مقالات

أَنِينُ المَسَاجِدِ

شرع الله سبحانه وتعالى فريضة الصوم، لارتقاء الأرواح، لتجلية النفوس وتطهيرها مما علق بها من الأرجاس والآثام، والذنوب والمعاصي طول العام، ومن هنا جاء شهر رمضان فرصة عظيمة، سانحة للمسلم، كي يرقى في ملكوت السموات من خلال ما يقوم به من رياضات روحية ومجاهدات نفسية، الأمر الذي لخصه القرآن الكريم في كلمة واحدة ألا وهي “التقوى”، التي هي جماع لكل ذلك، إذ قال سبحانه وتعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ (183)”، وقال أيضا “شَهرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَىٰ وَالفُرقَانِ..”.

حال المسلم في رمضان

لذلك نرى المسلم الحق يشمر عن سواعد الجد في هذا الشهر الفضيل، فيقوم جاهدًا صوامًا قوامًا محتسبًا الأجر والثواب، امتثالًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه”.

ثم نرى المسلم يجاهد نفسه في قراءة ورد القرآن ليلًا ونهارًا، صباحًا ومساء، ثم يجتهد في كثرة الدعاء والتبتل إلى الله سبحانه وتعالى، فلعله يدرك ليلة القدر، قيامًا وتعبدًا، ليلة القدر التي هي أفضل عند الله من ألف شهر، فمن حرم ثوابها فقد حرم، ومن فاز بها فقد فاز.

وهو في كل ذلك يحرص دائمًا وطوال الشهر على أداء الصلوات جماعة في المسجد، لا يفوته فرض، فصلاة المسلم في جماعة خير له من صلاته منفردًا بسبع وعشرين درجة، ولذلك نرى المساجد ملأى بالمصلين والمتبتلين والمخبتين والمعتكفين، نرى مساجد الله قد عمرت، والساحات قد امتلأت، والزوايا قد غصت، في منظر بهيج، يسر العين، ويسعد القلب والوجدان، يظل ذلك حتى انتهاء الشهر الفضيل.

كن ربانيًا ولا تكن رمضانيًا

ثم تكون الغصة التي ما بعدها غصة، إذ ما إن ينتهي الشهر ويجيء العيد، وينفض سوق رمضان، نرى المساجد قد خوت، والساحات قد أفقرت من المصلين، كأن المسلم كان يعبد رمضان ولا يعبد الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال بعض السلف ينبغي على المسلم أن يكون ربانيًا ولا يكون رمضانيًا، فالله باقٍ ورمضان ما هو إلا خلق من خلق الله سبحانه وتعالى، فليعِ كل مسلم هذي الحقيقة الثابتة، ولا يقع في شرك الشيطان، ولا يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

المساجد تشتكي

قد بينت ذلك في قصيدة لي، تعبر عن خواء المساجد بعد انتهاء شهر رمضان، كأني بها تبكي، وتهمي، وتنتحب شاكية إلى الله سبحانه وتعالى ازورار عمارها، وتكاسل مرتاديها، وتراخي أبنائها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وفي ذلكم قلت، من بحر البسيط:

تَهمِي المَسَاجِدُ مِن هَجرِ المُصَلِّينَا        وَتَذرِفُ الدَّمعَ كَلمَى مِن تَرَاخِينَا

وَالقَلبُ مِنهَا أَنِينٌ مِن تَكَاسُلِنَا              وَالصَّدرُ يَرجُفُ آَهَاتٍ بِوَادِينَا

أَينَ المُصَلُّونَ؟ بَل أَينَ الَّذِينَ هُمُو           كَانُوا الدُّعَاةَ وَكَانُوا لِلأُلَى دِينَا؟

أَينَ القِيَامُ وَأَينَ الذِّكرُ يَأخُذُنَا                 عِندَ المَلَائِكِ فِي السَّاحَاتِ هَادِينَا؟

أَينَ التِّلَاوَةُ وَالآَيَاتُ تَرقُبُنَا                      وَآَلُ عِمرَانَ وَالحَامِيمُ تُنبِينَا؟

مَاذَا الرَّحِيلُ؟ وَأَينَاكُم، أَجِيبُوا صَدًى؟       فَالهَجرُ يُؤلِمُنَا وَالشَّحطُ يُؤذِينَا

شَوَّالُ يَسأَلُ فِي هَمٍّ وَفِي حَزَنٍ            مَاذَا جَنَيتُ؟ وَأَينَ بُكَاكُمُ حِينَا؟

إِن كَانَ شَهرُ التُّقَى وَالصَّومِ مُنقَضِيًا       فَاللهُ بَاقٍ وَفِي القُرآَنِ حَادِينَا

هَيَّا تَعَالَى وَكُن عَبدًا لِمَن خَلَقَ             وَلَا تَكُن مِن عِبَادِ الوَقتِ تَأتِينَا

سُبحَانَهُ قَدَّرَ الأَوقَاتِ يَعلَمُهَا                 لَكِنَّ رَحمَتَهُ تَحوِي المُلَبِّينَا

فَانفُض غُبَارَ الهَوَى وَاحذَر مُنَادَمَةً          وَارقُب قَرِينَكَ تَلقَ العِزَّ تَلقِينَا

فَالمَرءُ يَرقَى بِدَاعِي اللهِ مُبتَهِلًا             وَيَهوِي قَاعًا إِذَا بِالذَّنبِ قَد دِينَا

مقالات ذات صلة:

رمضان كريم!

صالة تدريب الروح

مشايخنا وحُجة الصوت المرتفع!

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. محمد دياب غزاوي

أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية- جامعة الفيوم وكيل الكلية ( سابقا)- عضو اتحاد الكتاب