من ذاكرة النسيان

سيلفت نظرنا أن النص القرآني ذكر في أكثر من موضع أحوال بني إسرائيل مع الرسل والأنبياء، وفي رحلتهم عبر التاريخ الإنساني، من حيث كونهم تحولوا من أفضل الناس، إلى أن أصبحوا أسوأ الناس، وهي رحلة اعتبار وتدبر بامتياز، وجديرة بوقفات ووقفات، سواء على المستوى الفردي للإنسان في رحلة عودته إلى الآخرة (رحلة الإياب) أو على المستوى الجماعي أيضًا، فحالة التصفية والفلترة التي كانوا يعيشونها عبر تحركهم مع أنبيائهم، مليئة بالعبر والاعتبارات.
فقد قالوا كل شيء وفعلوا كل شيء، من طلبهم رؤية الله جهرة وقولهم عليه سبحانه وتعالى ما قالوه، وانتهاء بقتل بعضهم بعضًا وقتلهم أنبيائهم، مرورًا بمئات المواقف الأخرى التي يحفظها لهم السجل الإنساني، بكثير من الأسف على هذا الإنحدار من أفضل الناس إلى أسوأهم.
سنجدهم دائمًا يمثلون “حالة” فريدة في الثقافة الغربية والوعي الغربي، ليس فقط من حيث كونهم بشرًا لهم خصائص ملفتة، لكن من وعي الغرب بذاته الدينية وهويته الهيلينية (الإغريقية) كما يقول عن نفسه.
ذلك أن من ذهب بالمسيحية إلى هذا الغرب كان يهوديًا متعصبًا ليهوديته! كما ذكرت المراجع التاريخية عن “بولس الرسول” صاحب الثقافة اليونانية عن الآلهة المتعددين، الذي لم يرَ السيد المسيح قط، ولم يقابله قط، لكنه قال لتلاميذه الاثنى عشر بعدها، أنه قابله في “لقاء روحي” بطريق دمشق بعد أن رفعه الله!
الدراسات كلها عن نشأة المسيحية وتطورها في الغرب لا بد أن تمر عبر بولس، ومن ثم عبر اليهود واليهودية، والموضوع في تأصيله التاريخي مليء بألف حكاية وحكاية.
أحيانًا كنت أكتم دهشتي من هذا الاهتمام الذي أولاه د/عبد الوهاب المسيري لليهود واليهودية، رغم أن دراسة العقل الغربي والثقافة الغربية كانت موضوعه الأثير والمحبب، وأعطى فيه كثيرًا وما هو أكثر من كثير، رحمه الله.
إلا أنه تخصص بعدها في الدراسات اليهودية والصهيونية وأنتج “الموسوعة”، وسيقدمهم فيها بنفس الوعي القرآني –وهذا هو الجميل والجديد– مثال لحالة من حالات التطور الفكري والديني والتاريخي الجديرة بالاعتبار.
سيكون هامًا أن نعرف مثلًا أن كارل ماركس الفيلسوف المعروف له دراسة عنهم بعنوان “عن المسألة اليهودية” منشورة على بوابة “الاشتراكي”.
كراهية اليهود لديستوفيسكي الروائي الروسي الكبير وصاحب رواية “الجريمة والعقاب” الشهيرة، سببها أيضًا أنه اهتم بهذه المسألة وكتب فيها بنفس العنوان، وما أدراك ما ديستويفسكي.
الذي خبر دقائق النفس البشرية، واستشف ما بداخلها من تناقضات ومشاعر متصارعة، وكانت كتاباته نطقًا حيًا بالعذابات والآلام الإنسانية، ومأساة الفرد المهان والمسحوق، وما كان يفوته التوقف أمام تلافيف وتعقيدات تلك الشخصية.
لذلك أجد نفسي شديد الاهتمام بالسير الذاتية التي كتبها القادة الإسرائيليون الذين شاركوا في مأساة “فلسطين”، بل مأساة أمة بأكملها احتوتهم بكثير من العدل وكثير من المساواة.
أحب أن أشير هنا إلى أن موقفنا نحن أمة الإسلام عبر التاريخ كله من اليهود كان موقفًا بالغ التميز، باعترافهم هم أنفسهم، ولم يشكلوا في تاريخنا قبل وعد بلفور أي نوع من الإشكالات التي شكلوها لباقي الأمم، ومشكلاتهم كلها معنا بدأت فقط حين قبلوا أن يكونوا أداة للغرب في تقسيمنا والبغي علينا، ليس لمصلحتهم هم، بشهادة يهود كبار من أحبارهم وعلمائهم، لكن لمصلحة الغرب.
كل ما يضفونه من قداسة على حكاياتهم التاريخية في فلسطين ليبرروا “حالتهم الوظيفية” هذه لا يمكن قبوله لا بمنطق التاريخ، ولا بمنطق القداسة إذا جاز التعبير.
موشيه يعلون رئيس أركان الجيش الإسرائيلي (2002-2005م) له كتاب يحكي فيه عن حياته العامة والخاصة بعنوان “طريق طويلة قصيرة”، قال فيه أفكارًا هامة جدًا يعكس عبرها تصوره عن الواقع السياسي والاستراتيجي في المنطقة صدر في 2008م، قبل طوفان الأقصى، وهنا الوقفة الهامة.
وقد رأيت أن أقتطع منها الأجزاء التي تساعدنا على رؤية شرق أوسط “ما بعد الطوفان”، وهناك في واقع الأمر شرق أوسط ما قبل وما بعد، والحبل على الجرار، فلم تنته الحرب مع الغرب، وفي القلب منها غزة التي أصبحت الآن بفضل جسارة قادتها وصبر أهلها وعزائمهم “منارة الدنيا” في الكشف عن وجوه الحقائق لا كما كانوا ينشرونها، لكن كما هي في الحقيقة.
وقد سمعنا رئيس فنزويلا “مادورو” أمس يقول لشعبه عن أمريكا أنهم يريدون صنع غزة أخرى في أمريكا اللاتينية!
ولنتأمل كيف كانوا ينظرون إلى واقع القضية، وإلى أين كانوا يسيرون بها، قبل طوفان الأقصى.
قال موشيه: “إن النزاع في المنطقة جزء من “حرب ثقافات” تدور في الشرق الأوسط، ما بين الثقافة الغربية التي تقدس الحياة، وبين “الإسلام الجهادي” الذي يقدس الموت، وأن إسرائيل مركز يجذب إليه النار في هذه الحرب، وأن العداوة الأساسية ضد إسرائيل تكمن في النظرة إليها على أنها تمثل الغرب في المنطقة”، وأضاف: “علينا أولًا أن نتغلب على التهديد الإسلامي الجهادي، كي ننتصر في حرب الحضارات”.
مما قاله أيضًا أنه لا رجعة إلى حدود 1967م، لأنه لا يمكن الدفاع عنها. وأن إسرائيل تحتاج قوة على جسور الأردن، وسيطرة أمنية كاملة في غور الأردن، بالمفهوم الشامل للكلمة (البر والبحر والجو)، وفرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات والقدس الموحدة.
وقال أيضًا جازمًا: “لم يعد هناك ائتلاف عربي ضد إسرائيل، والتطور الذي حصل في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة (قبل الطوفان) أوصل إلى أن ما يسمى الصراع العربي الإسرائيلي أصبح غير ذي صلة بالواقع”!
“إن إسرائيل نجحت –إسرائيل عمومًا وجيشها خصوصًا– في فتح “فجوة نوعية” في مواجهة التهديد التقليدي. الدول العربية لم تعد تستطيع احتلال إسرائيل، والتهديدات التي نضطر إلى مواجهتها اليوم هي تهديدات غير تقليدية مثل السلاح النووي الإيراني وإطلاق الصواريخ علينا”.
في تعليق له على اتفاقية أوسلو يقول: “عندما جاء رابين باتفاقية أوسلو ليصادق عليها الكنيست، رسم رؤية سياسية باتجاه “كيان فلسطيني” يكون أقل من دولة”.
موشيه يعلون اسمه في الأصل مشية سمولينسكي يهودي أوكراني من مواليد عام 1950 واسم يعلون جاء من اسم الكيبوتس الذي تربى فيه في طفولته وشبيبته.
هو يفخر أنه من أطلق “رصاصة تأكيد القتل” على رأس الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد) رحمه الله، في تونس عام 1988.
الشاعر يقول:
قيل لي أن الأماني غياهب ** لا تنجلي إلا والعزم سراجها
ورأينا في غزة “سراج العزائم” لا ينير الطريق فقط لقضية فلسطين، بل ينير الطريق للأمة كلها، بل للعالم كله، كيف كان واقع الحال، وكيف أصبح، بعد أن انجلت الغياهب والظلمات، لم يُخرج لنا 7 أكتوبر ثمراته كلها بعد.
مقالات ذات صلة:
كيف نشأ الكيان الإسرائيلي الصهيوني؟
نزع السلاح .. والفريضة المكتوبة
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا