مقالات

من الذي وضع فرعون كإله؟

من هو فرعون ؟

يعد ” فرعون ” شخصية مركزية في العديد من الأدبيات الدينية، باعتباره شخصا بالغا في الاستعلاء والطغيان والتكبر، وبلغت قمة استكباره أن نسب لنفسه ما ليس له، فنسب لنفسه صفة الرب والاله، رغم الفرق الكبير بين الصفتين.

فالرب -عند العرب- هو السيد المطاع والحاكم والمربي والقائم على الأمر، في حين أن لفظ الإله هو الجدير بالعبادة والطاعة، وعلى مدار تاريخ الإنسانية نسب العديد من المتجبرين في الأرض صفة الرب لأنفسهم، نظرا لأنها شديدة الصلة بالأسباب المعيشية والتي قد يتحكم البشر في بعضها، فيمكن للطاغية أن يمنع الرزق عن أحد أو أن يعطيه (الرزق)، كما يمكن أن يعدمه أو أن يطلق سراحه من الإعدام (الحياة والموت).

إلا أن صفة الإله أمر مختلف، وإن كانت كلا الصفتين متلازمتين (الرب والإله)، فإجبار الحاكم لشعبه على إثبات صفة الرب له يحمل في مضمونه إجبارهم على إثبات صفة الإله، غير أن الطاغية لا يجرؤ على إثباتها لنفسه بصورة مباشرة كما فعل في صفة الرب، ومن هنا يكون فرعون أشهر من تجرأ على نسب هذه الصفة لنفسه، وبرغم الدلائل العقلية الصريحة على كذبه في مسألة الربوبية، فإن هذه الأدلة وغيرها أشد تكذيبا له في مسألة الالوهية، فصفة الرب والتي تعني التربية والقيام على الرعاية هي من صفات الإله الحقيقي الذي يستحق الطاعة والعبادة نظرا لأنه الخالق الرازق المدبر إلى جانب صفات الجمال والكمال التي نسبها لنفسه كالرحمة والمغفرة والتي بالقطع يعارضها كل طاغية بقسوته وجوره وتلاعبه بشبعه.

لماذا يدعي فرعون الألوهية؟

وأيضا صفة العدل هي من صفات الإله الحق، ومن هنا نجد أن الطاغية يعارض كل صفات الألوهية، ودائما ما يتصف بالجور لأنه لو كان عادلا في المقام الأول ما نسب لنفسه ما يعلم يقينا أنه ليس له، وبالنظر إلى ما سبق فإن هناك سؤالا يطرح نفسه وهو: ما الذي جعل فرعون ينسب الألوهية لنفسه؟

قبل الإجابة على السؤال أتمنى أن يحظى القارئ الكريم ببعض الوقت ليحاول إيجاد الجواب بنفسه، وبالنظر للإجابات التي قد تكون متعددة، سنجد أنها معظمها تبدأ بفرعون، فغالبا ما ستبدأ بأن فرعون ادعى الألوهية لنفسه بسبب أنه …. (يمكنك أن تملأ الفراغ بما شئت)، إلا أن معظم هذه الإجابات تغفل العامل الأساسي في هذا الادعاء وهو “الشعب”.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

فرعون وشعبه

يعتبر الإنسان كائنا مدنيا بطبعه، ومنذ بداية إدراكه يعرف أن بقاءه مرهون بغيره، ومن هنا نشأت التجمعات البشرية، وبالزيادة المطردة في عدد الجماعات وحتى الجماعة الواحدة، اقتضت الحاجة وجود “حاكم” أو “مرجع” أو “كبير” لهذه الجماعة حتى لا ينفرط عقدها.

ولنأخذ على سبيل المثال التخيلي جماعة ما، يتميز أفرادها بالتفكير السطحي ويعلون المظهر على الجوهر، ويقدرون المادة على الفكرة، ومع الوقت صار ذلك معيارهم وقانونهم العرفي، فصاروا فيما بينهم يتباهون بالأموال أو الأولاد أو التملك، وصار المقياس للحكم على الفرد هو ملابسه وزينته، وبالتالي فهم درجات، يحقرون بعضهم أو يعظمون بعضهم اعتمادا على مقدار المال والتملك، وبطبيعة ضروريات الحياة فهم بحاجة لخدم يقضون لهم حاجاتهم.

وهؤلاء الخدم هم أقل وأذل فئة في هذا المجتمع لأن هؤلاء الخدم لا يملكون أي شيء، كما أنهم أذل وأحقر إن كانوا غرباء تم جلبهم من الخارج، وفي يوم من الأيام نصب أفراد هذا المجتمع حاكما عليهم، هذا الحاكم من جلدتهم ومن بين أظهرهم، يدين بدينهم ويؤمن بقانونهم العرفي الفاسد، وطبقا لهذا القانون العرفي فإن هذا الحاكم يجب أن يكون شديد الغني وشاسع التملك، إذ أنه لو لم يكن متملكا أكثر منهم فطبقا للقانون العرفي هو أقل منهم منزلة، وجدير بالاحتقار ممن هو أفضل منه (أغني منه) وبالتالي فهو ليس جديرا بأن يحكمهم ويكون قائدا لهم جميعا.

فرعون والرجل المصلح

وفي أثناء هذه الظروف خرج منهم “رجل مصلح” ينتمي لأذل فئة في هذا المجتمع وهي فئة الخدم، خرج يجابه حاكم هذا المجتمع، يطلب منه أن يُطلق سراح الخدم جميعا، كما أخبر الحاكم بأن هناك من هو أعلى منه ومن هو أكثر منه تملكا، فكان رد الفعل أن رفض عموم الشعب كلام هذا “الرجل المصلح” لأن هؤلاء الخدم ملك لهم ولأنهم فيما بينهم يتفاضلون بتملكهم لهؤلاء الخدم ومن ثم فإن التخلي عن الخدم يعني أن يكون هناك قدر من التساوي بين أفراد الشعب الذي يحتقر بعضه بعضا فلهذا رفضه الشعب.

ورفض الحاكم  – فرعون – فكرة أن هناك من هو أحكم منه وأكثر ملكا – الإله الحقيقي –  لأنه لو قبل ذلك لكان هذا الأحكم والأكثر تملكا هو الأجدر بالحكم، ومن ثم يصير الحاكم الحالي متساويا بشعبه الذي يحتقره ويصير مثلهم محكوما، وهو يأبى ذلك فلهذا رفضه الحاكم، إلا أن ذهاب هذا “الرجل المصلح” مباشرة إلي الحاكم وضع الحاكم في مأزق.

فيجب عليه أن يضحد دعوته أمام الجميع ليحافظ على حكمته وهيبته، وبالطبع فإن الطريق الأمثل لذلك هو الاحتكام الي القانون العرفي، فشرع الحاكم يخبر الشعب أن يقارنوا بينه وبين “الرجل المصلح”، فالحاكم يلبس ملبسا أفضل، ويتملك أكثر منه ويجيد التحدث عنه، كما أن “الرجل المصلح” لا يتحلى بحلي الذهب لفقره ولم يأت معه أحد الأكابر من القوم ليشفع له في صحة ما يقوله.

وبالتالي فإن الحاكم برهن لشعبه أنه أفضل منه -طبقا للقانون العرفي- وبالتالي فإن ما يقوله الحاكم -بالنسبة للشعب- هو أفضل مما يقوله “الرجل المصلح”، وبالتالي فمهما جاء هذا “الرجل الصالح” بآيات ومعجزات فلن يقتنع بها الشعب ولن يقتنع بها الحاكم، وأثناء ذلك تخيل أن الحاكم أعلن لقومه أنه أكثر ملكا وأشد حكمة من الحاكم الذي يدعيه الرجل المصلح، أتتوقع أن يؤيد الشعب الحاكم أم أن يعارضوه حتى لو علموا أنه يكذب في هذا الادعاء؟!

موقف الشعب هو المؤثر

الجواب بالقطع أن الشعب سوف يؤيده إذ أنهم لو عارضوه لعارضوا ابتداء احتقارهم لبعضهم البعض، ومعاملتهم غير الآدمية لخدامهم، ولعلموا أن التفاضل بالأخلاق وبالعمل الطيب، وليس بالثوب والزينة وطلاقة اللسان، ولكنهم لم يعارضوا أيا من هذا، ومن ثم لم يعارضوا الحاكم في ادعائه في محاولة منهم للحفاظ على هذا القانون العرفي، وهذا بدوره يدفعنا أن نتساءل عمن تلقى عليه المسؤلية الأكبر: الشعب أم الحاكم؟

إن موافقة الشعب لحاكمهم في هذا الادعاء سوف تريحهم بالقطع من أمر”الرجل المصلح”، بل إنهم سيؤيدون حاكمهم في هذا الادعاء وربما فعلوا أي شيء لإثبات أن حاكمهم أفضل من الحاكم الذي يدعيه

“الرجل المصلح”، ومن هنا نعيد السؤال الأول مرة أخرى وبصيغة أخرى: ما الذي جعل الحاكم ينسب الألوهية لنفسه؟

 

اقرأ أيضا:

القضية الأهم في عالمنا اليوم.. كيف ننصر فلسطين؟

 من العجب إلى الحب.. كيف نطهر قلوبنا من الغرور بالحب ؟

 جبت إيه لحماتك؟ – معاناة العروسة وأهلها مع تقاليد المجتمع

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط

ندعوكم لزيارة قناة الأكاديمية على اليوتيوب

محمد يونس

باحث بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ