العقل واحد
باكتمال حواس الإنسان يتولد في عقله ليس سؤال واحد بل عدد لا متناهٍ من الأسئلة غير المجاب عليها، هذه الأسئلة هي البذرة التي تدفعه للبحث في كل شيء حوله على الصعيد الشخصي، الاجتماعي، الديني والعلمي، في محاولة منه لإيجاد “معادلة” أو “قناعة” أو “قاعدة عامة” أو “قانون واحد” يسهل عليه فهم المواقف المتكررة والأحداث المختلفة من حوله وذلك بقياسها على هذا “القانون العام”.
و “إيجاد القانون العام” هو واحد من أهم القوانين التي تحكم العقل البشري، كما إنه أيضًا محكوم ومؤكد لذاته، فالعقل محكوم بقوانين ويسعي من خلالها لإيجاد المزيد من القوانين الحاكمة له وللوسط المحيط به ومن هنا نستنتج أن من قواعد المخ “خلق القواعد”.
ويستعين المخ في خلق القواعد بقانون آخر هو قانون “التسلسل المعلوماتي” فالمعلومة أ تقود إلى المعلومة ب والتي بدورها تقود إلي جـ وهكذا، وهذا ثابت في العقل البشري أي أن كل إنسان على وجه هذه الأرض عقله محكوم بهذه القواعد، هذا بالإضافة إلى دافع نفسي وهو إيجاد حالة من الأمان النفسي المصاحب لخلق القناعات.
وبخلق “#قانون” أو “قاعدة” وإخضاعها للمواقف المتكررة يستكشف الإنسان صحة أو خطأ هذه القاعدة، ويضيف أو يحذف منها فيقننها، حتي يصل إلي الصورة النهائية – نسبيا- لهذه القاعدة، من خلال عملية خاضعة لقانون “التسلسل المعلوماتي”، ومع كل تعديل يكتشف الإنسان سبب الخطأ الذي استدعى تعديل هذه القاعدة، وبتكرار التجارب والتعديلات يجد الإنسان نفسه صار بطيئا الحكم ولا يتعجل بخلق القواعد،
ويدرك بما فيه الكفاية بأن القواعد لا تبني علي أساس النظرة الأولية المجردة، وأن العملية هي أعمق بكثير من هذه النظره السطحية التي كان يراها، فيجد نفسه عاجزا عن أن يصيغ فكرته في كلمة، وفي الوقت نفسه تأخذ القناعة شكلا أكثر ثباتا وفهما بصورة تصاعدية،
ويدرك الإنسان أن تداخل الأفكار شيء أكثر درامية وأشد تعقيدا، وهنا يبرز المعني العربي القائل “إذا تم العقل نقص الكلام”، غير أن التعديل في القناعة – لا سيما بالحذف – يجعل الإنسان يظهر أمام ذاته بصورة سيئة، فالقناعة التي كان يؤمن بها أمس تبدو كما لو كانت محل شك وهذا بحد ذاته يشكل تهديدا،
فيميل الإنسان للدفاع عن قناعاته باستماتة لأنها تشكل له جزءا من أمانه النفسي وهذا هو المفسر لرفض البعض التغيير من أفكارهم علي الرغم من تأكدهم من مخالفتها للمنطق، هذا ما يحدث في الحالة العادية لنمو الإنسان الفكري وتطوره. فما الذي في الحالة غير العادية؟
في الحالة غير العادية – والتي عادة ما تنشأ نتيجة دوافع كامنة سواء كانت نقصا أو إشباع احتياج أو عدم المثابرة على اتباع تسلسل المعلومات والبحث أو إيجاد حالة سريعة من الأمان وهذا يسمي باتباع الهوي -يميل الإنسان إلي ثني القوانين وإنكار الحقيقة أو عدم الجدية في البحث عن مصدر معلومات موثوق، ويصل إلى قناعة أو قانون هش بسيط يمكنه صياغته في كلمة أو وصف، يخيل الإنسان إلى نفسه –ظاهريا- أنه وصل إلي الحقيقة، ويري العالم كله من خلال هذه الأحكام غير المتقنة وغير المدروسة، فيميل للحكم علي الأشياء والمواقف والأشخاص بنفس النظرة السطحية الخاضعة للأهواء التي شكل بها أغلب قناعاته ومفاهيمه.
ومن هنا نرى أن المجتمعات المتأخرة فكريا وثقافيا تتسم بشكل واحد والتي يكون الفرد فيها سطحي الأحكام خامل #التفكير، مهتمًا بالاسم عن المسمى وباللفظ عن المعني، فتجد أفرادها يتناحرون حول المصلحات بعيدا عن حقيقة هذا المصطلح ومعناه، ويتمسكون بالتعبير اللفظي بعيدا عن المغزى من هذا التعبير، ويتحول الحديث بينهم إلى حديث جامد بعيد عن المشاعر الإنسانية القابله للفهم والتطبيق إذ أن أفكارهم سطحية ومبالغ في بساطتها حد الاستحالة، فهم لم يأخذوا في عين الإعتبار عدد العوامل المختلفة المؤثرة في موقف أو قاعدة ما، وبالتالي يرون الصورة الكلية محكومة بقانونهم السطحي.
يتسم أفراد هذا المجتمع كذلك بحالة شديدة من السرعة في الأحكام على الأفراد والجماعات والمفاهيم المختلفة، فيلخصون الدين في مظهر، ويحكمون من المظهر على التدين، وينمّطون أشخاصا لكون مظهرهم ذو دلالة معينة، ويسعى أفراد هذه المجتمعات لتكريس مثل هذه السطحية من خلال تمييز أنفسهم ظاهريا عن غيرهم -يصل الأمر حد المخالفة بالعكس الكلي أحيانا- ليسهلوا على غيرهم بأن يحكموا عليهم ويصبحوا متميزين وهذا هو أساس الاستمرار في هذا الظاهرة من السطحية،
إذ أن هذه الجماعات المختلفة ليست على أدنى استعداد للخروج من حيز هذه الوسم أو التوصيف واحد ليحدث إلغاء لهذا التوصيف وهدم لهذه السطحية أو علي أقل تقدير تقارب بدرجة ما، فيظل كل منهم يدعي أنه يدرك فهم الأخر أو أن الآخر لا عقل له وكل منهم أيضا يدعي أن الآخر لا يفهمه، وهذا بدوره يكرس لمزيد من التهتك في الثوب الإجتماعي.
كانت هذه بداية لا بدّ من التطرق إليها لكل من يهتم بإحداث حالة من التغير في مجتمعه ليكون علي دراية بالحركة الذهنية ومكوناتها ومن ثم يسهل عليه أن يتعامل مع هذه المشكلة الإجتماعية.
إنّ الدعوة هنا ليست دعوة للتخلي عن المبادئ والأفكار لإرضاء الأخرين والإلتقاء بهم عند نقطة ما، ولكن المطلوب هو إزالة العقبة النفسية التي تمنعه من الاستماع وذلك من خلال الآتي:
– إدراك أن “خلق القواعد” و”تسلسل المعلومات” قوانين ثابتة في كل #عقل.
– إدراك أن القناعات الخاطئة هي نتيجة لتسلسل خاطئ أو معلومات خاطئة
– التوقف عن استنزاف الوقت في الجدال مع شخص ما حول قناعاته والتركيز على التسلسل الذي جعله يبني هذه القناعة وستظهر المشكلة واضحة في التسلسل أو المعلومات ذاتها ومن ثم يسهل تغير القناعات إذا ما استبدلت المعلومات الخاطئة بالمعلومات الصحيحة
– الأخذ بعين الإعتبار أن تغيير القناعات يعد مصدرا للتهديد وبالتالي تفهم دفاع بعض الأشخاص عن قناعاته الخاطئة
– السعي لإزالة الفوارق السطحية الظاهرية -التي لا تلمس جوهر المعتقد-، والاندماج -شكلا- في المجتمع لتقليل ظاهرة التنميط والوسم السطحي
– وأخيرا .. تجنب الأحكام السطحية على الآخرين، وإدراك أن قناعاتهم مهما بدت غير منطقية فهي لا تزال خاضعه لقوانين العقل ولكننا فقط نحتاج لإيجاد مكان الخلل في التسلسل.
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب