مقالاتعلم نفس وأخلاق - مقالات

القاهرة نمبر 1 تلوث

القاهرة نمبر 1 تلوث

القاهرة … المدينة المقهورة على حالها:

القاهرة المدينة الأولى عالمياً في نسبة التلوث! فهل هذا منبع للحيرة أو الاستعجاب؟ أبداً؛ فكيف نتعجب ونحن نعيش في ظلال هذا التلوث يومياً! الأغرب ليس التلوث البيئي فقط، وإنما التلوث الجمالي والسمعي، وكذلك الأخلاقي!

وبنظرة علوية على القاهرة من برنامج Google earth  نجد خلوها في أغلب الأحياء من التخطيط العمراني، واحترام المساحات الخضراء، فنستطيع أن نطلق عليها مدينة البلوكات.

فقاهرة المعز، مدينة الجمال الأخاذ، المدينة التي ابتعدت راضية عن دروب التقدم لتتقهقر وتختفى تماماً عن الصورة. في شوارعها رغبة من التاريخ مكبوتة تريد الصراخ بحرقة؛ لعل هناك من يستدرك قيمة هذا التاريخ المعنوي ولكن بلا فائدة! فمعول الهدم يمتد ليحطم كل بادئة أمل، تحت مسميات التقدم والتطوير والاستثمار!!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

مشهد داخلي لشوارع القاهرة:

كتل خرسانية وبلوكات، اختناقات وغضب عارم يجتاج كل من في الشوارع! ما كل هذه الطاقة الغضبية التي تسيطر على الجميع؟ أجواء مشحونة بالكراهية ودماء تغرق الشوارع من أقل مناقشة! مجرد اختلاف الرأي يؤدي إلى مشادات تتطور لمبارزات بالصوت العالي والألفاظ النابية ثم تنتهي بتشابك بالأيادي والأسلحة بكامل ألوانها سواء البيضاء أو ذات الرصاصات الذهبية، تلك المدببة الأطراف المصاحب لها صوت عالٍ يصم الآذان! والغريب أن صوتها العالي يسبقه تلوث سمعي بشري مزدوج الأطراف ما بين الضوضاء وذلك السباب غير الأخلاقي، ويعقبه صوت الصمت الطويل من جراء صدمة خروج هذه الرصاصة من مخدعها داخل خزنة سلاحها الدائرية الشكل.

دوائر… دوائر… دوائر البلوكات المحيطة بنا تحت مسميات العمران! ودوائر مناوشاتنا بني البشر من النقاشات حتى الرصاصات! ودوائر الرصاصات داخل المسدسات! ودوائر خروجنا من دواخل الحق بأنفسنا إلى دوائر دواخل الشيطان بباطله إلى أنفسنا.

ما كل هذه الشرور؟ أين تأملنا في العالم؟ بل أين التأمل لإدراك غاية أنفسنا؟

هذه الكتل الخرسانية قتلت رغبتنا في التأمل والتفكر، كيف نتأمل وقد انعدم أكسجين الحياة من لون أخضر نباتي يسكن النفس الملتاعة؟ كيف ندرك أهمية التأمل وقد أصبحنا نحيا في دائرة أكسجين بلوكات الطوب ذات اللون الأحمر؟ كيف نتفكر ونرتقي وقد ضاقت علينا مساحات الأراضي الخضراء والواسعة، وانقبضنا داخل دوائر البلوكات ذات التحضر الزائف؟ لماذا لا نكسر حدود هذه الدوائر ونعود بالحياة لبساطتها ونخرج من هذا التنافس المحموم على لون البلوكات؟

هجمة معمارية تهدم جمال المعمار القديم:

والأغرب أن هذا التنافس المحموم على البناء، قد أسقط معه عمداً التنافسية على الجمال المعماري، فنظرة بسيطة للمباني العتيقة نجد أنها ذات مظهر جمالي رفيع، وفتحات تهوية مناسبة، وأسقف مرتفعة لكل طابق. مع مراعاة المساحات الخضراء أمام كل هذه الأبنية القديمة. أما عمارات البلوكات فهي قبح منتشر مصمت ليس له شكلاً مناسب، مجرد طوابق متعددة في مساحة أرض صغيرة لا تحتمل، ويكون البناء في مجمله قطعة من التلوث البصري يثير النفور للنفس من ضيقه. ويعود على المجتمع باختنافات مرورية ومضايقات من ضيق الأماكن المجاورة. وكأن المعمار مرآة لفقد الإنسان قيمته في القاهرة، والأشد خطورة هو السعي المستمر لهدم كل المباني والفلل الأثرية القديمة، لتحل محلها هذه البلوكات! مما يساهم في مزيد من الاختناقات، وفقد المظاهر الجمالية في الشوارع.

وتطورت هذه التنافسية على الوسيلة للبناء دون الغاية، لتشمل كل هذه المظاهر العشوائية في كل الثقافات! فأصبحت الحاكمية لنجاح الأعمال الفنية ليس للقيمة التي سيضيفها العمل الفني لجماهيره، وإنما بالمكاسب وأعلى الأرباح المادية!

الحل للخروج من دائرة التلوث:

وكل هذه المظاهر تستلزم منا وسريعاً التفكر في نفوسنا، والتأمل في ذاتنا؛ لأن البقاء في هذا الكهف نتائجه استمراراً في التلوث البلوكاتي البنائي؛ فتضييق مساحات التنفس والانبساط على النفس الإنسانية مع استغلال كل مساحات البناء، مما يؤدي بالضرورة لكبت داخلي آثاره عنف وانحدار أخلاقي، نشهده في شوارعنا يومياً. فما هي إلا معادلة بناء، وبالخلل والإهمال في بنائها تنهار المجتمعات!

وللعلاج سريعاً لا بد من التخصيص العاجل لمساحات خضراء، حدائق ومنتزهات تتقدس فيها الحياة الإنسانية مع هذه الحياة البسيطة الزراعية، وتستجمع قواتها بأكسجين نظيف، يحد من التلوث البيئي، وتنتشر معها ثقافة احترام هذه المساحات الخضراء، والمحاسبة الشديدة لكل من يتعدى على حرمة هذه المساحات، وكذلك المراقبة عند البناء بعيداً عن المصالح الضيقة والانتهازية للبناء. فالعمران مطلوب ولكن لا بد من اتباع الخطوات الصحيحة لبنائه من التخطيط السليم والمميز، فلكل شارع طاقة استيعابية لا بد من مراعاتها، وتخطيط جمالي يجب أن يوضع في الحسبان، وبمراقبة شديدة تعود على البشر ساكني هذه المدينة بالانبساط والراحة النفسية.

أما العلاج بالشكل السليم، فيستلزم منا جميعاً نشر الوعي وإدراك ثقافة أن الجمال المعنوي أهم بمراحل من مجرد السعي المحموم وراء المكاسب المادية فقط، دون أي قيم أخرى، وذلك في سبيل السيطرة على الأمراض الأخلاقية التي تفشت في المجتمع من عنف غير مبرر، وحوادث اغتصاب. وهذا الحل قد يتخذ من الوقت الكثير، ولكنه هو الحل الأمثل والصحيح وليس بالمستحيل تحقيقه في مدننا كلها؛ فالمدن هي نتاج تفكير ساكنيها ومقياس ثقافتهم وتفكيرهم.

وأخيراً، إن الحضارة والتقدم الحقيقي ليس في استغلال المساحات للمنافسة العقارية فقط، وإنما في بناء العقول القادرة على العمران العقلاني والأخلاقي أولاً؛ لأنها بهذا العمران ستكون قادرة على البناء والتخلص من تبعات التلوث

 

اقرا ايضا :

بعد أن اعتدنا الفساد، هل نفقد الأمل فى إنسانيتنا ؟ ومن هو البطل الحقيقي ؟

الحضارة الإسلامية … بين البديل الأمثل والبديل الأوقع

الإنتماء والغزو الفكري

أحمد صالح

عضو فريق مشروعنا فرع القاهرة