مقالات

الغزو الثقافي وضياع المستقبل – الجزء الثالث

مفاهيم ودلالات

حينما نتكلم عن ” الغزو الثقافي ” فنحن بصدد رصد هجوم مجموعة سياسية أو اقتصادية على المقومات الثقافية لمشكلة قيم مجتمع ما، حيث يهدف هذا الهجوم للوصول بالمجتمع المستهدف لحالة من التبعية لثقافة تلك المجموعة المهاجمة، حيث تحل بالقسر معتقدات وقيم جديدة، كبديل لقيم ومعتقدات المجتمع المستهدف.

ويتسم هذا الهجوم بالهدوء على عكس أي هجوم تقليدي، ويعتمد -أثناء عمله- على عدم إثارة الضجيج حول ما يقوم به من ممارسات، فتلك السمة تعد من مصادر قوة الغزو الثقافي، وتساعد على فاعلية الإجراءات المتبعة على أرض الواقع.

هدف الغزو الثقافي الأول

هدف الغزو الثقافي في المقام الأول الأجيال الجديدة، والتي -تكون من جهة- لم تتشبع بأفكار ومعتقدات هويتها بعد ، ومن جهة أخرى قابلتها لتبني أفكار معتقدات لم تكن الفوارق بين الصحيح منها والخطأ واضحة لهم، وذلك لقلة خبراتها كأجيال صاعدة، وكثرة وكثافة التأثيرات والمؤثرات التي يعتمدها صناع الغزو الثقافي، فيقوم بدفع القيم والأفكار التي يريد زرعها في عقول الشباب على أكثر من صعيد حتي يجد هذا الجيل الصاعد نفسه محاصر أينما ذهب بتلك الأفكار والقيم حتى يعتاد عليها ويألفها.

فالغزو الثقافي يسعي كركيزة أساسية لعمله إلى استبدال الثقافة المحلية للمجتمع بأخرى أجنبية، تلك الممارسة لا تقل خطر عن الاحتلال التقليدي المباشر للدول، فهي تؤدي نفس الغرض بل أخطر؛ لأن الغزو العسكري المباشر يدفع الناس للمواجهة والدفاع عن الوطن، أما هذا الغزو فهو خبيث لا يعلم الناس غالبا ماذا حل بهم إلا بعد فوات الأوان وقت لم يجدي الندم لأن المجتمع سيكون غير المجتمع والأفكار غير الأفكار، وهذا أشد أنواع الاحتلال ضرر وقبحا.

من مظاهر الغزو الثقافي

ومن مظاهر هذا الغزو ما نشاهده من أعمال سينمائية وبرامج وأفلام وغيرها من الأعمال الفنية التي تتسق مع أهداف هذا الغزو بتغير قيم المجتمع وإحلال قيم أخري بدلا منها. إن التصديق بوجود تلك الهجمة يُعد من أهم سبل الوقاية منها وصد هجماتها، فالكثير من المجتمعات تتعرض في وقتنا الراهن لتلك الهجمة الشرسة، فتسعى لضرب كل المجهود الثقافي والتعليمي المحلي للمجتمعات المستهدفة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

فهو هجوم كبير ومنظم يعتمد على جنود من طبيعة مختلفة ، حيث يسعى أن يجتذب المثقفين والفنانين ممن ينسجم بدرجة ما مع أهداف أو ممن يختلف مع قيم وأفكار مجتمعه، فعندما يجتذبون تلك الفئة فهم بالنتيجة يكونون قد اجتذبوا القاعدة الشعبية العريضة التي تتابعهم وتعتبرهم قدوة موجهة لهم ، ففي الوقت الذي يتم السيطرة فيه على هؤلاء المثقفين والفنانين، فإنهم بدورهم سيقومون بدفع القاعدة العريضة لهم من الجمهور للسير وفق خطط الغزو الثقافي وتبني الأفكار التي ينادي بها لتغيير المجتمعات .

فهم يتحركون في كل جوانب المجتمع من صناعة السينما والصحافة والإعلام والمؤسسات الثقافية والتربوية، كما لم يغفلوا الجامعات والأنشطة التجارية والخيرية والتنموية وغيرها مما يتفاعل معها فئات المجتمع المختلفة.

ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى طبيعة تلك الطبقة التي يستهدفها أصحاب الغزو الثقافي، فإن الفئة المثقفة التي يبحث عنها هؤلاء، هم تلك الطبقة التي تتبنى الفكر المادي الغربي وتعتبره الفكر السليم لما يحققه لها من مكاسب مادية من شهرة ومال ومراكز اجتماعية لهم في المجتمع ، وهذا يفسر حماستهم وإخلاصهم في تحقيق أهداف الغزو الثقافي .

كيفية التعامل مع الغزو الثقافي

يجب التعامل مع هذا الغزو بكل حزم وقوة لما يشكله من خطر مباشر على سلامة المجتمع، فإذا دققنا النظر وجمعنا أعمال هذا الغزو؛ سنكتشف أنها لم تكن وليدة الصدفة أبدًا، بل هي خطط محسوبة ومدروسة جيدًا.

كما يمارس هذا الغزو جانب آخر في هجماته غير زرع الأفكار الأجنبية في المجتمع؛ فهو يقوم بالتشكيك والتسفيه من قيم وأفكار المجتمع المستهدف نفسه؛ لكي تصبح تلك الأفكار والقيم في نظر أفراد المجتمع درب من دروب التخلف والرجعية والتي يجب التخلص منها حتى يتقدم المجتمع ويحقق التنمية والرفاهية.
ويظل إغراق المجتمع بقيم اللامبالاة والسخرية من مكارم الأخلاق وإشاعة الفساد في المجتمع هو الركيزة الأساسية التي يبني عليها الغزو الفكري باقي خططه.

اقرأ أيضا:

الجزء الأول من المقال

الجزء الثاني من المقال

الاستعمار الحديث