احلم معايا .. الجزء الثاني
خلينا نشوف السؤال الجوهري، إحنا إزاي بنحلم أصلًا؟
مراحل دورة النوم
الإنسان في النوم بيمُر بمرحلة أوّلية اسمها (Non-Rem)، ودي فيها العقل بيراجع كل اللي حصل طول اليوم، مُراجعة سريعة كده.
بعدين مرحلة (REM – Rapid Eye movement) أو حركة العين السريعة، وفيها الإنسان جسمه كله بيكون مُتصلب مشلول، لكن عيونه شغالين والحاجز الصدري شغال عشان يسمح له بالتنفُس، وكمان المُخ.
إحنا في أثناء ما بنكون مشلولين شلل تام، بنغرق في عالم تاني، عالم إحنا مش مسؤولين فيه عن أفعالنا، ومبني بالكامل من دماغنا إحنا، عالم دماغنا فيه هي الإله اللي كوّن كل الظروف وكل البيئة أو الـ(Criteria) محل الحلم، يعني عالم من صُنعنا إحنا.
هناك بنشوف نُسخ تانية من البشر، نُسخ بتتعامل دون منطق، يعني مفيش نُضج فكري، نُسخ مستسلمة تمامًا للغرائز الإنسانية البدائية اللي مش بيُحكمها مُجتمع أو أفكار، يعني اللا منطقي بيكون منطقي في عالم الأحلام بكل سهولة.
أفعال زي الجنس والقتل والسرقة والهروب من الأشياء واللا مُبالاة غير المنطقية، بتكون نشيطة وسهلة جدًا، لدرجة إننا أحيانًا بنكون كما لو إننا إحنا الأشرار.
بس تعالى أقولك كام حقيقة كده نتجت لنا عن الأحلام بعد دراسات وبحث طويل.
كيفية التحكم في الأحلام
مُعظم أحلامنا عبارة عن مجموعة صور مُتحركة في مُعظم الأحيان من دون صوت، يعني فيه تداخُل ما بين العالمين تداخل مُؤكد كده، العالم اللي إنتَ دخلته من بوابة النوم ده بيكون أصلًا عالم مبني كامل مُتكامل من دماغك إنتَ، فأكيد كل المُؤثرات الواقعية قدرت تؤثر في العالم ده وترسمه.
بعد كل ده إنتَ دلوقتي فهمت إن فيه عالمين، عالم إنتَ ملكش يد فيه وبتتعامل معاه وبتتأثر منه وبيه رغمًا عنك (الواقع)، ومطلوب منك كمان ردود فعل جُواه، وعالم تاني بتاعك إنتَ مُخك صنعـه بس متأثر بالواقع بتاعك إنتَ لوحدك، انفعالاتك وانطباعاتك وذاكرتك.
هنا بنرجع لمقال مجلة (scientific American)، واللي أصلًا بدأ بفكرة غريبة شوية، إزاي نقدر نتحكم في “أحلامنا” أصلًا؟ وهل عندنا القُدرة على ده؟
المقال بيتكلم في أوله بأسلوب فانتازيا أصلًا عن الإمكانية دي، بما يُسمى (Manifestation)، أي تسريب الأفكار جُوة المُخ بادعاء أو تظاهُر باللا وعي، وده بيكُون عن طريق التدريب، وتمرين عقلك ولا وعيك على التفكير بطريقة مُعينة.
يعني نضحك على نفسنا، ودي درجة عالية جدًا من الوعي بتحصل لما الإنسان يُدرك أصلًا هو بيفكر إزاي، ويحاول يخدع نفسه باستعمال “حيل” يُمارسها ضد نفسه تؤثر في اللا وعي بتاعه، زي ما قالت “باريت” عن طريق الكتابة، وإلخ.
الأحلام وتداعياتها النفسية
لأن الأحلام عالم مُنفصل تمامًا عننا، بناء على التقرير اللي بيقُول إن الألوان في الأحلام بتكُون “فاقعة” أكثر، وبنشُوف ألوان يمكن عينك متشُوفهاش في الواقع، والرُؤية على الرغم من تشويشها فبتكُون أوضح.
لأن في العالم ده الواقع غير مُرتبط بسقُوط الضوء على المادة لتشكيله، وإنما الموضوع ناتج عن تعارُض ما بين عقلك والخلايا العصبية، وعليه هُناك لُغة وإشارات في العالم ده مُختلفة تمامًا عن الواقع ولُغاته، وده بيتجلى عندنا في القُرآن الكريم، وتحديدًا في قصة النبي “يُوسف”.
يعني هل من المُمكن أن يكُون تأويل الرؤى والأحلام “مُعجزة”؟ إزاي وفيه ناس كتير قالت أنها بتقدر تفسر الأحلام؟
بُص يا رفيق..
الأحلام حالة خاصة جدًا، ميقدرش يفسرها ليك غير نفسك، لأن الإشارات اللي جُوة كُل حلم ليها تأويل لنفسك يختلف عن العالم كُله، إحنا بس قدرنا علميًا نفهم إن الحلم لما يكُون فيه مثلًا شيء مُتكرر بينتُج عنه انفعالات مُعينة في الخلايا العصبية.
رؤيا يوسف عليه السلام
إنما تأويل للأحلام ومنه نقدر نفهم حاجات في الواقع غير مفهُومة ونتوقع حاجات في المُستقبل لغيرنا، دي محصلتش إلا مع النبي “يُوسف”، يعني مُمكن تحصل معاك صُدفة مرة ولا اتنين، لكن سيدنا يُوسف عليه السلام تحكي له الحلم أو الرؤيا اللي شُوفتها يقُوم فاكك شفراتها ورمُوزها فورًا، دليل على ده إن من مُعجزات سيدنا يوسف عليه السلام كانت قدرته الدقيقة الإعجازية على تفسير رموز العالم ده وأكواده.
يعني هتشوف إن التغييرات الجذرية اللي حصلت في حياة سيدنا يوسف كلها قامت على الأحلام، شوف سيدنا يوسف بيقول لربه إيه مثلًا: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ يوسف (101)، كمان: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ يوسف (4).
وقتها سيدنا يعقوب قاله ألا يقص رؤياه على إخوته فيكيدوا له، إذًا فالأحلام وفقًا للآيات “رسالة” واقعة ويُمكن تفسيرها.
كمان هنشوف قُدرة سيدنا يوسف دي في تفسيره لحلم السجينين معاه في السجن، واللي كان سببًا في خروجه من السجن، ثُم تفسيره لحلم حاكم مصر، واللي تسبب بعد كده في أنه يكون عزيز مصر.
يعني الأحلام عند سيدنا يوسف كانت سببًا رئيسيًا في وصوله إلى القاع ومنه إلى القمة، قُدرته على تفسير أكواد العالم ده بتؤكد أنه مش مُجرد سراب، لأ ده عالم بيُرسل لنا إشارات مهمة جدًا ممكن تحدد لنا العالم اللي إحنا بنسميه واقعنا تحديدًا كبيرًا.
يعني إيه؟
ما الذي تقوله لنا أحلامنا؟
العالم ده بيستقبل منك بيانات الواقع اللي إنتَ عايشه، يخزنها جُواه وبعدين بيبدأ في إنه يُفرد لك مشاهد زي أفلام ودراما، تستخلص منها قصة تتحكى بس مفيهاش أي منطق، وعشان نخليها منطقية ونعرف الرسالة المُوجهة لينا من العالم التاني ده، لازم نفسرها ونُحط لها تعاريف ومفاهيم تتسق مع الواقع بتاعنا.
مينفعش نروح لحد نقوله “فسر لي” لأن ده ضد منطق الأمر نفسه، إنتَ بس اللي تقدر تفهم وتترجم أحلامك، وتستنبط الإشارات المُرسلة من العالم ده، لأنه خاص جدًا بيك ومُرتبط بأفكارك إنتَ وانفعالاتك.
عشان تقدر تفهم أحلام غيرك دي قُدرة غير عادية، تتسم بالشفافية الروحانية وقُدرة استقراء غير عادية، يعني لو سيدنا يُوسف عليه السلام، كان صاحبي السجن جُم حكُوا له نفس الحلم بسياق مُختلف زي إنهم مُتهمين في قضية تانية أو الاتنين أبرياء كان تفسير الحلمين اختلف.
إذًا الأمر كان مرتبط بالسياق نفسه ومعرفة النبي بالأحداث المُحيطة بهما، والوضع اللي هُما فيه.
وعليه، فالإشارات اللي شافُوها في الحلمين مُرتبطة ارتباط وثيق بالأحداث اللي حواليهم، وحالة خاصة جدًا مرتبطة بسياق الأحداث من حواليهم.
إذًا اللي إنتَ فهمته من كُل اللي فات ده، الأحلام عالم يتأثر بنا ونُؤثر فيهِ فعلًا، لكنه عالم مُنفصل لهُ رمُوز وأكواد قُدرتنا على قراءتها تعتمد تمامًا على بصيرتنا ومدى نقاء أرواحنا، ولا يصح معها إسقاط تفاسير الآخرين عليها.
على الرغم من كونه مُنفصل عن الواقع فهو وثيق الصلة والاتصال بيه، بيتأثر بيه وبيؤثر فيه.
مقالات ذات صلة:
المصريون وسيدنا يوسف.. قصة الوعد القريب
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا