الـ30 متر للموجة الواحدة!
عشان كدا، رصد الموجات دي صعب جدًا علينا حاليًا باستعمال أي وسيلة رصد معروفة للبشر، والتليسكوبات الراديوية الضخمة جدًا كلها اللي اتبنت هنا على الأرض اللي زي مرصد (أرسيبو) (Arecibo Observatory) كان صعب عليها جدًا تنجز مهمة زي دي، نظرًا لإن الغلاف الجوي للأرض وخصوصًا طبقة الأيونوسفير (Ionosphere)، بتتداخل مع الموجات دي وبتعكسها مرة تانية للفضاء الخارجي، وبتخلي صعب جدًا رصدها.
دا غير طبعًا الضوضاء الراديوية الصادرة عن البشر نفسهم هنا على الأرض، والمصادر الصناعية كلها للموجات اللي بتخرج من الحضارة البشرية وآثارها، واللي بتنعكس بدورها على السما وبتتداخل مع موجات الراديو الكونية الخافتة جدًا دي، وبتتسبب في تشتيتها وبتخلي التقاطها مستحيل تمامًا على وسائل الرصد الحديثة!
تخيل إنك عايز ترصد فترة من تاريخ الكون كان فيها سحابات معتمة من الهيدروجين بس، ومفيهاش أي ضوء! فترة حصلت بعد كام ألف سنة من الانفجار الكبير نفسه! حاجة مذهلة ومستحيل تقدر تستوعبها بسهولة، وعشان أقرب الموضوع لذهنك بس، فيكفي إني أقولك إن تليسكوب جيمس ويب بجلالة قدره وقوته ودقته غير المسبوقة دي كلها، بيقدر يرصد تاريخ الكون لحد 300 مليون سنة بس بعد الانفجار الكبير، وميقدرش علميًا وعمليًا يوصل لأبعد من كدا!
عشان أقرب الموضوع أكتر لذهنك بخصوص قد إيه موجات الراديو اللي بترصدها التليسكوبات الراديوية دي ضعيفة، فخليني بردو أقولك إن موجات الراديو كلها اللي التقطتها التليسكوبات الراديوية كلها في تاريخ العلم البشري جميعها مع بعض متوصلش لقدر من الطاقة يكفي حتى لإذابة رقاقة صغيرة من التلج!
طيب، التليسكوب دا هيتبني إزاي بقى؟ وإيه خطته؟!
اقرأ أيضاً: نظرية جديدة تكتب نهاية لغز الطاقة المظلمة
خطة بناء التلسكوب العملاق على سطح القمر
الموضوع يا صديقي هيبدأ بإنهم هيبنوا شبكة عملاقة من شرائح الألومونيوم على مساحة واسعة جدًا من سطح القمر، تقدر بنحو 77 ميل مربع، والشبكة دي هتكون بتأدي الغرض نفسه اللي بتأديه القضبان أو الأسلاك المعدنية اللي بتبقى موجودة عادة في الهوائيات أو الـ(Antennas) بتاعت أجهزة الراديو اللي هنا على الأرض.
لكن طبعًا بسبب حجم الشبكة العملاقة اللي هيتكون منها التليسكوب دي، فهي هتقدر تلتقط موجات غير محسوسة لأي تليسكوب تاني اتبنى قبل كدا، وكمان بسبب إن التليسكوب الضخم دا هيكون مبني على القمر، وتحديدًا في الجزء البعيد عن الأرض منه، واللي بسببه اتسمى التليسكوب (Far View)، فهو هيكون بعيد تمامًا عن صور التشويش والتداخل كلها مع الموجات الراديوية الخارجة من الأرض، واللي ممكن تأثر على عمل أجهزته وحساسيتها.
دا غير كمان إنه جسم القمر نفسه هيكون بيحجب أي موجات جاية من الأرض ناحية التليسكوب، وهيمنعها من التأثير عليه، بمعنى إن القمر نفسه هيكون أقرب لدرع حماية للتليسكوب، غير كمان إن بسبب كون القمر مالوش غلاف جوي، فمفيش أي حاجة تانية هتقدر تأثر على عمل التليسكوب خالص!
طبعًا أنت دلوقتي بتسأل طب هما إزاي أصلًا هيقدروا يبنوا المشروع دا كله بحجمه الضخم دا، وهما لسه أصلًا مش قادرين يروحوا القمر بسهولة، ولسه مهمات آرتميس اللي هدفها إنشاء قاعدة بشرية قمرية دائمة مخلصتش؟! وإزاي أصلًا ممكن عدد كبير من البشر يفضلوا موجودين طول الفترة دي على القمر عشان يبنوا مشروع حجمه يتجاوز الـ77 ميل مربع؟! وإزاي هيطلعوا كل الألومنيوم دا للقمر؟!
الأسئلة دي يا صديقي منطقية كلها، بس إجابتها في الواقع بسيطة لدرجة إنها هتبهرك!
تعرف على: أسطورة مسبار بلاك نايت!
ناسا تعتزم إرسال روبوتات لبناء تلسكوب على سطح القمر
أول حاجة، الألومنيوم والمعادن التانية اللي هنحتاجها في بناء التليسكوب دا مش هيطلقوها من الأرض أساسًا، لأن المفاجأة إنها موجودة أصلًا على القمر، وبكميات وفيرة وكتيرة! وعشان كدا مش محتاجين نتكلف مبالغ ضخمة ومليارات الدولارات عشان نطلعها من الأرض، بل كل اللي هنحتاجه إننا نستخرجها من سطح القمر بمنتهى السهولة!
كمان اللي هيبني المشروع دا فوق سطح القمر مش هيكون بشر أصلًا، بل هيكون روبوتات مميكنة هيصمموها ويبنوها مخصوص لإنجاز المهمة دي، وهما دول اللي هيشتغلوا على إنجاز الأعمال الشاقة الخاصة باستخراج المعادن وتحويلها للشكل المطلوب، وبعدين بناء التليسكوب نفسه، وشبكه القضبان والأسلاك اللي هيستعملوها فيه، وممكن يتحكم في الروبوتات دي بعض البشر اللي هيكونوا موجودين مستقبلًا على القمر في مستعمرة آرتميس، وفي محطة الفضاء اللي هيحطوها في مدار القمر عشان تساعد المستعمرة!
دول كلهم ممكن يتابعوا أعمال البناء والتشييد، ويتحكموا في الروبوتات ويدوها الأوامر ويدرسوا أي معوقات ممكن تواجهها، ويحلوها بالتعاون مع فرق المختصين اللي هيكونوا موجودين في مركز التحكم في المهمة هنا على الأرض، في مقر ناسا المشهور في هيوستن تكساس!
دا كله طبعًا غير إنهم هيبنوا شبكة ضخمة بردو من الألواح الشمسية عشان تقدر تمد المشروع دا بالطاقة اللازمة، وتقدر تشحن الروبوتات اللي هتشتغل على التليسكوب وتوفر لها مصدر طاقة مستمر!
البحث عن أصل نشأة الكون
طبعًا زي ما أنت أكيد متخيل، المشروع دا هيكلف ناسا مليارات الدولارات، وهيكون غالبًا واحد من أكبر المشروعات اللي اشتغلوا عليها في تاريخ العلم البشري تقريبًا، بس الحلو في الموضوع إن المشروع عاجب جدًا إدارة ناسا وفرق العلماء والمهندسين هناك، وكدا كدا وكالة الفضاء الأمريكية مشهورة بإنها بتصرف كتير على مشروعاتها العلمية، ومش صعب عليها خالص توفر تمويل لمشروع ضخم زي دا، زي ما عملت في تليسكوب جيمس ويب اللي وفرتله ما يقرب الـ11 مليار دولار!
بس الفكرة إن الفايدة العلمية اللي ممكن تعود علينا من بناء تليسكوب زي دا، هتكون لا تقدر بثمن حرفيًا ومن دون أدنى مبالغة، هتسألني ليه؟ هقولك إن لو إحنا عندنا تليسكوب يقدر يورينا توزيع الغازات في فترة العصور المظلمة للكون، وقبل تكون النجوم، فإحنا هنبقى قادرين إننا نتابع بداية تكون النجوم نفسها واشتعالها من البداية، وهنشوف لحظة تكون المجرات وتوزيع كتلة المادة فيها!
ودا بكل تأكيد هيقدر يدينا أخيرًا نظرة حقيقية على طريقة تكون المادة المظلمة، وإزاي اتوزعت داخل المجرات وإزاي وصل الكون لشكله الحالي! ويمكن أخيرًا نقدر نعرف المادة المظلمة دي نفسها بتتكون من إيه، ودا من دون أدنى مبالغة هيكون أكبر إنجاز علمي في تاريخ علم الفيزياء الفلكية بالكامل!
فعايزك تتخيل أنت بقى شكل المستقبل اللي ممكن يكون منتظرنا كمان كام سنة!
مستعمرة بشرية ضخمة على القمر، ليها وجود دائم، ورواد فضاء رايحين جايين عليها، ومحطة فضاء بتدور في مدار حواليهم عشان تتابع سرب كبير جدًا من الروبوتات المميكنة اللي بتشتغل على بناء أعظم تليسكوب راديو فضائي عرفه العلم!
ودا كله خطوة صغيرة بس في مسار سعي البشرية الدائم ناحية الوصول لأعظم أسرار الكون نفسها!
مصادر:
https://www.nasa.gov/press-release/nasa-awards-innovative-concept-studies-for-science-exploration
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا