التمييز بين المتغيرات في أبحاث التدخل

تساؤل أوقفني عندما قرأت عنوان رسالة دكتوراة نوقشت بإحدى الكليات وهو: “هل اليقظة العقلية تعد متغيرًا وسيطًا أم متغيرًا معدلًا؟ ما التفسير المنهجي في برامج خفض القابلية للاستهواء لدى الأطفال ذوي الإعاقة الفكرية البسيطة؟”.
في سياق أبحاث التدخل النفسي والتربوي، لا سيما تلك التي تعتمد على تصميمات تجريبية لقياس فاعلية برامج تنموية أو علاجية، يصبح تحديد نوع المتغيرات ودورها في النموذج التحليلي أمرًا حاسمًا ليس فقط لفهم العلاقات بين المتغيرات، بل أيضًا لتفسير النتائج بصورة علمية سليمة ولضمان صحة الاستنتاجات التي تتوصل إليها الدراسة. الرسالة التي قرأت عنها اليوم بعنوان: “فاعلية برنامج قائم على اليقظة العقلية في خفض القابلية للاستهواء للأطفال ذوي الإعاقة الفكرية البسيطة” تطرح سؤالًا منهجيًا جوهريًا: هل تُعد اليقظة العقلية في هذا السياق متغيرًا وسيطًا أم متغيرًا معدلًا؟ وما دلالات ذلك على تحديد المتغير المستقل والمتغير التابع؟
في البداية، علينا أن نضع تعريفات واضحة قبل الدخول في التحليل التطبيقي:
المتغير المستقل (Independent Variable): المتغير الذي يطبقه الباحث أو يغيره عمدًا لقياس تأثيره على متغير آخر. في أبحاث التدخل، عادةً ما يكون هذا التدخل أو البرنامج نفسه (مثل برنامج اليقظة العقلية).
المتغير التابع (Dependent Variable): المتغير الذي نتوقع أن يتأثر بتغيّر المتغير المستقل. في الحالة المطروحة، المتغير التابع هو ما يُقاس نتيجة للتدخل (قابلية الاستهواء لدى الأطفال).
المتغير الوسيط (Mediator Variable): متغير يفسّر آلية العلاقة بين المتغير المستقل والمتغير التابع، بمعنى أنه يجيب عن سؤال: كيف يؤثر المتغير المستقل على المتغير التابع؟ ولماذا؟ بعبارة أخرى يمرر المتغير الوسيط التأثير من المستقل إلى التابع.
والمتغير المعدّل (Moderator Variable): متغير يحدد قوة العلاقة أو اتجاهها بين المتغير المستقل والتابع، بمعنى أنه يوضح متى أو في ظل أي ظروف تتغير العلاقة الحجمية أو الاتجاهية بين المستقل والتابع.
والآن، بناءً على هذه التعاريف، يمكننا أن نعيد قراءة موضوع الرسالة: البرنامج القائم على اليقظة العقلية يطبق على عينة من الأطفال ذوي الإعاقة الفكرية البسيطة بهدف خفض قابلية الاستهواء. بالطريقة التحليلية التقليدية في أبحاث التدخل، يصبح برنامج اليقظة العقلية هو المتغير المستقل لأنه ما يطبقه الباحث أو يدخله بصفته علاجًا أو تدريبًا، في حين قابلية الاستهواء هي المتغير التابع، وهي النتيجة التي نقيسها لنرى ما إذا كان هناك تحسن أو انخفاض.
أما مكان “اليقظة العقلية” في النموذج المفاهيمي، فالتساؤل يكون: هل هي محض سمة تقاس دائمًا مع التغير في المتغير التابع، أم أنها تفسّر العلاقة بين البرنامج ونتيجته؟ ولفهم ذلك، نحتاج إلى النظر في كيفية قياس اليقظة العقلية في الدراسة.
إذًا هناك احتمالان:
إذا كانت الدراسة تقيس مستوى اليقظة العقلية قبل التدخل وبعده، وتفترض أن البرنامج يعمل أولًا على زيادة مستوى اليقظة العقلية، التي بدورها تؤدي إلى خفض قابلية الاستهواء، فإن اليقظة العقلية في هذه الحالة تعامل أنها متغير وسيط (Mediator). بمعنى آخر، أن زيادة اليقظة العقلية تؤدي إلى انخفاض قابلية الاستهواء. وهنا اليقظة العقلية تسهم بنصيب في تفسير الآلية التي منها يحقق البرنامج تأثيره.
أما إذا كانت الدراسة تفترض أن تأثير البرنامج على قابلية الاستهواء يختلف باختلاف مستوى اليقظة العقلية لدى المشاركين (مثلًا: لدى من لديهم مستوى أعلى من اليقظة العقلية التأثير أكبر أو أقل)، فإن اليقظة العقلية تعامل أنها متغير معدل (Moderator). بمعنى أن العلاقة بين التدخل ونتيجته تختلف وفق مستوى المتغير المعدّل.
من تحليل نماذج المعادلة البنائية (SEM)، يمكن أن نوضح الفرق المفاهيمي والعملي بين الحالتين. ففي نموذج الوساطة، يُدرج مسار من المتغير المستقل إلى الوسيط، ثم من الوسيط إلى المتغير التابع، وقد يتضمن النموذج أيضًا مسارًا مباشرًا من المستقل إلى التابع. وأن اختبار الوساطة يتطلب تقدير المعاملات والتحقق مما إذا كان المسار غير المباشر ذو دلالة إحصائية. أما في نموذج التعديل، فيُدرج تفاعل بين المتغير المستقل والمتغير المعدّل، وتفسير تأثير هذا التفاعل هو ما يوضح كيف يتغير تأثير التدخل على النتيجة باختلاف مستويات المتغير المعدّل.
وإذا طبقنا هذا التفكير على الرسالة التي قرأت عنها اليوم، فعادة في برامج التدخل مثل برامج اليقظة العقلية تكون اليقظة نفسها آلية عمل البرنامج، ومن ثم تكون متغيرًا وسيطًا في الفرضية: أي أن البرنامج يحسّن مستوى اليقظة العقلية، وهذا التحسن يؤدي إلى خفض قابلية الاستهواء. هذا الترتيب يعكس فهمًا منطقيًا للآلية النفسية: اليقظة العقلية ليست فقط سمة ثابتة لدى الطفل أو شرطًا معدّلًا، بل جزء من العملية التي يولّدها البرنامج نفسه.
لكن من منظور آخر، يمكن القول إنه من الممكن اعتبار اليقظة العقلية متغيرًا معدلًا إذا كانت الدراسة تستهدف الكشف عن أي اختلاف في فاعلية البرنامج على الأطفال ذوي مستويات مختلفة من اليقظة العقلية الأساسية. وفي مثل هذا الوضع يكون السؤال هل الأطفال الذين لديهم مستويات أعلى من اليقظة العقلية يستفيدون أكثر من البرنامج من غيرهم؟ هذا النوع من الفرضيات يتطلب تصميمًا مختلفًا وتحليل تفاعلي في إطار المعادلة البنائية.
وفي الخلاصة والاستنتاج العملي لأي باحث يسعى إلى صياغة نموذج (SEM) في مثل هذه الرسالة يكون:
المتغير المستقل: برنامج اليقظة العقلية (تطبيق/عدم تطبيق البرنامج، أو كمية التعرض له).
المتغير التابع: قابلية الاستهواء لدى الأطفال ذوي الإعاقة الفكرية البسيطة.
اليقظة العقلية: غالب الظن أنها متغير وسيط إذا كان هدف الدراسة فهم آلية تأثير البرنامج، إلا أنها قد تعامل متغيرًا معدلًا فقط إذا كان هناك فرضية صريحة عن اختلاف التأثير عبر مستويات مختلفة من اليقظة.
وعلى ضوء ذلك فالتمييز بين الوسيط والمعدل لا يعد ترفًا منهجيًا، بل المفتاح لفهم لماذا وكيف يعمل التدخل، وهو ما يتيح للباحثين وصانعي القرار التربوي أو العلاجي أن ينقلوا النتائج من الظرف الأكاديمي إلى التطبيق العملي عل نحو أكثر دقة وموثوقية.
مقالات ذات صلة:
الإطار النظري بين الأمانة العلمية والتمويه المنهجي
القيم الخُلُقية وصناعة المعرفة العلمية
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا