مقالات

برمجة الحمار: بوريدان ومُعضلة الاختيار – الجزء الثاني

من جهة أخرى، وبعد ما يقرب من ستة قرون على تجربة «حمار بوريدان» الفكرية، بدأ عددٌ من الباحثين سلسلة من التجارب المُكثفة لإلقاء الضوء على كيفية تأثير الاختيار على رفاهية البشر وقدرتهم على اتخاذ القرار انطلاقًا من هذه المفارقة،

المزيد من الخيارات يؤدي إلى تقليل الدافع البشري

ولعل أبرز هذه التجارب هي تلك التي قامت بها الباحثة الأمريكية «شينا لينجار» Sheena Lyengar (أستاذة إدارة الأعمال بجامعة كولومبيا) بمشاركة الباحث الأمريكي «مارك ليبر» Mark Lepper (أستاذ علم النفس بجامعة ستانفورد)، ونُشرت سنة 2000 بمجلة «الشخصية وعلم النفس الاجتماعي» Journal of Personality and Social Psychology تحت عنوان:

«عندما يكون الاختيار مُحبطًا: هل يرغب المرء أكثر مما ينبغي في الشيء الجيد؟»When Choice is Demotivating: Can One Desire Too Much of a Good Thing?.

في إحدى تجاربهما الميدانية تم إنشاء كُشك للتذوق في متجر للبقالة بأحد أحياء كاليفورنيا الراقية، وُضعت فيه طاولتان متقابلتان تحت إشراف اثنين من المساعدين لحث الجمهور على التفاعل والشراء، وتم عرض أربعة وعشرين نوعًا من المربي ذات الجودة العالية على الطاولة الأولى، في حين تم عرض ستة أنواع فقط على الطاولة الثانية.

وبعد عدة ساعات من تفاعل مئات الأشخاص لاحظ الباحثان انجذاب عدد أكبر من الناس نحو الطاولة التي تحوي أربعة وعشرين نوعًا، وهو ما يؤكد أن المزيد من الخيارات ربما كان الأفضل دائمًا، لكن المثير للدهشة أن من قاموا بالشراء بالفعل من الطاولة الأولى كانت نسبتهم 3% فقط ممن انجذبوا إليها رغم كثرتهم، ورغم كثرة الأنواع المعروضة، في حين كانت نسبة من قاموا بالشراء من الطاولة الثانية 30% رغم محدودية أنواع المربى أمامهم.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

وبعد تكرار تجربة مماثلة لاختيار الشوكولاتة خلص الباحثان إلى أن المزيد من الخيارات يؤدي إلى تقليل الدافع البشري!

زيادة عدد الخيارات المتاحة يؤدي إلى مشاعر القلق

كذلك أظهرت سلسلة من دراسات المتابعة أن زيادة عدد الخيارات المتاحة يؤدي إلى مشاعر القلق والتعاسة وعدم الرضا، وإن كان هذا يُناقض الظن الشائع بأن المزيد من الخيارات أفضل لرفاهيتنا، وهو ما أشار إليه أيضًا عالم النفس الأمريكي «باري شوارتز» Barry Schwartz (من مواليد سنة 1946) في كتابه «مفارقة الاختيار» The Paradox of Choice المنشور سنة 2004، حيث ذهب إلى أن الاستقلالية وحرية الاختيار أمران أساسيان لرفاهيتنا، والاختيار أمر بالغ الأهمية للحرية والاستقلالية.

ومع ذلك، على الرغم من أن الإنسان المُعاصر تُتاح له خيارات أكثر من أي وقت مضى، وبالتالي من المفترض أن يتمتع بالمزيد من الحرية والاستقلالية، إلا أنه يبدو أننا لا نستفيد منها نفسيًا، لا سيما وأن أغلب الخيارات المتكثرة لدينا خيارات استهلاكية وقتية بالدرجة الأولى، وليست خيارات حياتية كتلك التي تتعلق بالحب والعلاقات الاجتماعية والدراسة والعمل والسفر والأفكار والأهداف القابلة للتحقق وغيرها!

وثمة تفسيرات منطقية لهذه النتيجة، منها على سبيل المثال «قانون هيك» Hick’s law، أو «قانون هيك – هايمان» Hick–Hyman law (نسبة إلى عالم النفس البريطاني «وليام إدموند هيك» William Edmund Hick، وعالم النفس الأمريكي «راي هايمان» Ray Hyman)،

الذي ينص على أن «زيادة عدد الخيارات المتاحة للشخص سيزيد من الوقت الذي يستغرقه لاتخاذ قرار». خذ بضع ثوانٍ لتتذكر آخر مرة ضيعت فيها كثيرًا من الوقت في المفاضلة بين عدد من الخيارات، مثل برامج قضاء العطلة، أو شراء منزل جديد، أو انتقاء ملابس داخل أحد المتاجر أو حتى من خزانتك، أو تأمل قائمة المأكولات في مطعم، إلخ،

وستُدرك كيف أدى هذا التردد إلى إحساسك بالارتباك والقلق والندم بعد اتخاذ القرار النهائي، بل والعجز نظرًا لعدم قدرتك على تجربة الأنواع الأخرى التي لم تقم باختيارها، والتي قد تكون أنسب لك!

متلازمة فومو

من جهة أخرى، ووفقًا لعالم الاقتصاد الأمريكي (الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 1987) «هربرت سيمون» Herbert Simon (1916 – 2001)، هناك نوعان من المستهلكين هما: الطامحون إلى أقصى قدر من المنفعة Maximizers، والقانعون بالجيد بما فيه الكفاية Satisficers، يرغب الأشخاص من الفئة الأولى في تحقيق الكمال الشرائي، طامحين إلى أن يكون كل قرار يتخذونه للشراء هو الأفضل،

وهو ما يدفعهم إلى الانخراط في بحث شاق عن كافة الاحتمالات، لكنهم في النهاية غالبًا ما يشعرون بالندم وعدم الرضا عن القرار النهائي. أما الأشخاص من الفئة الثانية فيتخذون قرارهم الشرائي استنادًا إلى معاييرهم الخاصة ومقتضيات كفايتهم، وهم في الغالب راضون عن اختياراتهم النهائية.

المشكلة أننا تحت ضغط الدعايات الإعلامية التسويقية، وبرامج الهيمنة السياسية، أصبحنا نريد الأفضل بأي ثمن، ولا نقنع بما هو جيد بما فيه الكفاية، ولذا نعاني من حالةٍ عامة تُعرف بمتلازمة فومو FoMo (الخوف من فوات الشيء Fear of missing out) عند الاختيار بين أحد الخيارات العديدة المرغوبة. ومن ثم نشعر بعد اتخاذ القرار بعدم الرضا والبؤس!

العلاقة بين التفسيرات المطروحة و«حمار بوريدان»

تتضح العلاقة بين هذه التفسيرات و«حمار بوريدان» بشكلٍ أفضل من خلال «قانون يركس – دودسون» Yerkes–Dodson law (الذي وضعه عالما النفس الأمريكيان «روبرت يركس» Robert Yerkes، و«جون ديلينجهام دودسون» John Dillingham Dodson سنة 1908)، وهو قانون يصف العلاقة التجريبية بين الإثارة والأداء، وينص على أن الأداء يزداد بزيادة درجة التيقظ الفسيولوجي أو العقلي حتى نقطة معينة، وعندما يصل مستوى التيقظ إلى درجة مُفرطة، ينخفض الأداء.

أجرى «يركس» و«دودسون» تجاربهما على الفئران، واكتشفا أن الصدمات الكهربائية الخفيفة يمكن أن تُحفز الفئران على استكمال متاهةٍ ما، ولكن عندما تصبح الصدمات الكهربائية قوية للغاية، تُسرع الفئران في اتجاهات عشوائية للهروب.

وهكذا، فالقلق والإجهاد الذي يُكابده الطالب قبل أداء امتحانٍ ما يمكن أن يساعده على التركيز وتذكر المعلومات التي درسها، لكن الجُرعة المُفرطة من القلق والإجهاد قد تُضعف قدرته على التركيز وتذكر الإجابات الصحيحة.

وبالقياس على هذا القانون نستطيع القول أن ما تفعله القوى الاقتصادية الكُبرى ووسائل الإعلام المدعومة حكوميًا هو باختصار «برمجة الحمار» لوضعه أمام خيارات استهلاكية متكافئة لا حصر لها، ونحن نستجيب طوعًا أو كُرهًا لهذه البرمجة، بتغييب الوعي والانسياق وراء الوعد بالتميز ووهم الرفاهية.

والمفارقة هنا أن حرية الاختيار المُتاحة لنا –بغض النظر عن قُدرتنا الاقتصادية واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، قد سلبتنا جميعًا تلك الحرية التي وُعدنا بها، لنغدو عبيدًا للقلق والإجهاد والندم والبؤس وعدم الرضا، وربما ندفع بأنفسنا إلى التهلكة، تمامًا كحمار بوريدان!

اقرأ أيضاً:

الجزء الأول من المقال

منطق الاختيار الصعب.. من الأولى بالبقاء؟!

نظام التفاهة

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

*****************

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. صلاح عثمان

أستاذ المنطق وفلسفة العلم – رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنوفية