
يحضر الإنسان في وجوده عن طريق وجهه، فالوجه شكل للظهور، فهو مأوى الصور التي تصطنعها الذات لنفسها تجاه نفسها وتجاه غيرها، فعن طريقه تُصدّر الذات للآخر ما تشاء من أحاسيس وأفكار وتصورات، تُريد الذات أن تُقنع الآخر بها عن نفسها.
بيد أنَّ الوجه لو بدا في الظاهر خاضعًا للإنسان يُلبسه ما يشاء من الأقنعة، فإنه –في العمق والحقيقة– يتأبى على هذه المملوكية الوهمية للإنسان، بل إنه فاضح لصاحبه متى توهم سيطرته عليه، إذ إن الكلام وهو غطاء الإنسان إزاء الآخر، لا يقول كل شيء عن الروح، ومن هنا يظل الوجه لسان الروح الأصيل، ولذا تبحث العين في ممكناته عما خفي من حقيقة الذات أو ما تسرب إليها في غفلة منها.
إنَّ تأبي الوجه على تملّك الإنسان له، يؤكِّد مملوكيةَ الذات الإنسانية لله فيما تقوله وتُقرّره، يدعم تأبيه هذا على المخلوق ومملوكيته تلك للخالق أمران: أحدهما: ظاهر عباري، والآخر: باطن إشاري، وها هو بيانهما:
- أما الظاهر فيتجلى بمعرفة أنَّ وجه الإنسان هو الجزء الوحيد الذي يعجز الإنسان عن رؤيته في جسده الأمامي إلا بواسطة المرآة، وهو ما يعني أن قدرات الإنسان في الإحاطة به –فضلًا عن السيطرة عليه– محدودة، وليست مطلقة شأن باقي الأعضاء التي تقع تحت مرمى نظره.
- أما الخفي فيظهر بمعرفة أنَّ الوجه هو الرابط بين ما يمكن أن يقال في اللغة عبر الصوت، وما تقوله انفعالات الوجه عبر طاقات التعبير فيه، وهو ما يعني أنَّ حيازة الإنسان للذهن واللسان، لا تعني انفراده بتقرير ما يشاء من الأقوال والتصورات غير مكترث لمدى تصديق داخله لما يُقرّر ويقول، إذ يظل القلبُ بوصفه سراج الله في الداخل، والوجهُ بوصفه سراج الله في الخارج، مُتأبيًّا على الحيازة المطلقة، مُقِرًّا بهذه المملوكية شاء صاحبها أم أبى.
نُبْلُ الوجه وتشريفه
وبعد فإن الوجه بوصفه كاشفًا لأسرار الذات، وبؤرةَ تجمّعِ ملكاتٍ عدةٍ للذات، وموطنَ النظرةِ إليها، والمركزَ الذي منه تنفذ التصورات إلى داخل الإنسان، والمرآةَ التي عليها ينعكس ذلك الداخل، يُمثّل مستودعًا للمعاني كلها، ففيه توضع الكرامة والعزة، وفيه تظهر الخسة والذلة والمسكنة.
فهو جزء نبيل في جسد الإنسان، وميزته التي بها يتفرد عن سائر المخلوقات، فلا وجه لمخلوق يرتبط فيه المقول بالمحسوس تصديقًا أو تكذيبًا، كما يرتبط فيه الظاهر بالداخل كشفًا أو علاجًا إلا للإنسان، فالإنسان هو المخلوق الوحيد الموزّع على جوّانية وبرّانية، رابطُهما الوجه ذاته.
من هنا سرُّ قداستِهِ في الدين، إذ إنه ميزة الإنسان الذي كرّمه الرحمنُ بهذه الهبات كلها وزيّنه بنوره الذي يظهر جليًّا واضحًا في الوجه ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾، ولذا لا يُضرب بالفعل: “إذا ضرب أحدكم أخاه فليتجنب الوجه”، ولا يُقبّح باللفظ: “لا تقولَنَّ قبَّحَ اللهُ وجْهَكَ”، “لا تقبِّحوا الوجوهَ”، ويُحفظ ماؤه ولا يُبذل، ويوضع أعلى ما فيه –وهي الجبهة– على الأرض في السجود، شُكْرًا لله على النعمة، وإقرارًا بمملوكيتها لخالقها سبحانه وتعالى، كلها مظاهر تكريم ورعاية لهذا الوجه، تنويهًا بمكانته، وتقديرًا لقيمته.
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا