المحرك النجمي .. كيفية تحريك الشمس من مكانها

تخيل كده معايا إن ممكن ييجي يوم في المستقبل، ونلاقي كوكبنا مهدد بخطر كوني كارثي قادر يهدد النظام الشمسي كله بالدمار، خطر زي انفجار نجم أو سوبرنوفا قريب مثلًا، أو سيل من النيازك اللي جاية من خارج المجموعة الشمسية نفسها، أو حتى ثقب أسود عابر.
تفتكر ساعتها ممكن نعمل إيه؟ وإزاي ممكن ننجو بحياتنا وكوكبنا من خطر كوني عظيم ممكن يدمر المجموعة الشمسية كلها، مش بس كوكب الأرض؟!
الحقيقة إن الإجابة على السؤال ده مذهلة فعلًا، وعمرك ما هتتخيلها، تخيل إن في محرك افتراضي ممكن نصممه، يخلينا نحرك الشمس كلها، بكل الكواكب اللي في المجموعة الشمسية معاها، عشان نهرب من الخطر المرعب ده، ولو عايز تعرف إزاي حاجة زي كده ممكن تحصل، هات كوباية شايك الحلوة والنعناع، وتعالى أحكيلك!
محطة فضائية عملاقة
في البداية، أول حاجة لازم تعرفها إن العالم العبقري اللي ابتكر الطريقة اللي إحنا هنحكي عنها في السطور اللي جاية دي، هو الأمريكي ماثيو كابلان (Matthew Caplan)، أستاذ الفيزياء النظرية في جامعة ولاية إيلينوي (Illinois) الأمريكية، والجهاز العملاق اللي ابتكره نظريًا ده فكرة عمله بتبسيط زي فكرة عمل القوارب السحابة، بس على مجال أوسع شوية.
عشان تفهم اللي هيحصل بالظبط، وبأكبر قدر ممكن من التبسيط، خلينا نقسم الموضوع لخطوات ونمشيها بالترتيب وبالتفصيل، لإن المشروع كبير وضخم ومعقد، ومش سهل على أي حد إنه يستوعبه بسهولة.
أول خطوة إننا هنحتاج نبني محطة فضائية عملاقة، هتكون مجهزة بمفاعلات نووية اندماجية، والمحطة الفضائية العملاقة دي هنبنيها قدام الشمس مباشرة، وهيكون أساس عملها إنها هتستعمل الطاقة الكهرومغناطيسية عشان تاخد طاقة الرياح الشمسية أو الـ(Solar Winds) وتحولها لهيدروجين وهيليوم، وبعد كده هتحول كل أطنان الطاقة اللي هتمتصها دي لطاقة دفع، بطريقة بسيطة جدًا.
الطريقة إننا هنحرق الهيليوم جوه المفاعلات الاندماجية، عشان يتحول لحاجة اسمها “أكسجين 14″، وده نوع من نظائر الأكسجين بيكون مُشِع، واللي هيحصل بعدها إنه هيتم إطلاق الأكسجين المشع ده من خلال محرك نفاث زي الطيارات النفاثة بالضبط، وبسرعة لا تصدق، تقترب من سرعة الضوء!
تعرف على: مشروع ستار شوت
محرك الدفع كابلان
بس المشكلة بقى إن الحقول الكهرومغناطيسية دي لوحدها مش هتكون كفاية عشان تستخلص كمية الطاقة المطلوبة عشان نقدر نحقق ده، وعشان كده، فإحنا لو كنا عايزين نوصل للقدر العملاق ده من الطاقة، هنحتاج إننا نصمم هيكل ضخم حوالين الشمس نفسها، اسمه كرة دايسون (Dyson Sphere).
كرة دايسون دي باختصار عبارة عن مرايات أو ألواح طاقة شمسية أو (Solar Panels) عملاقة هتحاوط الشمس كلها، وتركز الطاقة بتاعتها كلها على نقطة معينة على سطح الشمس، قدام المحرك بتاعنا بالضبط، وبكده هتخلي حرارة الجزء ده من الشمس تزيد بمعدلات فلكية، هيوصل تأثيرها لدرجة إنها هتخلي مليارات الأطنان من الطاقة تطير وتنسحب من فوق سطح الشمس، عشان استهلاكها في المفاعلات الاندماجية للمحرك بتاعنا، وكل ده هيزود المدخلات أو الـ(Input) بتاعنا لدرجات فوق الاستيعاب أو التصور.
بس المحرك بتاعنا اللي بنتكلم عنه ده، واللي بيسموه “محرك كابلان”، مالوش فوهة واحدة بس، بل في الواقع ليه فوهتين، واحدة ورا، والتانية قدام، اللي ورا دي اللي بيطلق منها وقود الأكسجين 14 عشان يدفع نفسه لقدام بسرعة فلكية، لكن اللي قدام دي بقى بيعمل منها حاجة مهمة جدًا.
فاكر لما قلتلك إن الطاقة اللي بيستخلصها المحرك ده من الشمس بتتحول لهيدروجين وهيليوم؟ طيب إحنا حرقنا الهيليوم في المفاعل الاندماجي، أومال الهيدروجين راح فين؟ الهيدروجين يا سيدي بندخله جوه مُعَجِّل تصادمي هائل، زي اللي موجود في مُعَجِّل سيرن (CERN Collider) بتاع سويسرا كده، بس بحجم أكبر.
تحريك الشمس من مكانها
المعجل الهائل ده، بنسرع بيه ذرات الهيدروجين وبنزود سرعتها لمرحلة فوق الاستيعاب، وبعدين بنطلقها بردو من الفوهة الأمامية للمحرك اللي اتكلمنا عنها دي، فبتتصادم ذرات الهيدروجين بعد كده مع سطح الشمس، وبتزقها لقدام، بهدف إنها متخبطش في المحرك اللي كده كده بيتحرك لقدام أصلًا بفعل طاقة الدفع والنفاث الخلفي، وبكده بنكون خلقنا توازن فريد من نوعه.
يعني باختصار، المحرك بتاعنا بياخد طاقة الرياح الشمسية يحولها لهيدروجين وهيليوم، وبعدين يحول الهيليوم لأكسجين 14 ويطلقه من محرك نفاث خلفي عشان يزقه لقدام، وفي نفس الوقت بيحول الهيدروجين لما يشبه شراع، بيطلقه زي حزمة من الطاقة من الفوهة الأمامية، عشان يزق الشمس قدامه، بالظبط زي المراكب السحابة أو الـ(Tugboats) كده.
متخيل عظمة الفكرة، ومدى صعوبة تنفيذها أو استيعاب إنها تحصل أصلًا؟!
إحنا لو قدرنا نعمل محطة فضاء عملاقة، شايلة جواها محرك نفاث ضخم، ومُعَجِّل تصادمي هائل، ومفاعل نووي اندماجي عظيم، وشوية مرايات عملاقة حوالين الشمس، هنقدر إننا نصمم مركب سحب، يزق قدامه الشمس كلها لمكان إحنا نختاره مسبقًا، وبسرعة تساوي 50 سنة ضوئية كل مليون سنة.
اقرأ أيضاً: اكتشاف أجزاء من كوكب آخر مدفونة بباطن الأرض!
إنقاذ النظام الشمسي من الدمار
أحلى حاجة بقى إننا مش هنحتاج نصمم المشروع الهائل ده عند كل كوكب لوحده عشان نحركهم كلهم مع بعض، لأ إحنا هنعمله عند الشمس بس، وهي بجاذبيتها هتشد كل الكواكب معاها وهي بتتحرك، وهيكون الناتج إننا مش مجرد هنسوق عربية ولا طيارة ولا سفينة فضاء حتى، إحنا هنسوق الشمس نفسها، ومعاها بتأثير الجاذبية، الكواكب كلها، بسرعة تبلغ تقريبًا 50 سنة ضوئية لكل مليون سنة!
لو أنت مش متخيل مدى ضخامة الرقم ده، فخليني أقولك إنه رقم عظيم جدًا، وسرعة خيالية فوق الاستيعاب، بالإضافة لإن الحدث اللي ممكن يحصل، ويجبر الجنس البشري على إنه يصمم المشروع الهائل ده عشان ينقذ نفسه وينقذ النظام الشمسي من الدمار، مش هيكون حدث مفاجئ، لأ إحنا هنكون عارفين إنه هيحصل قبلها بآلاف وربما ملايين السنين، وهيكون عندنا كل الوقت اللي نحتاجه عشان نصمم المشروع ده كله.
في النهاية، المشروع ده مش شرط يكون واقعي، وغالبًا غير قابل للتنفيذ بالتكنولوجيا الحالية اللي عندنا، ولسه قدامنا كتير على ما نقدر نفكر بس في إننا نعمل حاجة زي كده، لكن الحلو في العلم دايمًا إنه بيفتح قدامك مجالات كتير للخيال، وبيديلك حلول لمشاكل كتير ممكن تواجهك في المستقبل وتاخدك على غفلة، مشاكل ممكن تكون إنت نفسك لسه معندكش أي فكرة عنها، والمبهر أكتر بقى إن تصميم مشروع زي ده، ممكن يحدد رسميًا انتقالنا للمرحلة التانية على مقياس تطور الحضارات اللي بيسموه مقياس كارداشيف.
لو مش عارف إيه مقياس تطور الحضارات ده، خليني أحكيلك عنه بتبسيط، عشان تفهم إيه علاقته بمشروع كوني عملاق زي اللي بنتكلم عنه ده.
مقياس كارداشيف لمستوى تطور الحضارة
سنة ١٩٦٤، جه عالم أستروفيزيكس روسي اسمه نيكولاي كارداشيف (Nikolai Kardashev)، وابتكر مقياس معين عشان يستخدمه في قياس مدى تطور الحضارات الذكية والمفكرة، ويدور على أي آثار لحضارات ذكية في مناطق تانية مختلفة من الكون، المقياس ده سموه بمقياس كارداشيف (Kardashev Scale)، والطريقة اللي كان بيقيس بيها مدى تفوق الحضارات التكنولوجي كانت مبهرة وبره الصندوق.
المقياس ده كان بيتقسم في البداية لـ3 مراحل رئيسية: (Type I) و(Type II) و(Type III)، وكان بيستعمل طريقة فريدة من نوعها لقياس التطور التكنولوجي، إنه يقيس معدل الطاقة وكميتها اللي الحضارة دي بتقدر إنها تنتجها وتستعملها، يعني بناءً على مقدار الطاقة اللي بنقدر ننتجها ونستعملها، بيتحدد مدى تطورنا على مقياس التطور التكنولوجي والحضاري.
لو هنتكلم عن حضارة النوع الأول، فهُمَّه بينتجوا ويستعملوا معدل طاقة يساوي تقريبًا معدل إنتاج الطاقة الكامل لكوكبهم كله، وبخصوص ده، فإحنا كحضارة بشرية بناءً على كلام العالم الفيزيائي المشهور ميتشيو كاكو، وصلنا لـ0.7 تقريبًا، وفاضلنا 0.3 فقط عشان نبقى وصلنا للمرحلة الأولى، وهو بيتوقع إننا هنوصلها في فترة من 100 لـ200 سنة.
لكن المدهش بقى إن حضارة النوع الثاني أو المرحلة الثانية، المفروض حسب المقياس إنهم بيقدروا يستغلوا معدل طاقة يساوي أو يتجاوز الطاقة المنبعثة من الشمس نفسها، ويستغلوها في مشاريع كونية عملاقة بره حدود الاستيعاب البشري المتاح لينا حاليًا، يعني مثلًا عندك مشروع افتراضي وخيالي تكلم عنه العلماء قبل كده، وبيستعمله خبراء مراكز البحث عن الحياة الذكية في الكون أو اللي بيسموهم (SETI)، في إنهم يدوروا على أي حضارة موجودة في مكانٍ ما من الفضاء، ممكن تكون متطورة وواصلة للنوع التاني ده، المشروع ده بيسموه كرة دايسون.
اقرأ أيضاً: الكون الغامض واحتمالات المستقبل
كرة دايسون مصدر طاقة لا تنتهي
كرة دايسون دي فكرة عملها مبهرة فعلًا، ولو قدرت تشوف شكلها التخيلي، فهيبقى المنظر بالنسبة لك مبهر لأبعد الحدود، وده عشان المفروض إنها بتبقى عبارة عن كورة عملاقة من المرايات الضخمة اللي بيتم بناءها حوالين نجم ضخم، اللي هو في حالتنا بيكون الشمس كلها، وبتقدر المرايات دي إنها تستخلص الطاقة الضوئية والحرارية والنووية للنجم ده بعد كده، وتحولها للكوكب الأم بتاعنا اللي هو الأرض، للاستخدام التكنولوجي والاستهلاكي.
ده يعتبر واحد بس من ضمن مشاريع كونية عملاقة مقترحة ومفترضة في المستقبل عشان نقدر نزود مصادر إنتاج واستهلاك الطاقة بتاعتنا، ممكن تنقل الحضارة كلها آلاف السنين للمستقبل، وتفتح قدامنا أبواب إحنا منحلمش بربعها حتى حرفيًا.
عشان كده، فإحنا لو قدرنا نصمم مشروع زي المحرك النجمي ده، أو كرة دايسون أو غيرهم كتير من المشروعات الضخمة دي، فده هيكون معناه رسميًا إن الجنس البشري أصبح سيد المجموعة الشمسية بالكامل، وبقى على الطريق لاستكشاف المجرة، واستيطان كواكبها كلها، وإنه خلاص عبر بنفسه من مرحلة البداية على سلم التطور الحضاري، ووصل لإنه يبقى جنس عابر للنجوم.
المبهر أكتر، إن ساعتها كل ده هنعمله وإحنا لسه قاعدين في قلب الأرض بتاعتنا، من غير ما نركب أي سفن فضاء.
عشان هنكون حولنا كوكبنا وشمسنا نفسها لسفينة فضاء كونية أعظم من أي استيعاب.
المصادر:
https://www.sciencealert.com/what-is-a-stellar-engine-and-could-it-help-us-escape-a-supernova
https://futurism.com/stellar-engine-move-solar-system
https://nerdist.com/article/stellar-engines-move-sun/
https://www.youtube.com/watch?v=v3y8AIEX_dU
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

