ما بعد الرُّها .. التاريخ يتمركز الآن

اثنان اهتما بدراسة تاريخ “الممالك الصليبية” في عالم الإسلام اهتمامًا مُركّزا، وعلى نحو خاص د/عبد الوهاب المسيري وجماعة “المؤرخون الجدد” في الدولة الصهيونية، د/المسيري أشهر من أن يُعرّف بعد أن حيا زمانه وزمننا والأزمان الآتية كلها بعمله الضخم “موسوعة اليهود/ اليهودية/ الصهيونية”، ورغم الالتصاقات اللصيقة كلها سنعرف من “أستاذ العصر” أن الثلاثة لا علاقة لهم ببعض، أما اهتمامه رحمه الله بالممالك الصليبية فكان من زاوية دراسته للاستيطان “الإبادة والإحلال”.
المؤرخون الجدد أكاديميون وُلدوا في إسرائيل واطّلعوا على أرشيف الجيش في الثمانينيات، واكتشفوا كذب الرواية الرسمية الإسرائيلية، ونشروا وثائق عن اتصال القادة العرب المبكر بالقادة الصهاينة، وتحدثوا عن “اليهودي العربي” الذي عاش أوقاتًا رائعة في وطنه العربي.
أفضل هذه المجموعة بالطبع “آفي شلايم” و”إيلان بابي”، وأسخفهم على الإطلاق “بني موريس” وهو صهيوني قُح، دائمًا ما يردد جملة “نحن امتداد أوروبا في هذه البقعة من العالم” وهو قول صحيح تمامًا، مثلما أمريكا امتداد أوروبا خلف الأطلسي.
هناك بالطبع مشاحنات ومزاحمات وتفريعات تفترق وتلتقي، لكن هؤلاء كلهم على بعضهم اسمهم “الغرب”، ومواقفهم من “الشرق” –نحن– نفس المواقف الصليبية الأولى التي بدأت عام 1096م، وهي نفسها من تتحدث الآن عن تغيير وجه الشرق الأوسط.
الحروب الصليبية لم تكن دينية؛ كانت غزوًا ونهبًا وصراعات داخلية، وخرّجوها على هذا النحو: صليبية.
الدولة الصهيونية ليست دينية، هي كما قال بني موريس: “امتداد أوروبا في الشرق لحماية مصالحها”، والحالة الدينية المصاحبة لها محض تعبئة كذوبة وحشد مزيف، مثلما كان الصليب والقدس في الحروب الصليبية تمامًا. الفارق الوحيد –والطريف– أن في زمن الحروب الصليبية كان اليهود في “حضن” العالم الإسلامي، في حضنه حرفيًا.
وبالمناسبة، لماذا لم يطالب اليهود وقتها بحقهم التاريخي في القدس كما تدعي الصهيونية الآن؟! لماذا لم تساعدهم أوروبا وقتها في إقامة وطن قومي لهم بـ”عين العطف” إياها وكانوا سيحافظون لهم على مصالحهم ويوظفونهم لخدمتهم، وكان العالم الإسلامي آنئذ في أكثر أوقاته سوءًا، كان أسوأ مما هو الآن بكثير!
المهم أننا لم نسمع أبدًا في هذه الحقبة، عن حق تاريخي ولا وطن قومي. أتمنى لو أن أحدًا يحرك هذه المفارقة الفاضحة، ويتحدث فيها بصوت عالٍ.
فاذا كان كلامهم صحيحًا، فلماذا لم يظهر في أنسب أوقاته أيامها، وذريعة الحرب المعلنة ساعتها كانت الكتاب المقدس “عهد قديم وعهد جديد”؟! هذا سؤال تاريخ منطقي موثق ومجمع عليه، لا روايات وحكايات المنامات.
إيلان بابي (أحد المؤرخين الجدد الأمناء) يقول: “إن تشكيل القومية الإسرائيلية الحديثة على خلفية دينية كان كارثة على اليهود، وذلك كان من صنيعة النخبة السياسية الصهيونية”، وضع ألف خط تحت هذه الجملة.
أعتقد أن هؤلاء يشكلون تنظيمًا عالميًا يتجدد ذاتيًا وداخليًا، وفيه يهود وغير يهود، بل لا دين له أصلًا، وله قواعد نفوذ ضخمة وتحقيق السيطرة وإيقاعها المنتظم في توجيه الأمور لمصالحهم جميعًا،
وذلك كله بالغ السهولة، فقط ضبط العلاقات وإحكام روابطها.
المصالح والإغراءات والإغواءات الفكرية ستكون خلطة مدهشة لضخ الحيوية والفاعلية والتأثير، والبشر هم البشر، والحجر هو الحجر، والشجر هو الشجر.
والتاريخ لا يتكرر فقط، بل يتكرر بتنويعات منوعة، على نفس السلم التاريخي/الموسيقي، النغمات واحدة وتختلف الألحان.
لكن ما علاقة هذا كله بالشرق الأوسط الجديد الذي يخططون له الآن؟
تقول الحكاية أن الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا، وأوافق بشدة شاعر الإمبراطورية “كيبلينج” على وصوله لهذه الحقيقة، ذات مساء قرمزي.
لم أتفهم الدور الرهيب العظيم الذي قدمه د/إدوارد سعيد، بل ويكاد يكون أفنى فيه عمره، في فضح فكرة “الاستشراق” إلا على ضوء “طوفان الأقصى” ومواقف التعرية والتكشف كلها الذي أتى بها. كنت أتصور أن الرجل يقدم جهدًا أكاديميًا في باب من أبواب العلوم الإنسانية، متأثرًا بتجربته كونه فلسطينيًا لاجئًا أو عربيًا مخدوعًا.
إلى أن انتبهت أن المسألة أخطر من ذلك بكثير في الوعي الغربي الاستعماري الممتد، الذي لا يريد الشرق على ما هو عليه بالفعل، بل يريد شرقًا “تفصيلًا” على ما يراه هو، متوافقًا مع رغباته ومصالحه وحروبه وسلاماته، إلخ.
كمّ الكراهية والحقد الأسود الذي كان يحمله “برنارد لويس” –أبو داعش كما يلقبونه– للدكتور سعيد غير مفهوم إطلاقًا، إلا على ضوء هذه القبضة التي قبضها سعيد بيديه من أحشائهم جميعًا، وألقاها في وجوههم جميعًا، وفعل معنا جميعًا في الشرق المسلم ما لا يُنسى، من كل ما هو عظيم ورائع وصادق، رحمه الله.
يقولون إذا كان احتلال القدس سنة 1099م إعلانَ الغزو الصليبي لهدفه بوضوح، فإن تحرير”الرُها” على يد عماد الدين زنكي عام 1144م –بعد نصف قرن من احتلالها– كان “الحدث الجلل” الذي كسر هيبة الصليبيين في الشرق. وبدأت بعدها المسيرة الطويلة للنصر الكامل على الغرب.
أدرك الرجل ببصيرة نفّاذة مدى حاجة العالم الإسلامي وقتها، لعمل استراتيجي ضخم يهز الشرق والغرب معًا هزًا عنيفًا.
سرعان ما اهتدى إلى هذا القرار: تحرير أول مدينة احتلها الصليبيون، وحكموها خمسين عامًا. وبمفاجأة عسكرية باهرة، وضع زنكي حدًا حديدًا للغطرسة والهيمنة والاستعلاء الغربي الصليبي، وأشرقت شمس اليقين من جديد.
سقوط “الرها” أحدث في أوروبا وقتها زلزالًا، مثل ذاك الذي أحدثه “طوفان الأقصى” في الغرب تمامًا، وبدأت الإعدادات الضخمة لحملات صليبية جديدة، لكن شتان بين ما قبل تحرير الرُها، وما بعد تحريرها.
سيستعيد العالم الإسلامي روحه الحبيسة من يأس قاتل، وسينطلق بعدها في رحاب الرحمن نحو جهاد التحرير الكامل.
مات عماد الدين زنكي وبدا أن الملحمة التي بدأها قد انتهت، لكن في الواقع كانت قد بدأت لساعتها، كما يقول لنا أمين معلوف في كتابه “الحروب الصليبية كما رآها العرب”، وهو ما حدث فعليًا على سلسال منتظم، حتى سقوط آخر إمارة صليبية: عكا عام 1291م.
175 سنة مكثها الصليبيون في أروع بقاع عالم الإسلام “الشام”، وكان لمصر شرف الإجهاز الأخير على هذا الوجود الخبيث، بحملة السلطان الأشرف خليل بن قلاوون في 18/5/1291م، وسقوط عكا.
يوم السبت 23 سبتمبر سنة 1144م أُسقط أول جدار في الحصن الصليبي بـتحرير الرُّها، وأصبح سقوط الحصن مسألة وقت، وهو ما حدث.
يوم السبت 7 أكتوبر 2023م أُسقط أول جدار في الحصن الصهيوني/الغربي بـطوفان الأقصى، وهذا ليس على التمني بل على الحقيقة الخالصة، ومن أفواههم، وأضحت المسألة: “متى؟” لا “كيف؟”.
وانتظروا التاريخ وهو يتمركز الآن في الشرق الأوسط.
ومن تقدم ليفتح لهذا التاريخ الباب، كان قد تحضر لهذا الأمر، بأقصى ما أمكنه من: تفكير وإعداد وقدرة وصبر وعرق ودم ودموع.
في الشرق يؤمن الناس العاديون أن “الله غالب على أمره”، وهذه حقيقة كونية وقرآنية وتاريخية.
فما ظنكم بإيمان المجاهدين ومن حول المجاهدين من أهل الأنوار والعزائم واليقين؟!
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا