تاريخ مشرّف.. وحاضر ذليل

يقول الدكتور زكي نجيب محمود: “قضيت عمري أحاول الإجابة عن هذا السؤال: كيف جاز أن يلتئم تاريخنا المشرّف، مع هذا الحاضر الذليل المخزي؟”.
سؤال الدكتور زكي نجيب محمود ليس سؤال مؤرخٍ يراجع صفحات الماضي، بقدر ما هو سؤال أمةٍ تنظر في مرآتها فتجد بين صورتين مسافةً موجعة: صورة كانت فيها فاعلة في التاريخ، وصورة غدت فيها مفعولًا بها.
فكيف اجتمع في سجلنا ذلك الرصيد الهائل من الإبداع الحضاري والعلمي والإنساني، ثم آل بنا الأمر إلى هذا القدر من التراجع والارتهان والعجز؟ والأشد إيلامًا أن المنهج الذي صنع لحظات النهوض الكبرى لم يغب عن الوجود، والنص الذي أضاء العقول لم يتبدل، والقيم التي أقامت العمران ما زالت محفوظة بين أيدينا.
لذلك فإن الأزمة لا تبدو أزمة مبدأٍ بقدر ما هي أزمة إنسانٍ في علاقته بالمبدأ، وأزمة وعيٍ في كيفية فهمه له، وأزمة إرادةٍ في تحويله إلى واقعٍ حيٍّ متجدد.
إن سنن الله في الآفاق والأنفس لا تحابي أحدًا، والتاريخ لا يمنح أمةً صكًّا أبديًا بالسيادة فقط لأنها صنعت أمجادًا في زمن مضى، قال تعالى: “لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123)” سورة النساء.
من تأمل في تاريخنا يتضح له أن ما رفع أسلافنا لم يكن الانتساب إلى الحق فحسب، بل القدرة على تجسيده علمًا وعملًا وعمرانًا.
أما حين انفصلت المبادئ عن السلوك، وتحولت المآثر إلى ذكريات تروى بدل أن تكون نماذج تحتذى، بدأت رحلة التراجع الطويلة. وهنا يصدق قول الشاعر:.
إذا فخرت بأقوامٍ لهم كرمٌ نعم صدقت ولكن بئس ما ولدوا
فالمجد الموروث لا يغني عن المجد المصنوع، وشرف الآباء لا يعفي الأبناء من مسؤولية البناء. ومن ثم فإن الخروج من هذا الحاضر المأزوم لا يكون بالاحتماء بالماضي أو الإقامة في ظلاله، وإنما باستعادة الروح التي أنشأت ذلك الماضي نفسه: روح الصدق، والوعي، والإتقان، وتحمل المسؤولية.
فالأمم لا تسترد مكانتها بما كان لها، بل بما تصنعه اليوم مما يليق بما كان لها بالأمس.
مقالات ذات صلة:
علماء أوزبكستان ودورهم في تطور الحضارة الحديثة
الأزمة الحضارية وثقافة اللقطة!
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا