مقالات

كانوا يرسلون القتلة

تتفق المراجع التاريخية الأوروبية على أن كريستوفر كلومبس اعتمد على خرائط المسلمين وحساباتهم في رحلته نحو الغرب التي اكتشف فيها أمريكا لصالح الغرب الأوروبي سنة 1492 وفق التقويم الحالي.

بالتحديد اعتمد على حسابات عالم عربي مسلم: أحمد بن كثير الفرغاني، المولود في فرغانة (أوزبكستان حاليًا) ثم انتقل إلى بغداد، وكتاباته كلها طبعًا باللغة العربية لغة أغلب علوم الحضارة الإسلامية.

(Al-Farghani)

وضعت صورة صفحة من كتاب يتحدث عن هذا الموضوع.

أخطأ كريستوفر كلومبس في فهم كتابات الفرغاني، لأن الفرغاني حسب المسافة بالمقاييس العربية المسلمة، في حين فهمها كريستوفر كلومبس بالمقاييس الرومانية.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

لذلك حسب كريستوفر كلومبس أن المسافة تستغرق بضعة أسابيع، في حين وفق كتاب الفرغاني تستغرق عدة شهور.

كثير من الكتب تتحدث عن أن المسلمين اكتشفوا أستراليا وأمريكا الشمالية والجنوبية قبل الأوروبيين بقرون طويلة!

مثل الحديث عن رحلة البحار الأندلسي خشخاش بن سعيد عام 889م، ووجود خرائط عربية دقيقة تصف الأراضي الجديدة.

وتجار ماكاسار: إذ كان صيادون مسلمون من إندونيسيا (ماكاسار) يزورون شمال أستراليا لقرون بحثًا عن خيار البحر والتجارة، مما أدى إلى تبادل ثقافي مع السكان الأصليين.

فضلًا عن ما هو معروف من سيطرة أساطيل المسلمين على الملاحة في المحيط الهندي طوال عشرة قرون وتبادل السلع والتجارة.

كما أن بعض الأدلة تدل على أن الصين أيضًا اكتشفت أستراليا وأمريكا عبر الأسطول العظيم الذي كان قائده مسلم تشانج خه أو ما خه (zheng he)، أو حجي شمس، في أول القرن الخامس عشر، قبل اكتشافات الأوروبيين بعشرات السنين.

وضعت خرائط كي توضح ما أتحدث عنه.

وبصرف النظر عن هل المسلمون والصينيون اكتشفوا أمريكا وأستراليا قبل الأوروبيين أم لا، لماذا لم يستعمر المسلمون أو الصينيون أمريكا وأستراليا، أو قاموا بإبادة هذه الشعوب والحلول محلها؟ مثل ما فعل الأوروبيون! لماذا اكتفى المسلمون والصينيون بالتبادل التجاري واحترام السكان الأصليين، بدلًا من استغلالهم وإبادتهم واحتلال أراضيهم؟!

كان البحارة المسلمون والصينيون حين يكتشفون أرضًا جديدة، كانوا يحملون الهدايا للمكان والسكان، ويقيمون العلاقات السياسية والثقافية، ثم التجارة، لأن الشعوب المسلمة والصين شعوب متحضرة لها تاريخ وحضارات تمتد آلاف السنين تحكمها الأخلاق.

لكن شعوب غرب أوروبا حين يكتشفون مكانًا، كانوا يرسلون القتلة والسيوف والمحاربين لقتل كل من يختلف عنهم في الدين أو لون البشرة، طريقة محاكم التفتيش وكراهية المختلف والإبادة والنهب، لأنهم شعوب همجية بلا أخلاق، تمامًا مثل رئيس أمريكا اليوم، حتى لو لديهم اختراعات مادية حديثة قاموا بتطويرها والإنفاق عليها بالأموال التي نهبوها وسرقوها من المستعمرات.

المضحك أن شعوب غرب أوروبا تعطينا نحن المسلمين والصينيين دروسًا ومحاضرات في الأخلاق وتقبل الآخر.

يعني السبب أننا شعوب محترمة تحكمنا القيم والأخلاق والدين، في حين غرب أوروبا شعوب من العصابات واللصوص وقطاع الطرق.

هنا يظهر أحد حمقى الغرب وبهاليلهم ويقول لنا أن الفتوحات الإسلامية تشبه الاحتلال أو ما يسمى الاستعمار الأوروبي!

الاستعمار احتلال ونهب ثروات ونقلها إلى البلد المسيطر. يعني مثلًا الاحتلال أو استعمار أوروبا لإفريقيا أو آسيا أو بلاد العالم الإسلامي، ينهبون الثروات، وينقلونها إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، والنتيجة، سكان إفريقيا فقراء، وسكان أوروبا أغنياء.

هذا احتلال، استعمار!

لكن الفتوحات الإسلامية لمصر والشام والمغرب وفارس، إلخ، ظلت ثروات هذه البلاد في هذه البلاد، تستفيد بها هذه الشعوب.

لذلك في العصر الإسلامي كانت مصر والشام وبلاد المغرب والأندلس وفارس، إلخ، تتمتع بالرخاء الاقتصادي والقوة طوال ألف عام.

نعرف أن مصر في العصر الإسلامي كانت القاهرة مركز العالم اقتصاديًا وعلميًا، فضلًا عن دمشق وقرطبة وبغداد وسمرقند وفرغانة، إلخ.

الفتوحات الإسلامية لم تفرض الإسلام على أحد، لذلك لم ينتشر الإسلام في مصر ويصبح المسلمون أغلبية إلا بعد مرور 400 سنة على الفتح الإسلامي، هذا أمر يعرفه الجميع، ولم يُبِد أحد المصريين الأقباط كما حدث للهنود الحمر في أمريكا الشمالية!

الفارق بين الاستعمار الأوروبي والفتوحات الإسلامية أن الفتوحات يختلط الفاتحون بالشعب وتبقى ثروات الشعب في البلد، في المقابل الاستعمار الأوروبي ينهب الثروات ويخرجها خارج البلد ويستمر المستعمر في معسكرات وحصون منفصلًا بعيدًا عن الشعب.

لذلك كانت الإسكندرية عاصمة مصر في عصر الرومان واليونان المحتلين لمصر بعيدة عن وادي النيل، وممنوع على المصريين دخولها إلا بإذن أو للعمل خدمًا وعبيدًا للمحتلين.

لكن المسلمين أعادوا العاصمة إلى وادي النيل في الفسطاط والقاهرة قريبة من الشعب المصري وجزءًا منه.

هنا يظهر من يتحسر ويقول: إننا نحن المسلمين خسرنا ثروات أمريكا وأستراليا لأننا كنا محترمين ولدينا أخلاقًا ودينًا، بالمقابل كسب عديم الأخلاق من غرب أوروبا، وكان يجب أن نكون عديمي الأخلاق مثلهم!

لا طبعًا! إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، والمال الحرام لعنة لا يجلب غير التعاسة. لذلك هؤلاء المحتلون المستعمرون أنفسهم من أوروبا الغربية هم من أنفق الأموال المنهوبة والاختراعات على قتل بعضهم بعضًا في الحرب العالمية الأولى والثانية، إذ مات ما يقرب من 90 مليون أوروبي! أوروبي متحضر!

نرى اليوم هذه الشعوب الغنية تعيش في اكتئاب وتعاسة وتفكك أسري وقلق وخوف مزمن، رغم توفر المال في خزائن أغنيائهم المحتكرين للإعلام والسياسة والاقتصاد ويتلاعبون ويستغلون بقية الشعوب!

هذه الشعوب التي تبدو لك أنيقة ومنظمة، ستتحول إلى كلاب مسعورة تأكل بعضها حين يصيبها بعض الفقر أو عدم الاستقرار! تمامًا كما كانت طوال تاريخ غرب أوروبا.

أن تكسب مالًا حرامًا، سيقدم لك رقمًا وتتحول إلى غني، لكن لن يمنع عنك التعاسة في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أكبر وأشد.

نحن شعوب تحكمنا الأخلاق والدين، وهذه هي الحضارة الحقيقية، ورغم فقرنا الشديد اليوم في هذه المرحلة البشعة من التاريخ، لكن الدين يحافظ علينا من الانهيار والتفكك، إلى أن تأتي أجيال النصر، وسوف تأتي ولو بعد حين.

وتلك الأيام نداولها بين الناس، ودوام الحال من المحال.

مقالات ذات صلة

ما هو الاستعمار، وما هي دوافعه

النخوة في صدر الإسلام

الإنسانية ترفض الظلم والاحتلال

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. خالد عماره

الاستاذ الدكتور خالد عماره طبيب جراحة العظام واستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس