إصداراتمقالات

الرحمة مبدأ لا يتجزأ … عن فلسفة الأخلاق الراهنة وسبب وجودها؟

الرحمة لا تتجزأ، مثلها مثل كل القيم، العدل والكرامة والحرية، مطلقات وثوابت.. من يؤمن بالعدالة كقيمة لا بد أنه يؤمن أنها حق لكل مظلوم، ومن يؤمن بالحرية كقيمة لا بد أنه لا ينكرها على أى مسلوب للإرادة أو مقيد ومقهور.. قضية تبدو بديهية..

ازدواجية معايير

وقفة احتجاجية فى أحد شوارع المدينة الرئيسية، تحمل شعارات تدافع عن حقوق الحيوان وتدعو إلى الرحمة والرفق فى معاملته، قامت على أثر حادث اعتداء وحشى تعرض له حيوان على يد مجموعة من (البشر) فى أثر خلاف ما بينهم، كانت نتيجته أن أفرغوا شحنة غضبهم وهمجيتهم ورغبتهم المقيتة فى الثأر والانتقام فى هذا الحيوان المسكين..

تقترب منهم فتاة حديثة السن تبدو عليها أمارات رقة الحال تحمل بيدها طفلا تبدو عليه علامات الهزال والضعف.. تبادرهم فى تلقائية وبداهة ” ابنى مريض ومش عارفه أعالجه.. دخت بيه على المستشفيات محدش عارف عنده إيه.. تاخدوه تعالجوه، الرحمة ينوبكم ثواب!! مش انتوا بتدافعوا عن حقوق الحيوان وزعلانين على روح.. طب مش دا روح إنسان برضه؟! مش الإنسان أهم؟! لو بتدافعوا عن حقوق الحيوان فدا حق إنسان طبيعى على بلده وحكومته إنها تعالجه “

هذا البرهان المفرط فى بداهته ومنطقيته، من يدافع عن حقوق الحيوان ينبغى أن يكون بالبداهة مدافعا عن حقوق الإنسان، فالروح الإنسانية التى جاءت لتحمل الرسالة وتخلف الله فى أرضه أولى، الرحمة لا تتجزأ..
هكذا قادها عقلها الفطرى البسيط، ولكن يبدو أنه لم يستطع أن يفسر لها كيف يمكن أن تتلقى مثل هذا الرد العنيف بالزجر والنهر والطرد والاتهام بأنها (بتمثل) ومدفوعة لقاء أموال تلقتها من أحدهم لتخريب وإفشال الوقفة الاحتجاجية صاحبة الغايات (العظيمة) بداعي إدعاء طلب الرحمة !!

عزيزتى البائسة.. هل استطاع عقلك أن يفسر لك هذا التناقض؟

هل شغل السؤال ذهنك عن هذا الانفصال الغريب بين الفكر والسلوك؟ هل دار بخلدك تساؤل حول معنى الرحمة فى الواقع، أو عن مفهوم المبادىء والقيم جميعها فى ذاتها؟ هل توقفتِ أمام غاية الأخلاق ومعناها وفلسفتها من الأساس؟!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

لا أظن، ليس استهانة بكِ عزيزتى حاشا لله ولكنه حكم المنطق، فتلك الأسئلة العميقة لا ينبغى أن تكون من نصيبك، ولا أنك مطالبة بالإجابة عنها.. ربما كل ما كان يشغل خاطرك هو الشعور بالعجز والهوان وقلة الحيلة، ربما ابتعدتِ فى بطء وأنتِ لا تفكرين سوى فى الهم الذى لحق بكِ وكيف السبيل إلى إيجاد حل لعلاج ابنك المسكين، ربما توقفتِ فى منتصف الطريق تائهة حائرة باكية لا تدرين إلى أين تذهبين ولا ماذا ستفعلين، ولا بد أنك تضرعت للإله الرحيم فهو وحده من يمكنه أن يسمع نداك ويعلم حقيقة حالك ويرأف بك ويرحمك، أليس هو صاحب الكمال المطلق! أليس هو مصدر الرحمة والعدل والكرامة المطلقة! ألا يصبح علينا نحن العقلاء أصحاب الرشد والمناصب الرفيعة، من نلنا حظوظا أوفر من التعليم والثقافة، ومن أكرمنا بالستر والصحة وتمتعنا بكرامة العيش وصرف عنا ذل الحاجة والسؤال أن نتفكر فى تلك الأسئلة؟!

فلسفة الأخلاق الراهنة

يحدثنا علماء الأخلاق عن فلسفتها، إن الوازع الأخلاقى لا ينفصل بأى حال من الأحوال عن الإيمان بالمبدأ والمنتهى، عن معرفة الخالق وعن معرفة غاية الوجود والهدف الأصيل للوجود الإنسانى، ومن ثم يبدأ هذا الإنسان فى البحث عن تكاليفه وواجباته الشرعية التى وجد من أجلها، والتى إن التزم بها وتوجه بها نحو توجهها الصحيح لأثمرت ثمرتها المرجوة، وما تلك الثمرة إلا صلاح النفس ومن ثم أن ينال هذا الإنسان نصيبه من السعادة، عندما يؤمن أن التزامه ببرنامج الهداية المنشود بما تمليه من تكاليف أخلاقية وعملية وسلوكية هو ما سيؤدى بالضرورة إلى صلاح نفسه وصلاح مجتمعه فيصير إلى كماله.. ذلك أنه ما وجدت أوامر إلا لأن فيها ما يحقق الخير ويعود بالنفع على أفراده، وما وجدت نواهى إلا لأنها جالبة للضرر محققة للفساد فوجب الامتناع عنها.. ومن أدرى بما فيه الصلاح والفساد للعباد سوى رب العباد!

ثم إن السلوك الأخلاقى لن يثمر ثمرته المرجوة فى النفس إلا لو أصبح ملكة متجذرة بها، فالكريم لن يشعر بحال السعادة مع إتيان فعل الكرم إلا لو فعله بتلقائية بدون تفكير، أما أن يكون متألما حريصا حذرا فيما يدفع من مال أو يخرجه من صدقة، أو كان متوجهًا بها لطلب إعجاب الناس وحريصًا على الاشتهار بينهم بحسن الأفعال، لما جاز وصفه بصفة الكرم وإن داوم على ذلك..

إذن فالقضية هى قضية معرفة حقيقية  بلماذا علىّ الالتزام بالسلوك الأخلاقى؟ ولمن أتوجه به إليه؟ وكيف أصل إلى اكتساب تلك الملكات الأخلاقية؟ عندها لم تحدث تلك التفرقة الغريبة بين من يدعى إيمانه بمفهوم الرحمة نحو الحيوان ثم ينكرها على أخيه الإنسان! من يبحث عن العدالة فى أن ينال أخوه المظلوم حقوقه، ثم أن ينكرها على غيره لمجرد أنه لا يشبهه!! من يرفع شعارات الحرية والكرامة والديمقراطية ثم نجده يعيث فى العالم إفسادًا وارهابًا وتنكيلًا بالشعوب ونهبًا لثرواتها خدمة لمصالحه الشخصية!!

لماذا أصبحنا كذلك؟

إن السلوك ثمرة لا تنفصل عن الفكر والرؤية، فالإيمان والاعتقاد ليس مجرد فكرًا جافًا يشغل حيزًا معينًا فى الذهن ثم لا يرتبط بسائر جوانب الوجود، بل إن من صميم الرؤية والاعتقاد أن ينسحب ذلك على سلوك الإنسان وأفعاله، فمن يؤمن بمادية الوجود وعبثية الخلق لا بد وأن ينتهى به الحال إلى التصرف وفق هذا المبدأ، فلا معنى للتفكير فى الحسن والقبح، فلا يؤمن بمطلق ولا يسعى لنصرة القيمة من أجل ذاتها، بل إن اعتنقها فسوف يعتنقها فقط لأنها قد تحسن من دخله المادى أو تؤهله لمنصب أرفع فى عمله أو تؤدى به لمنزلة عند الناس، تلك هى المادية العقائدية التى يحدثنا عنها المفكرون، وهو حال غالبية أصحاب الفكر المادى الغربى الذين كثيرًا ما أصبحنا نحن كشعوب الشرق نتباهى بهم ونعتبرهم مثال لتطبيق القيم الأخلاقية والشرف والنزاهة بدون إدراك أنه مجرد تطبيق شكلى فارغ أجوف لا يحمل من ورائه سوى غايات مادية كطبيعة الرؤية التى أفرزته..

وكما أن هناك مادية عقائدية فهناك ما يسمى بالمادية الأخلاقية، وهى حالة من كانت رؤيته إلهية ولكن للأسف لا تتطابق أفكاره مع سلوكياته فيترك نفسه فريسة للشهوات والنوازع والأهواء فينعكس كل ذلك على سلوكياته التى يغلب عليها الطابع المادى حتى وإن آمن بإله، هذا الشخص لا بد وأن يأتى يوم تؤثر فيه أخلاقه وسلوكياته على مفاهيمه ومعتقداته ولا بد أن يسعى لا إراديا إلى أن يجعل سلوكه منسجمًا مع أفكاره حتى يتجنب الصراع بين عقله ونفسه، وهو ما يحدث فى البيئات التى تغيب عنها الحالات الروحانية ويعم فيها الفساد والظلم والاستبداد وتنتشر فيها غلبة الشهوات.. وهو حال كثير من مجتمعاتنا التى وإن ادعت الإيمان إلا أن ذلك لا يترجم فى غالب أفعالها، حتى وصلنا إلى الدرجة التى أثر فيها السلوك على الفكر فغابت الثوابت والقيم وأصبحت مبادئنا التى نرفعها قشورًا، فرغت من مضمونها وأصبحت مجرد معاملات فارغة شكلية ليس لها جذور ضاربة فى النفس الإنسانية ولا تحمل أى قيمة من ورائها ولا يترتب عليها أثر من صلاح للمجتمع..

أصبحنا كذلك عندما غاب عن مجتمعنا المفكرون والممثلون للقيم الحقيقية فشوهت القيم وانسحقت تحت أقدام المتاجرين وأصحاب المصالح وطالبى السلطة وناشدى السياسة ومداهنى أصحابها من فقهاء السلاطين، فغاب عن المجتمع فقه الأخلاق وفلسفة القيمة، وأصبح لا عجب فيمن يرفع شعارًا ينادى فيه بالحقوق والكرامة ثم يهدرها فى نفس اللحظة فى سلوكياته وأفعاله، وصرنا نشهد قابلية المبادئ للانقسام والتجزئة إلى ألف جزء حسب ما يقتضيه الموقف والظروف وتستدعيه المصلحة والمنفعة الشخصية، وماتت فينا السجايا الإنسانية، ثم أصبحنا نتساءل لماذا نتقهقر ونتسافل ولا تجدى محاولاتنا الدؤوبة للإصلاح!  أو ربما توقفنا أمام مشهد الفتاة البسيطة وهى تتساءل ببراءة وتلقائية (أليست روحًا مثل الروح التى تدافعون عنها؟! ألا تستحق منكم مساعدة أو حتى إظهارًا للشفقة والتعاطف! فالمبادئ لا تتجزأ).

 

اقرأ أيضا … أين الأخلاق؟ وكيف تأتي؟
اقرأ أيضا … المنزل الذهبي وغياب الأخلاق
اقرا أيضا … وأنا كمان مش قليل الأدب _ ماذا أنتجت النسبية الأخلاقية؟

تابعونا على:
يوتيوب
فيس بوك
انستجرام

دينا خطاب

باحثة في علوم التفكير والمعرفة

فريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالقاهرة