فن وأدب - مقالاتمقالات

المسرح بين الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا .. الجزء الثاني

الفرق التقني بين "السينوغرافيا" والوصف "الإثنوغرافي" للمكان

وجه المقارنة

السينوغرافيا (SCENOGRAPHY) الإثنوغرافي (ETHNOGRAPHIC DESCRIPTION)

الهدف الأساسي: خلق تجربة بصرية وسمعية حية تخدم “الدراما” وجماليات العرض، توثيق وفهم سلوك البشر وثقافتهم داخل بيئتهم الطبيعية بدقة “علمية”.

الأدوات التقنية: الديكور، الإضاءة، الموسيقى، الأزياء، والتلاعب بالفضاء المكاني. الملاحظة بالمشاركة، تدوين الملاحظات الميدانية، المقابلات، والتحليل الثقافي.

طبيعة المكان: فضاء “متخيل” أو معاد صياغته لإيصال دلالات نفسية أو فكرية للمشاهد. فضاء “واقعي” يوصف بتفاصيله المادية والاجتماعية كافة كأنه مختبر للبحث.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

إن هذا التداخل الذي يربط فن المسرح بالأنثروبولوجيا والإثنولوجيا عبر الإثنوسينوجرغرافيا، يجعله “فرجة ثقافية شاملة” مما يساهم في صيانة التراث وتجسيده دراميًا.

اقرأ أيضاً: الجزء الأول من المقال

علاقة الأنثروبولوجيا بالإثنولوجيا

الأنثربولوجي الاجتماعي يهتم بالتحليل البنائي أو التركيبي للمجتمعات البدائية فإن هناك ارتباطًا وتداخلًا وثيقًا بين الإثنوغرافيا والإثنولوجيا بخصوص الدراسات العلمية التي يدرسانها.

العالم هيرز كوفنتر يرى في كتابه (الإنسان وأعماله) أن الإثنولوجيا والإثنوغرافيا من أقدم فروع المعرفة في علم الأنثربولوجيا عندما وصف الأوربيون القبائل والشعوب المحلية في أمريكا وإفريقيا وأستراليا وآسيا، إذ وصفوا أدواتهم وعاداتهم وتقاليدهم وكل ما يتصل بثقافاتهم المادية المختلفة، وسرعان ما تبني الأنثروبولوجيون هذه المعلومات واستخدموها في دراساتهم لتطوير المجتمع البشري.

إن استخدام الإثنوغرافيا في علم الآثار قديم قدم العلم نفسه، فقد استخدمت هذه المعلومات من المجتمعات البدائية والبسيطة والتقليدية لنماذج لمجتمعات ما قبل التاريخ والتاريخ القديم، وذلك عن طريق عقد المقارنات البسيطة وحتى أسماء ووظائف الأدوات التي توجد في المواقع الأثرية أخذت من ما هو معروف لدى الشعوب البسيطة التي درسها ووصفها الإثنوغرافيون.

الأنثروبولوجيا

كلمة يونانية (ANTHROPOLOGY) مركبة من “أنثروبوس” (إنسان) و”لوغوس” (دراسة أو علم)، أي “علم دراسة الإنسان”.

دراسة شاملة ومتكاملة للإنسان في جميع جوانبه (البيولوجية، الاجتماعية، الثقافية) عبر التاريخ والحاضر، وتهتم بأصوله وتطوره وثقافاته ومجتمعاته، وتتفرع إلى فروع مثل الأنثروبولوجيا الثقافية، والاجتماعية، والبيولوجية، وعلم الآثار، واللغويات، لدراسة السلوك البشري وتنوع المجتمعات البشرية، وتهدف إلى فهم الإنسان بوصفه كائنًا بيولوجيًا واجتماعيًا وثقافيًا معقدًا، بتنوعاته وتفاعلاته كلها.

إذًا الأنثروبولوجيا تعنى أساسًا بدراسة أصول الإنسان الكائن الطبيعي الاجتماعي والحضاري في آن واحد، وتطوره (من الأجداد الأوائل إلى المجتمعات الحديثة)، وتضم فروع الأنثروبولوجيا:

  • الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية:  دراسة الثقافات البشرية الحديثة والمعاصرة، والعادات والنظم الاجتماعية.
  • الأنثروبولوجيا البيولوجية (الطبيعية): دراسة التطور البيولوجي للإنسان وعلم الوراثة البشرية والتكيف الجسدي.
  • علم الآثار: دراسة الثقافات البشرية القديمة عن طريق الأدلة المادية والمخلفات.
  • الأنثروبولوجيا اللغوية: دراسة اللغة وتأثيرها على الحياة الاجتماعية والثقافية.

اقرأ أيضاً: نقد ما بعد الاستعمار “ما بعد الكولونيالية”

الأنثروبولوجيا المسرحية

أسس هذا المصطلح المخرج الإيطالي إيوجينيو باربا عام 1980 حين أنشأ “المدرسة الدولية لأنثروبولوجيا المسرح” (ISTA)، وهي:

  • مجال دراسي يركز على الأسس البيولوجية والجسدية للأداء المسرحي، بدلًا من التركيز على النص أو القصة.
  • “كيف” يعمل جسد وعقل المؤدي ليصبح كائنًا حيًا ومؤثرًا أمام الجمهور، بغض النظر عن الثقافة التي ينتمي إليها.

أهم ركائز هذا المجال:

  • ما وراء اليومي (Extra-daily): تبحث في كيفية استخدام الممثل لجسده وطاقته بأسلوب يختلف عن حركاته التلقائية في الحياة اليومية، لتحقيق “حضور مسرحي” طاغٍ.
  • ما قبل التعبير (Pre-expressivity): تدرس القواعد الفنية التي تسبق عملية التعبير عن مشاعر أو أفكار معينة، وهي مبادئ عابرة للثقافات توجد لدى الممثلين في الشرق والغرب (مثل التوازن، المعارضة، وتبديد الطاقة).
  • المسرح والطقوس: تهتم بدراسة الجذور البدائية للمسرح وعلاقته بالطقوس الدينية والاحتفالات الشعبية، وكيف تتحول الهوية الثقافية إلى أداء جسدي.
  • المقارنة العابرة للثقافات: لا تكتفي بالمسرح الغربي، بل تحلل تقنيات الأداء في التقاليد الشرقية (مثل مسرح “النو” الياباني أو “الكاتاكالي” الهندي) لاستخراج القوانين المشتركة للحضور الإنساني على الخشبة.

تتقاطع الأنثروبولوجيا المسرحية (المنهج الجسدي العام) مع الإثنولوجيا المسرحية (إثنولوجيا الأداء) أو النهج الثقافي المقارن في دراسة الإنسان عبر الفعل المسرحي، لكنهما يختلفان في “زاوية الرؤية” والهدف النهائي.

نقاط الالتقاء (التكامل): بين الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا في المسرح

من حيث أولًا: المنهج: كلاهما يعتمد على “الملاحظة بالمشاركة” والعمل الميداني.

ثانيًا: المادة: يشتركان في دراسة الأشكال “ما قبل المسرحية” مثل الطقوس، الرقصات الشعبية، والاحتفالات الدينية.

اقرأ عن: السينما وأزمة العواطف

الأنثروبولوجيا المسرحية (النهج الجسدي العام) الإثنولوجيا المسرحية (النهج الثقافي المقارن)

ركيزة العمل: الأنثروبولوجيا تركز كما أسسها إيوجينيو باربا على دراسة “المبادئ المشتركة” بين الممثلين من مختلف الثقافات. الإثنولوجيا تعتبر فرعًا يهتم بالدراسة المقارنة للظواهر المسرحية كونها جزءًا من نسيج الثقافة.

الهدف: الأنثروبولوجيا: الوصول إلى قوانين “ما قبل التعبير” التي توحد البشر خلف اختلافاتهم الثقافية. الإثنولوجيا: فهم التنوع والاختلاف الثقافي وكيف تعبر كل جماعة بشرية عن نفسها عن طريق الأداء.

المجال: الأنثروبولوجيا: تبحث في الفيسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء) والبيولوجيا الخاصة بالمؤدي (كيف يستخدم طاقته، توازنه، وجسده). الإثنولوجيا تدرس العروض والطقوس في سياقها المجتمعي الخاص (مثل دراسة مسرح “النو” كجزء من الهوية اليابانية).

العلاقة: الأنثروبولوجيا المسرحية توفر الأدوات لفهم “حضور” الممثل، في حين توفر الإثنولوجيا المسرحية “المعنى” الثقافي والاجتماعي لهذا الحضور.

الخلاصة: الأنثروبولوجيا تبحث عن “الإنسان المشترك” في جسد الممثل. الإثنولوجيا تبحث عن “الإنسان المتمايز” في ثقافته وأدائه.

كيف استخدم المخرجون العرب هذه المفاهيم في تأصيل المسرح العربي والبحث في التراث؟

استخدم المخرجون والمنظرون العرب مفاهيم الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا المسرحية لكسر “المركزية الغربية” والبحث عن هوية بصرية وحركية تنبع من الجسد والذاكرة العربية.

إليك أبرز ملامح هذا الاستخدام:

استعادة الأشكال “ما قبل المسرحية”: ركز المخرجون على الطقوس الشعبية (مثل الزار، الحكواتي، خيال الظل، والمقامات) ليس كديكور، بل كبنية أدائية تعتمد على “جسد الراوي” وقدرته على التحول، وهو ما يتقاطع مع مفهوم “ما قبل التعبير.

  • تجربة “تسييس” التراث (سعد الله ونوس): في “منطوق” المسرح العربي، استخدمت الاحتفالية الشعبية لإشراك الجمهور (المتفرج المشارك)، وهي رؤية إثنولوجية تعيد الاعتبار للمجال العام العربي كفضاء للعرض.
  • المختبرات المسرحية (الطيب الصديقي وفاضل الجعايبي): اعتمد الصديقي على فن “الحلقة” المغربي، محولًا الممثل إلى “مؤدٍّ أنثروبولوجي” يستخدم طاقة الجسد والصوت الشعبي بطريقة تتجاوز التمثيل التقليدي.
  • توظيف الطقس الديني والصوفي: سعى البعض (مثل قاسم محمد) لاستلهام طقوس “التعزية” أو “الذكر” الصوفي، إذ يتحول جسد الممثل إلى حالة من “الوجد” أو الطاقة العالية التي درسها باربا، لإنشاء لغة تعبيرية عربية خالصة.

الخلاصة: المخرج العربي لم يكتف بمحاكاة “باربا” أو “أرتو”، بل استخدم أدواتهما الأنثروبولوجية لإعادة قراءة المخزون الحركي في الشارع والاحتفال العربي، وتحويله من محض “فلكلور” إلى لغة مسرحية حديثة.

المراجع

– جان ماري برايدر السـينولوجيا العرقية الجسم هو الروح(1)، ترجمة أحمد عبد الفتاح مجلة مسرحنا، العدد 848، 27/11/2023.

– جان ماري برايدر السـينولوجيا العرقية الجسم هو الروح (2) – ترجمة أحمد عبد الفتاح جريدة مسرحنا 4/ 12/2023.

– هارفارد بزنس ريفيو

https://hbrarabic.com › المفاهيم-الإدارية › أنثروبولوجيا.

-الأنثروبولوجيا حقل علمي واحد وأربع مدارس، مجموعة مؤلفين فريدريك بارت وآخرون، ترجمة أبو بكر أحمد باقادر – إيمان الوكيلي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.

– محمد أسامة، الأنثروبولوجيا أو علم الإنسان: ما هو؟ وما أهميته؟ إضاءات، 27/12/2017.

– جميل حمداوي ماذا تعني الإثنوسينولوجيا في مجال المسرح؟ دنيا الرأي2011-01-01

– جوسيا أدوالك أبالوفو، محمد رضوان مجلة لاخومي، بحوث أنثروبولوجية وتاريخية في

فن المسرح، قسم الفنون الأدائية، جامعة آفي بابالولا، أدو-إكيتي، نيجيريا، الجامعة الإسلامية الحكومية في سومطرة الشمالية، إندونيسيا،

Vol. 5, No. 2, June 2024, Page: 129-139

Tim Ingold-، Anthropology contra ethnography، HAU: Journal of Ethnographic Theory

University of Aberdeen y cover, Volume 15, Number 3

Winter 2025

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. كمال يونس

استشاري طب الأطفال ، كاتب ونقد مسرحي ، قاص