طائر بلا أجنحة .. الجزء الثالث

تحظى اللغة العربية في نفوس أبنائها بمكانة وجدانية راسخة، تصل أحيانا إلى التقديس، فهي لغة القرآن الكريم من جهة، وهي اللغة التي استوعبت العلوم والمعارف في القرون الوسطى، وكانت جسرًا نمت فوقه هذه المعارف وتفرّعت وانتقلت مزدهرة إلى العصر الحديث من جهة أخرى، وهذه واحدة من المرات النادرة التي يصدق فيها الاعتقاد بقداسة لغة من اللغات مع حقائق التاريخ ومنجزاته.
ورغم ذلك، فتراجع هذه اللغة بين شعوبها اليوم لا يحتاج إلى دليل، فلا تبالي بها المؤسسات الرسمية، رغم أنها –طبقًا للدستور– لغة البلاد الوطنية، ولا يشعر المتحدثون بها بالخجل إذا لحنوا فيها، بل إن المجالس المحلية في بلادنا لا تلتزم بها في اختيار أسماء الشوارع والمدارس والمحال ولوحات الإعلانات، إلخ.
وقد نذهب إلى ما هو أكثر، وذلك حين نتابع التصورات المجردة التي تربط بين اللغات الأجنبية والتقدم، وبين لغتنا والعجز عن التقدم، حتى باتت الرطانة باللغات الأجنبية قيمة اجتماعية رفيعة في حد ذاتها، وبات المنتج العربي: الثقافي والمادي –حتى لو كان خالص المحلية– في حاجة إلى التوسل بالأسماء الأجنبية كي يلقى الرواج المنشود، وهذا بلا شك مستوى غير مسبوق من الاستلاب والتبعية!
تبدو العربية المعاصرة في نظر المتأمل طائرًا بلا جناح، وبالتأكيد لا يوجد طائر بلا جناح، وإن وجد فحضوره كغيابه، فلا قيمة له ولا معنى لوجوده. ولذا فمن الضروري (هنا) الحديث عن الإلزام الدستوري والقانوني الذي ينهي –على الأقل– الجانب الظاهر من هذه الفوضى وتلك الاستباحة، فلا توجد لغة حيّة تتوارى في فضائها الوطني على هذا النحو، فهناك ما يجب القيام به نحو الإعلانات وأسماء الشوارع والمؤسسات، وثمة مستوى من إتقان اللغة يجب أن يلتزم به كل من يتواصل رسميا مع الجماهير: كالإعلاميين والمحامين والقضاة والسياسيين وأعضاء مجلسي الشعب والشورى.
من الضروري أن نضمن قدرًا مقبولًا من الكفاءة اللغوية لكل تواصل رسمي، وبذلك نعزّز –على الأقل– مكانة العربية اجتماعيًا ووجدانيًا في نفوس الجمهور، بقدر ما نعزّز صورة المتكلم بها في نفوس هذا الجمهور، فـ”الكفاءة اللغوية” لا تنفك عن كفاءة مستعمل اللغة والثقة به في حقل اشتغاله: الإعلامي أو السياسي أو غيرهما، وغياب القدر المقبول من “الكفاءة اللغوية” –على المستويات السابقة– يؤثر على قدرة مستعمل اللغة على الإقناع، أو يجعل منه مادة للسخرية على جدران التواصل الاجتماعي، وهذا بالتأكيد أمر غير مطلوب.
أتحدث هنا عن الإلزام القانوني باعتباره أحد جناحي هذا الطائر، وأمّا الجناح الآخر فهو التعليم العام، أو المادة العلمية التي نقدم بها اللغة العربية للطلاب في المدارس، فيجب مراجعة مناهج التعليم ومقرراته ليقتصر الهدف من تعليم اللغة على إجادة المهارات المباشرة والقريبة، وعلى رأسها القراءة والكتابة وفنون القول المعاصرة فحسب، فليس من الحكمة أو الصواب أن نطمح إلى ما هو أكثر من ذلك، كأن يتعرف الطالب على تاريخ اللغة ومعجمها التراثي وفنونها القديمة واختلافات علمائها بخصوص مسائل النحو والصرف والبلاغة.
العربية المعاصرة والعربية القديمة
في هذا السياق أميز بين مستويين من اللغة: “العربية القديمة” و”العربية المعاصرة” التي يكتبها الناثرون والشعراء منذ مطالع العصر الحديث وحتى اليوم، فهذه اللغة وما أنتجته من آداب وفنون متعددة هي وحدها موضوع المنهج المقرر على طلاب التعليم العام، وهي وحدها أداة المعلم والطالب في الفهم والإفهام، ولذلك فإن تعديلًا جوهريًا على المقرر يفترض حدوثه، وفيه نستبعد الأدب القديم من مرحلة التعليم قبل الجامعي، فلا يعقل أن نقدم للطالب نصوصًا تنتمي –لغة وقيمًا وعالمًا– إلى زمن لم يعد موجودًا، ولا يعقل أن تجتمع على الطالب غربتان: غربة اللغة وغربة العالم الذي يتحدث عنه النص، ثم نطالبه بعد ذلك بإجادة اللغة وتذوق جمالياتها وتمثل قيم نصوصها التي لا وجود لها في حياته.
ومثلما أشرت سابقًا، فليست الغاية –من طالب التعليم العام– أن يحيط بماضي العربية، معجمها وصرفها وتراكيبها، لا يجب أن نطمع في أكثر من قدرته على تذوق نصوص العربية المعاصرة ويراعي نحوها ويحرص على صواب استعمالها، ولذا فأنا أقترح أن تقتصر موضوعات القراءة والنحو والبلاغة والنصوص على العربية المعاصرة والأدب المعاصر، شعره ونثره، فلا يعقل مثلًا أن تكون للرواية المعاصرة هذا الحضور كله بين القـرّاء ولا يدرس الطالب الرواية والقصة في المرحلتين الإعدادية والثانوية، ويلم بتقنيات هذا الفن وطرائق تحليله، وقل مثل ذلك عن الشعر المعاصر واتجاهاته وأبرز نصوصه، بل لا يعقل –وسط طوفان هادر من النصوص الرقمية– ألا يدرس الطالب بلاغة البوست والكوميكس والتويتة، تلك النصوص التي يستقبل نماذجها بالمئات في اليوم الواحد، وقد يكون الطالب نفسه مشاركًا في إنتاجها!
أمّا اللغة العربية القديمة، تاريخها وآدابها وتياراتها فهي موضوع الطالب الذي يختار التخصص في كليات الأزهر والآداب ودار العلوم.
النحو والأدب والبلاغة
يعد الأدب الجناح القوي الذي يستند إليه طائر اللغة، بحكم قدرة الأدب على التأثير والنفاذ إلى القلوب، ومن المهم أن تتجاوز المناهج الطريقة القديمة التي تعزل مقررات النحو والبلاغة والأدب عن بعضها من ناحية، وتعزلها عن مفهوم الخطاب من ناحية ثانية، وتعزل الخطاب عن التداول وحاجات المرسل إلى التعبير والتأثير وحاجات المتلقي إلى الفهم والتأويل من ناحية ثالثة.
هنا يلزمنا الانتقال من “نحو الجملة” إلى “نحو النص”، ومن بلاغة الشاهد والمثال والألاعيب والإلغاز إلى بلاغة تقارب الخطاب كله، وتقدم للطلاب معرفة بالنوع الجمالي وسياق الإنتاج والتلقي الذي يفتح أمامهم مساحة حرة للتأويل والتذوق وربط النص بسياق التفاعل الحي، وما يتصل به من هموم معرفية وحياتية وجمالية، وعدم الانتقال إلى هذه المساحة البلاغية (الجديدة) يتجاهل جهودًا مضنية بذلها الدارسون في الجامعات في الانتقال من بلاغة التشقيق والتفريع إلى بلاغة الخطاب.
هامش من التاريخ القريب
لك أن تعجب بالتأكيد إذا عرفت أن جهود التطوير والتحديث تعود إلى الربع الثاني من القرن الماضي مع شيخ الأمناء أمين الخولي، فقد بذل –رحمه الله– جهودًا صادقة للتخلص من البلاغة الشكلية التي هيمنت على عقول الدارسين قرونًا، وشغلتهم بالحواشي والتقسيم والتشقيق، وكان الخولي يصف هذا النشاط بـ”بلاغة العجم” مقابل بلاغة أخرى يسعى إلى تأصيلها والدعوة لها، وهي “بلاغة العرب”، لكن جهود الخولي والذين جاءوا من بعده في وادٍ ومناهج التعليم في وادٍ آخر!
لقد عزلت البلاغة الشكلية النص عن مرسله، وعن الواقع المعيش، وقيّدت خيال الطلاب، وهذه كلها أثقال وعوائق تحول دون الطالب والأدب بقدر ما تحول دون التعليم والوعي بقضايا الحياة والواقع.
وإذا وصلنا إلى هذه النقطة، فمن المهم أن نتقدم خطوة أخرى، نرجو فيها امتياز منهج اللغة العربية المقرر على طلاب القسم الأدبي عنه لدى زملائهم الذين يدرسون في القسم العلمي، فمن غير المفهوم أن يكون المنهج واحدًا لدى القسمين، ويشمل هذا الامتياز فروع: النحو والبلاغة والأدب كمًّا وكيفًا، فحتى الآن لا نفهم لماذا لا يدرج النقد وقضاياه ومناهجه ضمن مقرر القسم الأدبي؟ ولماذا يستبعدون هذه المعرفة النقدية والجمالية وهي بالأساس ذات طابع بنائي عابر للتخصصات الأدبية واللسانية والفلسفية، الأمر الذي يسهم في إعداد مقبول لطلاب القسم الأدبي الذين سوف يلتحقون بأقسام اللغات وعلوم الاجتماع والفلسفة والأنثربولوجيا؟
عمومًا، من المهم إعداد طالب القسم الأدبي بما يؤهله لما سوف يتلقاه من معارف جامعية متخصصة، وحينها لن يكون أساتذة الجامعة مضطرين إلى إنفاق الجهد في تقريب المداخل الأولية لطلابهم، لكنهم سوف يتجهون مباشرة إلى تقديم مستوى أعمق من القراءات المنهجية والمعرفية في مختلف التخصصات.
وأخيرًا..
هذه محض اقتراحات، لن تعيد العربية بالتأكيد إلى واجهة الحضارة المعاصرة، لكنها خطوة تتأكد بها قيمتها في نفوس أبنائها، وتحد من استباحتها في الفضاء العمومي، والله من وراء القصد.
مقالات ذات صلة:
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا