فن وأدب - مقالاتمقالات

حينئذ لن يتذكر أحد من صنع الشيء

في الثلاثين من مارس عام 1981، خرج الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان من فندق هيلتون في واشنطن، محاطًا برجال الحرس السري، تحدوه عدسات الكاميرات، وابتسامات السياسيين المعتادة.

وبينما كان يتجه بخطى واثقة إلى سيارته الرئاسية المصفحة إذ اخترق المشهد شاب باهت الملامح يدعى “جون هينكلي”، أخرج مسدسه ليفرغ ست رصاصات متتالية في اتجاه الممثل السابق الذي صار رئيسًا يسكن البيت الأبيض.

كانت تلك الفترة ذروة الحرب الباردة مع الروس، واتجهت أصابع الاتهام مباشرة إلى الشيوعية متهمًا أوحدًا في مثل هذه الظروف.

لكن هينكلي لم يكن شيوعيًا ولا كان ينشغل أصلا بأية آراء سياسية، الحق أنه كان لا يحمل أي خصومة فكرية للرئيس ريجان ولم يعبأ يومًا بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة، ولم ينتم لأي أيديولوجيا تسعى لإسقاط الرأسمالية والهيمنة الأمريكية.

ربما كان هذا هو الذي نجاه فيما بعد من العقوبة المتوقعة لمثل فعلته، لقد كان الشاب محض عاشق مهووس يبحث عن لفت انتباه معشوقته، الممثلة الشابة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

حين فتّش المحققون غرفته لفك طلاسم فعلته، وجدوا رسائل غرامية للممثلة، وصورًا لها، وقصاصات تتعلق بجدول تحركات الرئيس! لقد أراد قتل رئيس لكي يثبت لممثلة ما أنه فارس أحلامها المنتظر!

القصة تصبح أكثر عبثية حين وصل المحققون إلى التفصيلة الأهم، هينكلي شاهد فيلم سائق التاكسي “Taxi Driver” مرارًا وتكرارًا، لدرجة التماهي التام مع شخصية بطل الفيلم “ترافيس بيكل”، السائق المضطرب نفسيًا الذي كان مهووسًا بالسيناتور بالانتاين المرشح الرئاسي في الفيلم، ثم خطط بطل الفيلم لاغتياله في محاولة لتفريغ إحباطه وغضبه تجاه المجتمع.

في تلك اللحظة تحديدًا، انشقت شاشة السينما، وخرج منها شيء مظلم ليمشي في الشوارع الحقيقية.

من السذاجة طبعًا أن نفترض أن كل من يشاهد فيلمًا عنيفًا سيستيقظ في الصباح التالي ليشتري سلاحًا ويطلق النار على الناس! البشر يا عزيزي كائنات شديدة التعقيد، تتقاطع في داخلهم ملايين المعايير العصبية والنفسية، لا يخضع أحدهم لمعادلة واحدة.

لكن جون هينكلي كان يمثل جرس إنذار مبكر لحالات تكررت وتتكرر باستمرار.

في عام 1999، دخل مراهقان إلى مدرسة “كولومباين” الأمريكية وارتكبا مجزرة بشعة راح ضحيتها اثنا عشر طالبًا ومعلمًا.

المراهقان كانا في أثناء ارتكاب الجريمة يرتديان معاطف سوداء طويلة، وهي صورة ربطتها وسائل الإعلام فورًا بفيلم المصفوفة “The Matrix” الذي كان يكتسح العالم وقتها.

يقينًا كان هناك تاريخ طويل ومظلم من التنمر، وثقافة السلاح، والاضطراب النفسي خلف هذه الجريمة، لكن الصورة السينمائية كانت حاضرة بقوة.

القـاتلان اختارا وضع نفسيهما داخل هذا “الكادر” الهوليوودي، وارتديا هذا الزي تحديدًا، ربما ليعطيا لجريمتهما البشعة طابعًا مشهديًا ملحميًا يخلده التاريخ.

في عام 2014، استدرجت فتاتان في الثانية عشرة من عمرهما صديقتهما إلى غابة كثيفة في ويسكونسن، وطعنتاها تسع عشرة طعنة.

الفتاتان كانتا تقرآن قصص رعب على الإنترنت عن شخصية خيالية تدعى”Slender Man”، واقتنعتا تمامًا أن سكب دماء صديقتهما هي الطريقة الوحيدة لإرضاء هذا الكائن والتقرب إليه.

المذهل هنا خلو القصة من أي فيلم هوليوودي ضخم بميزانية ملايين الدولارات، نحن أمام شخصية وهمية ولدت كدعابة سمجة في منتديات الإنترنت، ثم زحفت ببطء لتستوطن عقلين طفوليين هشّين، وتتحول إلى واقع دموي مرعب.

وفي كندا، أدين المخرج مارك تويتشل بقتل رجل، بعد ارتباطه المرضي لحد المحاكاة مع شخصية سفاح متسلسل في مسلسل شهير وقد وجدت الشرطة في مرآبه غرفة مجهزة بعناية فائقة، تتطابق تمامًا مع الغرفة المعقمة التي كان سفاح المسلسل يتعامل فيها مع ضحاياه!

في طوكيو عام 2021، ارتدى شاب ملابس شخصية “الجوكر” الشهيرة، وركب قطارًا مزدحمًا في يوم الهالووين، وبدأ يطعن الركاب ويشعل النار بهدوء تام، مدخنًا سيجارته بانتظار الشرطة. مشهد قريب جدًا لأحد مشاهد الفيلم الأمريكي الشهير الذي أثر على مجرم عبر المحيط!

حتى الجرائم التي تخلو من الدم لم تسلم من هذا الاستنساخ.

عصابة المسلسل الإسباني الشهير خرجت بكامل زيها من الشاشات في فرنسا والمغرب وتركيا حيث ظهر لصوص حقيقيون يرتدون الحلل الحمراء وأقنعة الرسام سلفادور دالي، ويقتحمون المؤسسات ويسرقون المعدات. يبدو أن الخيال كان مغريًا لدرجة تدفعهم لاستدعائه إلى الواقع وارتدائه كزي تنكري في أثناء محض سرقة حقيرة!

لا أحب أن أختزل الأمر إلى ادعاء حتمية التقليد أو المحاكاة، لكن الاحتمال يظل قائمًا، أما التأثر فهو يقيني مع الإقرار باختلاف صوره، قد يكون محاكاة زي أو قصة شعر أو طريقة كلام أو حتى قبول عقلي ونفسي.

كثير من الدراسات أقيمت بشأن تأثير مصادر التلقي خصوصًا المرئي منها على تصورات الناس، لعل أشهرها ما حدث مع سلسلة أفلام “الأب الروحي” وما فعلته من تلميع لصور عائلات الجريمة المنظمة أو “المافيا”، وكيف أنها ساعدت في ترسيخ الصورة النمطية للإيطاليين رغم محاولات كثير منهم لتغيير تلك الصورة.

ليس شرطًا أن نقلد ما نشاهده بحذافيره لكن التلقي البشري يمر بمؤشرات شديدة التعقيد تعكس ألوانًا مختلفة بحسب طبيعة كل شخص.

تخيل قاعة سينما تضم خمسة أشخاص يشاهدون الفيلم ذاته، الأول يشاهد المشهد المؤثر فيبكي متأثرًا، ثم يكمل أكل الفشار بسلام. أما الثاني فسيخرج من الفيلم بجملة حوارية ذكية يستخدمها في منشور ساخر على وسيلة تواصل. الثالث قد يعجبه قميص البطل فيذهب لشرائه في اليوم التالي. والرابع سيتقمص طريقة البطل في الكلام والمشي وحتى طريق إمساكه بلفافة التبغ وسيستعير لغة جسده لعدة أيام، ثم ينسى كل ذلك حين ينتقل إلى تقمص جديد.

لكن الخامس قد يكون مشكلة حقيقية، بل أحيانًا هو يمثل كارثة كامنة. تخيل الخامس شخصًا يحمل في داخله هشاشة نفسية عميقة أو هوسًا كامنًا، أو حتى اضطرابًا صامتًا، هو ينتظر شرارة معينة وحين يجدها فهو لن يسرق جملة أو قميصًا، هو قد يسرق “المبرر”.

قد يجد في الشخصية الشريرة أو المضطربة لغةً جاهزة تناسب مقاس أحد الوحوش الكامنة بداخله، تلك الوحوش كانت تتحرك في العتمة منذ زمن، وجاء الفيلم أو المسلسل ليمنحها الإذن الرسمي بالخروج، وصك البراءة المسبق لأفعالها.

الشاشة تقدم المادة الخام الجذابة، تلقي بالبذور في الهواء، أما صاحبنا فهو يملك التاريخ السري والتربة التي ستستقبل هذه المادة.

إن الفكرة قد تمر على مائة عقل فتكون محض نسمة عابرة وربما مسلية، لكن الفكرة نفسها تسقط في العقل رقم مائة وواحد، فتكون بمثابة عود ثقاب مشتعل سقط فوق أرض جافة غارقة في الوقود.

المشكلة تكمن في ذلك الشيء المظلم الذي كان يختبئ داخل بعضهم منتظرًا بشغف أن يشاهد هذا المحتوى بالذات ليعيد تعريف العالم من حوله.

حين نتعامل مع عقولنا كأنها محض شاشات تلفزيونية مسطحة نظن أننا نضغط زر الإيقاف، فتنطفئ الصورة، وينتهي المشهد، ونذهب للنوم آمنين مطمئنين، فهذا للأسف تصور قاصر قد يصل إلى حد خداع النفس!

الإنسان أبعد ما يكون عن كونه شاشة، الشاشة تعرض الصورة ثم تنطفئ، كثير من الناس أقرب إلى الإسفنجة، ذلك الشيء المتشرب المسامي الذي لا يتحكم فيما يمتص، تدخل إلى النفس الإسفنجية الوجوه، ونبرات الأصوات، الألحان الحماسية التي تسبق المشاهد، العنف والجمل التي تبرره، طرق الانتقام التي تبدو عبقرية في ظلام القاعات.

ثم ينصرف الناس، نخرج مقتنعين أن الأمر انتهى عند شارة النهاية، لكنه لم ينته بالضرورة، بعض الأشياء لا تختفي لأنها لم تعد أمام العين، هي فقط تنتقل إلى مكان أعمق، وتبقى هناك دون أن تطلب منا الإذن.

صانع المحتوى مسؤول عما يضعه أمام ملايين العيون، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى خطب أو مواعظ. لكن السوق له منطقه الخاص الذي غالبًا سيظل كذلك مهما كانت النداءات والمواعظ.

ما يثير الدهشة يبيع، وما يصنع الضجة يعاد إنتاجه، وما يجعل الناس تتحدث صباحًا عن حلقة الأمس يجد طريقه بسهولة إلى الحلقة التالية. الصناعة الرأسمالية ستستمر في إنتاج كل ما يدر المال ويجلب ملايين المشاهدات، غير عابئة بكونه محتوى منضبطًا أو مختلًا أو مدمرًا للقيم ولن تلتفت كثيرًا إلى طبيعة المتلقين.

العجلة ستدور بلا توقف، والمنتج سيبحث عن الإيرادات، والمؤلف يبحث عن الصدمة التي تصنع الضجة وتتصدر المبيعات وتجلب الشهرة وتضمن التريند، ويظل المشاهد قابعًا في مقعده المريح، يحدق في الشاشة بابتسامة الواثق الذي حصّنته عقلانيته، يهمس لنفسه باطمئنان من يميز بين الحلم والحقيقة: “الأمر كله محض تمثيل، دراما محبوكة لا أكثر!”.

لكن تلك الكتلة الرمادية القابعة داخل جمجمتك لا تشاركك هذه الفلسفة المتعالية، العقل في لحظات الغمر البصري المتلاحق قد يفقد قدرته الفطرية على فرز الواقع من الخيال، خصوصًا ذلك الإسفنجس.

والإسفنجة لا تملك رفاهية تحليل السوائل، ولا تختبر نقاء الماء قبل أن تتشربه، هي فقط تمتص. تمتص الماء الصافي الرقراق بالشراهة نفسها التي تمتص بها الوحل والسموم.

هكذا تتسلل أشياء كثيرة إلى الداخل دون ضجيج. كلمة كانت يومًا ما مستفزة أو بذيئة تصبح عادية. مشهد كان صادمًا يصير مألوفًا. سلوك كان يبدو شـاذًا عن السياق يصبح محض احتمال من احتمالات الحياة.

ثم لا تعرف في أي ليلة بالضبط تغيّر مقياس الأشياء في رأسك.

ينتهي الفيلم، تضاء أنوار القاعة فجأة فتؤلم عينيك، تظهر أسماء طاقم العمل متدفقة على الشاشة السوداء مصحوبة بموسيقى النهاية، تتثاءب، وتلقي بعلبة الفشار الفارغة في سلة المهملات، ثم تخرج إلى الشارع المزدحم لتمارس حياتك الرتيبة كأن شيئًا لم يكن.

تعتقد أنك قد تركت الحكاية خلفك في دار العرض، لكن الحكايات لا تكون دائمًا بهذا الأدب. بعضها يغادر معنا. يجلس في المقعد المجاور داخل السيارة، أو يمشي الهوينى معك إلى البيت، ثم يخلع معطفه بهدوء ويستقر في مكان ما لا نراه.

لا يفعل شيئًا، فقط يصبح جزءًا من أثاث الروح، لا يتكلم ولا يتحرك ولا يطلب شيئًا، يكتفي بأن يطوي ذراعيه في الظلام، وينتظر بصبر.

وبعد أشهر، وربما سنوات، قد تمر بأحدنا لحظة صغيرة تشبه مشهدًا قديمًا، أو نحتاج إلى فكرة، أو نبحث عن طريقة للتعبير عن غضب لم نفهمه بعد، فنجد شيئًا هناك، شيئًا كنا نظنه انتهى مع شارة النهاية لكنه لم ينته، كان فقط ينتظر أن تأتي لحظته ويحين دوره ليخرج إلى السطح.

حينئذ لن يتذكر أحد من صنع الشيء فقط سيتذكرون من خرج منه، وكيف خرج!

مقالات ذات صلة:

هل روجت السينما للعنف والبلطجة؟

من المسؤول عن التأثير الناتج عن مشاهدة الأفلام؟

يجب أن تسأل عقلك: ماذا يريد أن يقول المؤلف؟

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. محمد علي يوسف

‏‏كاتب وطبيب أسنان‏