هل يجب أن يقوم القانون بدور تنويري؟

المحاكم العرفية تقوم بدور كبير ومهم في الصلح بين الناس، وفي وأد المشاكل قبل انتشارها واستفحالها، ومن يتصدورن هذه المجالس يعرفون العادات والتقاليد جيدًا، والناس –في الريف والصعيد– تحكمهم العادات والتقاليد بأكثر مما يحكمهم القانون.
هناك حديث طويل عن وظيفة هذه المحاكم، فبعضهم يرى أنها تساعد القضاء المزدحم بالقضايا، وتخفف من أعبائه، وهذا صحيح، لكنك لو تأملت أكثر لوجدت أنها محاكم ذات فلسفة مغايرة، وقانون مغاير، هو قانون العادات والتقاليد التي تتحكم في أبناء الريف والصعيد على نحو قوي، إذ تفوق في قوتها قوة القانون الرسمي (الرضا) المفترض عنه.
هنا يأتي السؤال: ما القانون؟ ولماذا يبدو كالمظلة البعيدة التي تحوم حول العادات والتقاليد ولا تتقاطع معها؟ لماذا لا ينسج القانون مواده من العادات والتقاليد؟
وهنا أيضًا نتساءل: هل يجب أن يقوم القانون بدور تنويري؟ بمعنى أن مواده لا يجب أن تخضع تمامًا للعادات لكن يجب أن ترتقي بها؟
لا يعرف القانون مثلًا أحكام النفي والاستبعاد التي يعرفها أهلنا في الصعيد وفي البوادي، لكن المحاكم العرفية تعرف ذلك ولهذا الحكم فلسفته، ولا يعرف القانون مثلًا تقديم الكفن إلى أولياء الدم لكن المحاكم في الصعيد تعرف هذا الحكم القاسي جدًا، إلخ.
اللافت هنا، أن كل مكان له أعرافه وتقاليده، ولا يمكنك نقل الأحكام خارج هذه الأعراف والتقاليد، وإلا بات الأمر مزحة ولعبة، وأتذكر هنا أني حضرت في مدينة قها حكمًا عرفيًا قضى فيه المجلس على المتهم بتقديم الكفن إلى أولياء الدم، ففرح المتهم جدًا، وقال: “بركة يا جامع”، وشال الكفن ومشي يتمخطر به ويبتسم، وحين اقترب من أولياء الدم قال: “لو عايزين ولادي يعملوا كدا موافق، أنا والله عايز أرضيكم!”.
السخرية هنا أن حمل الكفن مسألة رمزية وذات دلالة اجتماعية قاسية، ولا تخلو من إذلال، لكنها حين انتقلت من الصعيد إلى مدينة ريفية مثل قها خلت من المعنى وباتت أقرب إلى التمثيل الساخر.
الحل: في سلطة القانون التي تطبق على الجميع، الوزير قبل الغفير، ثم في تنوع القانون ومرونته، وانسجامه النسبي مع أمرين: العادات والتقاليد من جهة والشرع الحنيف من جهة أخرى.
مقالات ذات صلة:
المدنُ المسحورةُ.. وهمٌ جغرافي وتاريخٌ أسطوري
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا