مقالات

بين حقيقة الدنيا وواقع المجتمع

حينما تكون المهدئات ملجأ، والمُسَكِّنَاتُ متكئا، والخلوة منسربا، والسهد مأدبا، والنوم مهربا، وتضيق الدنيا بما رحبت، وتختنق بما وسعت، حينئذ يرى العبد المؤمن ألا ملجأ من الله إلا إليه، ولا اتكال إلا عليه، ولا بكاء إلا بين يديه، معتمدا على الدعاء كي يرفع عنه البلاء!

يا رباه رحماك في هذه الدنيا الفانية

فيا رباه رحماك رحماك بالمؤرقة قلوبهم، المغلقة دروبهم، المنطمسة طرقهم، المنغبشة سبلهم، الضائقة صدورهم، المضطربة أحوالهم، التائهة أرواحهم، الناحلة ألواحهم، الثائرة رياحهم، المشوشة أحلامهم، الضائعة آمالهم، الكثيرة آلامهم، المدنفة ذواتهم، المنكفئة أناتهم، المختنقة أنفاسهم، الشائهة صفاتهم، القلقة شياتهم،

القليل كَلامهم، الجم كِلامهم، الساهرة عيونهم، المنسفحة دموعهم.. أولئكم الذين لا يعرف النفاق إليهم سبيلا، ولا المداراة لهم دليلا، ولا الخيانة عندهم مهيعا، ولا الكذب لهم ذريعا، قد طَهُرَتْ نيتهم، ودامت محبتهم، وصفت مودتهم، وحسنت قصتهم، فقوبلوا بالغدر، وعوملوا بالعهر!

مجتمع على حافة الهاوية

قد تاهوا في مجتمع تهرأت أخلاقه، وسُمِلَتْ خِصاله، وتمزقت خِلاله، وتمايلت شمائله، وتهاوت منازله، وتشيأت مبادئه، وانتكثت عهوده، وتأرجح عموده، ونتن عوده، وصار باطله حقا، وصدقه محقا، ونهاره ليلا، وصغيره كبيرا، وعظيمه ذليلا، وأصيله كحيلا،

وحقيره أصيلا، وشريفه عاهرا، ونسيبه مقامرا، وفاجره رأسا، وفاسقه أُسًّا، وزلاله كدرا، وعينه أثرا، وحيوانه بشرا، وجميعه شذرا، وعالمه جاهلا، وجاهله ماثلا، وأسطورته مسخا ملاعبا، وفخره فارغا لاعبا، ومدارسه ذيلا، وحوضه نيلا، وراقصه معظما ونبيلا!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

مجتمع على حافة الهاوية، وما أدراك ما هي؟! قد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فلم يتبق لنا سوى انتظار النذير، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وليس إلا عليه متوكلون، وله منيبون، ولِحِمَاهُ لاجئون!

حقيقة الدنيا

اعلم يا هذا أن الدنيا ظل زائل، وعارية مستردة، فكثيرها قليل، وعظيمها حقير، ونبيلها ذليل، فلا تركن إليها، ولا تمل نحوها، فخذ حذرك، وتولَّ أمرك، ولا تكن من المغرورين، ولا تسر في ركاب التائهين ممن غرتهم الحياة الدنيا، فعاشوا أسارى، ومالوا سكارى، ونسوا حقيقتها، ولم يدركوا أنها ما وهبت إلا انتهبت، وما أوشكت إلا شكت، وما غلت إلا أوغلت، وما علت إلا اعتلت،

وما حلت إلا أوحلت، وما جلت إلا أوجلت، وما جلبت إلا أجلبت، وما جفت إلا أوجفت، وما أقبلت إلا ابتلت، وما كست إلا أوكست، وما عَذُبت إلا عذَّبت، وما نبتت إلا انبتَّت، وما أينعت إلا نعت، وما اتضحت إلا فضحت، وما وصلت إلا فصلت، وما دنت إلا أودنت،

وما مالت إلا ملَّت، وما عزمت إلا عزفت، وما تبخترت إلا تبخَّرت، وما ازينت إلا زنت، وما رنت إلا برت، وما أذنت إلا آذت، وما نبست إلا أيبست، وما اجتلبت إلا اجتنبت، وما أقلَّت إلا قَلَت، وما أحرمت إلا حرمت، وما مالت إلا مادت، وما رقصت إلا ارتكست، وما رفعت إلا وضعت، وما أولت إلا ولولت، وما ولَّت إلا تولَّت، وما بصرت إلا انتصرت، وما سرَّت إلا أَسَرَتْ، ولا كانت إلا هانت.

اقرأ أيضاً:

الحياة الإنسانية والإنسان

البحث عن السعادة 

لا تركننّ إلى الدّنيا وما فيها فالموت لا شكّ يفنينا ويفنيها

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*****************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. محمد دياب غزاوي

أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية- جامعة الفيوم وكيل الكلية ( سابقا)- عضو اتحاد الكتاب