إصداراتمقالات

الكوكب الجديد

هو يوم كأي يوم، نستيقظ مبكرًا لنذهب إلى العمل، ثم إذا ما وصلنا إلى مكان العمل يبدأ النقاش اليومي المعتاد عن الأحداث السياسية أو الرياضية أو أخبار العالم في المجالات المختلفة، ثم سرعان ما تبدأ أيضًا حالة السخط على ما نحن فيه من وضع مأساوي، هي حالة أنتجت نقاشا كالمسرحية الدرامية وكغيرها لها مشاهد.

المشهد الاول ((تخاريف))

صديقي: شوفت الكوكب الجديد؟

 أنا: آه سمعت عنه بس مش مهتم بالتفاصيل.

صديقي: طب إيه يا معلم مش هتيجى؟

اضغط على الاعلان لو أعجبك

أنا: لا مش هروح

المشهد الثاني ((علامات استفهام وتعجب))

صديقي: هو صحيح هنروح نعمل أيه؟

أنا: هو بصراحة اكتشاف يرسخ لعظمة الإله بس الفكرة إننا لسنا بحاجة لهذا الاكتشاف الآن.

صديقي: على فكرة احنا مش محتاجين نكتشف الفضاء.

أنا: لا إحنا محتاجين ده ولكن هل ده الوقت المناسب؟! هل البشرية الآن في حاجة إلى تقدم مادي أكثر؟! هل الإنسانية في الوقت الحالي بحاجة إلى فهم الطبيعة واكتشاف أسرارها؟!

المشهد الأخير ((كلام بجد))

أنا: طيب هما رايحين يعملوا أيه أنا مش فاهم؟!

صديقي: رايحين يكتشفوا حياة جديدة.

أنا: أليس الأولى أن نحافظ على ما في أيدينا أولًا من حياة على كوكبنا، من هواء أصبح ملوثًا، ومن ماء وبحار لو تكلمت كائناتهم لظلت تسخر من الإنسان؟!

صديقي: أيوا صح وهذه الأموال الطائلة التي تكفي لتوفر حياة كريمة نظيفة لهؤلاء الفقراء والمحتاجين والمشردين!

وأخيرًا انتهي النقاش بذهاب صديقي إلى عمله ولم تنتهي المشكلة كالعادة، وبدأت أفكر جديا وأتساءل: ما هذا الذي نعانيه وأين نعيش وما هذا العالم الذي يملؤه التناقض والخلل والجهل بالأولويات وغياب الرؤية وضياع الغاية من الوجود بأكمله؟!

غياب الرؤية وضياع الغاية: قد يتساءل البعض وأين الخلل والتناقض في هذا، أليست هذه الخطوة هي نتيجة لذروة التقدم التي وصلت إليها البشرية؟!، اقول أن العبرة ليست بالكم ولا إلى أي مدى وصلت البشرية من تقدم مادى ولا إلى أي مدى أخضع الإنسان الطبيعة له، إنما الأهم والذي قد يستغرق الإنسان كفرد والبشرية أجمع أعمارهم في فهمه هو كيف نستخدم الطبيعة وفيما نريد أن نستخدمها وكيف نحسن توظيف هذا التقدم المادي في خدمة البشرية، وواقعنا خير مصداق ودليل ونتيجة لغياب معرفة الإنسان بحقيقته وفهمه لنفسه وبذلك فقد غابت الرؤية وغابت معها إنسانيته وطغت ماديته على جانبه الإنساني الروحي المجرد وأصبحت المنفعة هي الدافع لتحرك الإنسان وأنّ المعيار هو حجم المنفعة التي ستعود عليه، وهل سيمكنه ذلك الاكتشاف من سيطرته على باقي الشعوب أم لا؟!

إليكم أمثلة من واقعنا الذي لا يخفي على أحد، فمثلا إذا تناولنا بعض هذه الاكتشافات العظيمة ولتكن الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، فإن الإنسان العاقل الحكيم ينظر لهذا الابتكار فيرى أنه يحقق مقصد التعارف والتكامل مع الشعوب الأخرى ومعرفة المشتركات فيما بينهم وبالبناء على ذلك يتحقق السلام والرخاء فلا تتولد عداوة أبدًا ولا حروب ولا قتل كما نرى الآن، بل ويستفيد كل منهم بما وصل إليه الآخر، ولكن انظر نتيجة لغياب الرؤية والغاية فقد استخدمه الإنسان في غزو الآخر بثقافات قد لا تتماشى مع طبيعة الآخر بل تهلكه، واستخدِم أيضًا في تأجيج الصراعات الطائفية والعرقية وإثارة شعوب ضد الأخرى، واستخدِم في نشر الانحلال الأخلاقي وإضاعة ثوابت الشعوب والمجتمعات واستخدمه القوى ضد الضعيف والتجسس عليه في محاولة لجمع المعلومات التي تمكنه من إخضاع هذا الضعيف له وإبقاءه ذليلًا.

ومثال آخر، عمليات التجميل تلك التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى والثانية في محاولة لعلاج الحالات التي خلفتها الحرب ولتخفيف معاناة المرضى، ولكن نتيجة لغياب الرؤية والغاية أيضًا استخدِمت استخداما خاطئا، حتى أنها أصبحت تجارة عالمية وتم إقناع البشرية أيضًا بواسطة الآلة الإعلامية أنّ لجمال المرأة معايير وللرجل أيضًا معايير كي يكتمل مظهرهم ويصبحون أكثر جمالا وجاذبية، فما كان من الغافلين إلا أنهم أسرعوا إلى عمليات التجميل لتصبح المرأة أكثر جمالا وإثارة ويصبح الرجل أيضًا كذلك، وبذلك صرفوا عقول البشرية عن معنى الجمال الحقيقي واستبدلوه بجمال المظهر، حتى أنّ الأمر وصل إلى تغيير الجنس! وما على المنتفعين إلا أن يجمعوا أموالًا من وراء غفلتنا.

التاريخ والبداية ففي التاريخ قصص شعوب وحضارات لكل منهم تجربة ونجاحات وإخفاقات، وعلى العاقل أن يستخلص عبرةً وأن يتجنب إخفاقات تلك الشعوب وحتى يتجنبها لا بدّ أن يدرك أوّلا ما هي الإخفاقات ولمَ هي إخفاقات أصلًا، سيدرك حينها أن لله سننا في كونه وخلقه، سنن لا تتبدل فهي ثابته مطلقة أزلية، من أدركها وعمل بها كانت له قيادة وتحريك البشرية وامتلاك زمام أمورهم، وإذا ما حاد عنها، فهي حضارة وشعب إلى زوال مهما بلغ أمرهم، ومهما عاشت تلك الشعوب في رفاهية ورخاء، وأحد أهم هذه السنن وتكاد تكون هي كل شيء، هي نظرة تلك الحضارة للإنسان ومدى تطابق الواقع لتلك النظرة، فإذا نظرت للإنسان أنه جسد مادي، فقد هلكوا جميعًا!

فالإنسان ليس جسدًا ماديًّا فقط وإنما يحمل جزءا مجردًا أيضًا (الروح)، وكما أنّ للجسد متطلبات من مأكل ومشرب وشهوة ومسكن فإن للروح أيضًا متطلبات، فإن طغى أحدهما على الآخر فحتما سنلقى مصير الخيبة والتعاسة وفقدان معنى السعادة الحقيقية، لا بدّ أن يدرك الإنسان أنه ما جاء عبثًا ولا لِلعبٍ ولا لِلّهو، وأنّ ماديته ما هي إلا وسيلة لتحقيق الغاية الصغرى وهي غذاء الروح وكمالها وبذلك يتسق الإنسان مع نفسه ويفهم حقيقته ويصبح مهمًا للغاية الكبرى وهي تحقيق إرادة الإله في الأرض (العدل).

ماذا إذا لم يدرك الإنسان حقيقته وماذا يريد؟ سيصبح عالمنا كما هو واقعنا الآن، وستصبح تلك المادية مسيطرة على جميع جوانب الحياة وشتى المجالات، في إبداعات الإنسان واكتشافاته واختراعاته، وأسأل نفسى وكل عاقل ما الفائدة من ابتكارات واكتشافات سيتم استخدامها استخداما خاطئا وستجلب على الإنسانية ضررا أكثر منه نفعا، ما الفائدة من كل هذا والقائمون عليها تغيب عنهم أنفسهم، والمنتفعون أصحاب المصالح منتظرون من ورائهم ليروجوا ويبيعوا أحلام الشعوب وكرامتهم وإبقاء الشعوب عبيدا حتى تستمر مصالحهم، أنا لا أريد أن أعطى انطباعا سلبيًا لأحد عن أحد أو عن حضارة ما ولكن انظر بعين العقل للواقع الأليم وكم من ابتكار كان له مقصد شريف، وحاد عنه الإنسان وأفسد، وما جدوى اكتشاف كوكب جديد وعالم جديد وحياة أخرى، وهو هو نفس الإنسان الذي دمّر وأفسد عالمه الحالي، فواقعنا يكفي كمقدمة لنتيجة ستحدث حتمًا في أيّ عالم جديد، ما دام الإنسان فاقدا للرؤية والغاية وغابت عنه حقيقته.

عفوًا نحن لا نحتاج لاكتشافات وتقدم مادي وإنما نحتاج إلى نوع آخر خاص هو اكتشاف وتقدم مجرد، رحلة كما قال الفلاسفة والحكماء عنها هي أصعب وأطول وأشد على الإنسان من الخوض في تفاصيل الكون وأسراره، ألا وهي رحلة الإنسان لنفسه، رحلة لا بدّ أن تسبق كل اكتشاف، هي قبل كل شيء.

عفوًا لا حاجة لي في كوكبكم.

مش هروح.

أحمد عبد الوهاب

بكالوريوس اخصائى رقابة جودة

باحث بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالقاهرة