
بينما كنت منشغلا بتأمل حالة التيه الحضاري والشرود الحياتي التي تكتنف العربي المعاصر، وقع بين يدي كتاب مؤرخنا المبدع «محمد حسنين هيكل»: «العربي التائه» – الصادر سنة 2002. ولم ألبث أن التهمت مقدمته بشغف تزيده أفكاري زخما، لا سيما وأنه يحمل ذات العنوان الذي كنت قد وضعته عنوانا لمقالي هذا.
وبغض النظر عن الوقائع التاريخية والسياسية التي يحفل بها الكتاب، والتي تسعى إلى استشراف المستقبل العربي عبر دروب يكسوها الظلام الحالك، فقد وجدته معبرا بقوة عما يجيش بداخلي من أفكار؛ أجل، فكلماته ترسم أحزاني، وعباراته تجسد قلقي، حتى لكأنه يقرأني ويكتبني!
يقول «هيكل» في مقدمة كتابه: «مع بداية هذا القرن الجديد –القرن الحادي والعشرين– فإنه يبدو أن العربي أصبح هو التائه، وهو صدى بالمقلوب لتعبير شاع قبل ذلك قرونا عن اليهودي التائه. وفي قرن سبق –وهو القرن العشرون– فإن ذلك اليهودي التائه وجد لنفسه مكانا حط فيه رحله، وحصَّن موقعه.
وفي الوقت ذاته فإن العربي اختلطت عليه الأمور.. وبدا وكأنه ضيع عالمه وفيه تراثه ومستقبله.. ثم إنه ارتحل بحاضره تائها بين الحقيقة والوهم، وبين الرؤية والسراب.. وبين الحلم والعجز. وهكذا بدأ القرن الحادي والعشرون وقد بات اليهودي –الذي كان تائها– متحصنا في المشروع الصهيوني على أرض فلسطين، في حين أن العربي الذي كان راسخا في الطبيعة والتاريخ أصبح هو الشارد في التيه: قد يعرف من أين.. لكنه لا يعرف إلى أين!».
أسطورة اليهودي التائه
يشير هيكل في هذا النص إلى أسطورة اليهودي التائه، تلك الشخصية الخيالية التي تجسد رجلا يهوديا حُكم عليه بالتجوال الأبدي على ظهر الأرض عقابا له على ضرب المسيح عليه السلام، فظل يهيم على وجهه في قفارها تواقا للموت دون أن يناله. وهي أسطورة تقترب في وقائعها من أحداث قصها علينا القرآن الكريم في سورة المائدة (الآيات من 20 إلى 26)، حين طلب موسى عليه السلام من بني إسرائيل أن يفتحوا الأرض المقدسة جهادا في سبيل الله، فأبوا هلعا ممن فيها قائلين: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون»، فكان عقاب الله لهم بأن يتيهوا في الأرض أربعين سنة.
تقترب الأسطورة أيضا من الاعتقاد المسيحي بتشتت اليهود عقابا لهم على قتل السيد المسيح، وكذلك من أسطورة أخرى لاحقة هي أسطورة الهولندي الطائر Flying Dutchman، وهي رواية فلكلورية تتحدث عن سفينة أشباح كُتب عليها أن تُبحر إلى الأبد في المحيطات دون أن تعود إلى مرساها. ولا يخفى علينا الأثر الذي خلفته هذه الأسطورة على أدبيات المشروع الصهيوني خلال الحقبة الحديثة والمعاصرة.
ورغم تمسك اليهود بصورة اليهودي التائه، وترويجهم لمعاناته تبريرا لإقامة الكيان الصهيوني واغتصابهم للأراضي العربية كمعاد ومستقر لهم، إلا أنهم أدركوا في الوقت ذاته أن التيه الحقيقي ليس تيها في المكان، إنما هو ذلك التيه العقلي والحضاري الذي يقذف بصاحبه في غيابات الجهل والتخلف، فإذا بهم يقرأون ويعملون وينتجون تجنبا لهذا التيه.
لقد أوجعهم وصف «فولتير» لهم في القرن الثامن عشر بأنهم شعب عاطل عن الإبداع، فراحوا يخططون ويضيفون في شتى مناحي العلم والمعرفة، وفي شتى المجتمعات التي احتوتهم، بما في ذلك الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.
غفوة العربي المعاصر
أما العربي المعاصر فقد ركن إلى مستقره غير واعٍ لما يحدق به من أطماع وأخطار، وافتتن بإبداعات أجداده فظل منتشيا بها دون إضافة أو استلهام لبواعثها، بل واطمئن إلى ما حباه الله به من مال وثروات غير مدرك لحقيقة أن القوة الحقيقية هي قوة العقل لا قوة المال، فكان من الطبيعي أن يهيم على وجهه تائها بين الأمم:
لقد بات تائها بين ماضيه وحاضره، وبين حاضره ومستقبله، بين سمائه وأرضه، وبين دينه ودنياه.. بين الاحتباس الحراري الناجم عن ممارسات الغرب التصنيعية، والاحتباس العقلي الناجم عن جهالات ولاته التخطيطية.. بين صفحات الإنترنت وشاشات الفضائيات وأرقام وتطبيقات الهواتف المحمولة، لا لاستثمار الوقت وتكثيف معارفه، وإنما لقتل الوقت وتشويه هويته، وعلى الإجمال: بات تائها على عتبات الغرب يتسول قيمه وبقاياه!
نعم، ألمت الغفوة بالعربي المعاصر، وأضناه التيه بعد حضارة دامت قرونا، كان خلالها ملء السمع والبصر، عاد إلى جاهليته الأولى بعد أن أخرجه الإسلام من الظلمات إلى النور، عبد السلطة والمال وملذات الحياة فتخلف به ركب الحضارة، وأفلتت الريادة من بين يديه، قفز الآخرون من فوق أكتافه، فاكتفى بالانزواء في ركن بعيد منسي من أركان الحضارة، لا يملك إلا اجترار الماضي المزهر لأسلافه، وأسلافه – إن بُعثوا – منه بُرآء! تقرع آذانه أرقام الحقائق، وهو في سُباته القاتل غافل ومنعم بدفء الفساد!
لم يفطن العربي المعاصر إلى أن العلم والمعرفة هما الحد الفاصل بين المتبوع والتابع، الآمر والمطيع، الصانع والمستهلك، ولو تتبعنا المقارنات الإحصائية الصادرة عن المؤسسات والمراكز البحثية المعاصرة بيننا وبين الآخر، وبصفة خاصة اليهود، لوجدنا أنفسنا أمام أرقام تكشف عن حقائق مخيفة ترسم معالم المستقبل الذي ينتظرنا، وهي أرقام لا تستحي أن تُعلن عن نفسها بعد أن افتقدت عقولنا لقيمة الحياء من غفوتها، وتوارت حُمرة خجلها خلف أسوار تخلفها.
قد لا تستقيم المقارنة بين العرب كقومية، واليهود كقوميات مختلفة، بل تصبح أكثر منطقية إذا اتسع مجالها لتشمل كافة المسلمين من جهة، واليهود من جهة أخرى، وهنا علينا أن نضع في اعتبارنا أمرين: الأول أن غير المسلمين من العرب هم جزء لا يتجزأ من الكيان العربي عموما، لهم ما له وعليهم ما عليه، طالما كانوا يعيشون في كنفه وينطقون بلغته، والأمر الثاني أن غير العرب من المسلمين –على كثرتهم وتعدد فرقهم– لا يقلوا عنه تيها بالمنظور الحضاري المعاصر، وإن كانت ثمة صحوات لديهم –جديرة بالاعتبار– لم تصل بعد إلى حد النهضة الشاملة. هيا إذن إلى نماذج من هذه المقارنات.
حجم وتوزيع المسلمين –والعرب– واليهود على مستوى العالم:
في تقرير ديموغرافي عن حجم وتوزيع سكان العالم الإسلامي، أصدره منتدى بيو الأمريكي المتخصص في شئون الدين والحياة العامة The Pew Forum on Religion & Public Life سنة 2015، بلغ عدد المسلمين على مستوى العالم 1.8 مليار مسلم –1800 مليون مسلم– وهو ما يمثل 24% من سكان العالم البالغ عددهم أكثر من 7.7 مليارات شخص.
ومع أن الإسلام يمثل حاليا ثاني أكبر ديانة في العالم، إلا أنه الدين الأسرع نموا في عدد معتنقيه، وإذا استمرت الاتجاهات الديموغرافية الحالية، فمن المتوقع أن يزيد عدد المسلمين عن عدد المسيحيين عالميا بنهاية القرن الحالي، ومع تزايد عدد المسلمين في أوروبا وأمريكا، من المتوقع أيضا أن تصل نسبتهم إلى 10% من مجمل سكان أوروبا، وإلى 2.15% من مجمل سكان أمريكا، بحلول عام 2050.
من جهة أخرى، يتواجد المسلمون في كل قارات العالم، غير أن كثافتهم تزداد في قارة أسيا، إذ تبلغ نسبتهم حوالي 62% من إجمالي العدد السابق، بينما يعيش حوالي 20% منهم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومع ذلك تحتوي منطقة الشرق الأوسط على النسبة المئوية الأعلى للبلدان التي يشكل فيها المسلمون غالبية السكان؛ يشكل المسلمون في أغلب هذه الدول ما نسبته 95% من تعداد مواطنيها.
من جهة أخرى يعيش أكثر من 300 مليون مسلم في دول لا يعتبر الإسلام دينا للأغلبية العظمى من سكانها، فعلى سبيل المثال تحتوي الهند على ثالث أكبر عدد من المسلمين في العالم، ويوجد في الصين مسلمون يزيد عددهم عن عدد المسلمين في سوريا، كما يوجد في روسيا مسلمون يزيد عددهم عن عدد المسلمين في كل من الأردن وليبيا معا.
ويشكل المسلمون الشيعة نسبة تتراوح ما بين 10% إلى 13% من إجمالي عدد المسلمين، بينما يشكل المسلمون السنة نسبة تتراوح ما بين 87% إلى 90%، ويعيش معظم الشيعة – من 68% إلى 80% – في أربع دول فقط هي إيران وباكستان والهند والعراق.
أما تعداد العرب على مستوى العالم فيبلغ وفقا للتقديرات الرسمية لسنة 2020 حوالي 377 مليون نسمة، ويزداد عددهم وفقا للتقديرات غير الرسمية إلى أكثر من 400 مليون نسمة، أي أنهم يشكلون تقريبا ما نسبته 25.47% من عدد المسلمين اليوم.
وأما تعداد اليهود وفقا لتقرير وزارة الاستيعاب والهجرة الإسرائيلية لسنة 2020 فيبلغ 14.410.700 مليون نسمة يعيشون في عشرات المجتمعات في جميع أنحاء العالم، ويوجد معظمهم في إسرائيل أكثر من 6.841 ملايين نسمة، تليها الولايات المتحدة 5.7 ملايين نسمة. وبحسبة بسيطة نجد أنه يوجد 117 مسلم تقريبا في مقابل كل يهودي على مستوى العالم، ويوجد ثلاثون عربيا تقريبا في مقابل كل يهودي.
مع ذلك تشير التقارير الدولية إلى تفوق اليهود على المسلمين –والعرب– علميا وتكنولوجيا، بل وفي مدى الإسهام في الجوانب المختلفة للحضارة الإنسانية منذ بدايات العصر الحديث وحتى الآن، الأمر الذي يطرح بقوة التساؤل عن الأسباب التي تهاوت بالعالم العربي إلى هذا الدرك من التخلف، ومدى إسهام الحكومات وصناع القرار في العالم العربي في تعميق هذا التهاوي أو تدشين سبل علاجه.
الحق أن هذه الأرقام والإحصائيات إن دلت على شيء فإنما تدل على أن العالم العربي يفتقر أولا إلى القدرة على إنتاج المعرفة، ويفتقر ثانيا إلى القدرة على نشر المعرفة، ويفتقر ثالثا إلى القدرة على تطبيق المعرفة.
الأرقام تتحدث بصوت عال، بل وتصرخ في وجوهنا، ومع ذلك يرفض القائمون على شؤون العرب أن ينصتوا؛ لم تتحرك مثلا جامعة الدول العربية –أو أية دولة عربية– لتعلن أن أمتنا في خطر، مثلما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1983 رغم تفوقها، ولم تبحث دولة عربية واحدة في كيفية استثمار عائداتها وإعادة توزيع ثرواتها بما ينهض بالتعليم والبحث العلمي.
كل المؤشرات تشير إلى أننا قاب قوسين أو أدنى من السقوط في هوة عميقة قد لا نجد سبيلا للخروج منها، ولا يرفع المسئولون إلا شعارا واحدا: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، لكن لا عاصم يومئذ من أمر الله إلا من رحم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.