الطفل ابن الخمسين، كيف رأيته أفضل من من المكانيكي نفسه؟
ورشة الميكانيكي و الطفل
تعطلت سيارة أحد أصدقائي في يوم من الأيام أثناء قيامه بأحد “المشاوير” قريبا من بيتي، فاتصل بي ليطلب مني المساعدة في إيجاد ورشة ميكانيكي قريبة لإصلاح سيارته، فأسرعت إليه لأساعده وقمنا بالبحث هنا وهناك حتى وجدنا ورشة ميكانيكي بعدما دلنا عليها الطفل الذي سألناه، وشعرنا وقتها بالسعادة، وكأننا وجدنا الماء في وسط الصحراء الواسعة.
ثم تحدثنا مع الميكانيكي في العطل الذي أصاب السيارة وحاولنا تشخيص المشكلة معه، وبينما نحن نتحدث وقعت عيني على ذلك الطفل الصغير الذي يبلغ من العمر 9 سنوات تقريبا. كان مبتسما دائما ونشيطا بدرجة لا يتخيلها أحد. ذو شعر أسود داكن طويل، وعينان لامعتان كأنهما النجوم في السماء. كنت أرى في عينيه الفرح الشديد رغم ظلام البيئة من حوله وكأني أرى لوحة فنية أو نقطة بيضاء منيرة في ظلام قاتم.
وأفقت من هذه التخيلات الرائعة التي طرقت ذهني بسبب بعض الناس الذين يتناسون إنسانيتهم واحترامهم لذاتهم، وكان أحد هؤلاء هو ذلك الرجل صاحب الورشة الذي كان يطغى على الطفل البريء وكأنه امتلكه كما امتلك القطع الحديدية والأدوات المتناثرة في كل مكان، رأيت في تعامله مع الطفل قسوة قلب شديدة قد أشعلت بداخلي نار الغضب والذي بدأ يفرض نفسه ويحركني للوقوف إلى جاب هذا الطفل.
غضب من الميكانيكي
وبدأت أتحدث مع صاحب الورشة بغضب شديد وطرحت عليه سؤالًا: لماذا تعامل الطفل هكذا؟ فلم يرد علي! وقمت بإعادة السؤال مرة أخرى، فلم يرد علىَّ أيضا! وهذا جعلني أشعر بنوع من الإهانة. ثم طرحت عليه سؤالًا آخر: ألديك أطفال في عمر هذا الطفل؟ فأجاب بسرعة وقال: لا! بصورة فيها تعالي. فسكتُّ لفترة لكي أفكر وقمت بطرح سؤال آخر عليه: ما هي الأسباب التي تجعل هذا الطفل يستمر في هذا المكان؟ إذا كان المال، فهناك الكثير من المحلات التي يمكن أن يعمل بها والأرزاق بيد الله.
فسكت قليلا ثم قال: لا يعرف أحدًا غيري، فقلت له: أهذا مبرر كافي لكي تعامله بهذه القسوة؟ وماذا عن الشارع الذي سوف يلجأ إليه إذا لم يكن لديه أسرة تحتويه أو مكان عمل يوفر له ضروريات الحياة؟ وماذا إذا كنت أنت بقسوتك سببًا من أسباب تدمير هذا الطفل أو أن يصير بائع مخدرات مثلا في المستقبل. هل ستشعر حينها بالسعادة؟!
فسكت صاحب الورشة سكوتًا يشبه هدوء ما بعد العاصفة، الصمت المشابه للمقولة المشهورة “السكوت علامة الرضا” السكوت المخيف الذى لم يحل أى مشكلة من المشاكل التى تزداد باستمرار فى مجتمعتنا والتى تصنع الأزمات الهالكة دائما، وسألت نفسى لماذا لم تتحرك مشاعره من أجل الطفل أو الأطفال الذين يريدون اللعب بالكرة فى الحدائق والذهاب إلى شواطئ مثلما كنا نفعل فى ذاك العمر.
الطفل والمفاجأة
واتجهت إلى الطفل وسألته عن اسمه وعمره؟ فأجاب عمرو ولدى 10 سنوات وأتعلم الرسم من أستاذة أسماء جارتنا التي تدرس فى فنون جميلة والتى سوف التحق مثلها فى هذه الكلية وأكون من كبار المصممين فسألنى ماذا أعمل؟ فأجبته: محاسب، وأنا فى حالة من الذهول والإعجاب الشديد من لباقة هذا الطفل الذى مازلت أطلق عليه طفلًا، بل الحقيقة هو رجل وربما أفضل من الكثير من شباب العشرينيات الذين عندما تسألهم عن أهدافهم لا يعرفون عنها غير الوظيفة المرموقة والمال الوفير، أما عمرو فيعرف هدفه من صغره وربما إذا سألته عن خطته المستقبلية فسيشرحها أفضل من إداريين فى شركات مشهورة.
واستكملت حديثي معه وسألته لماذا تعمل فى هذه الورشة؟ فأجاب لمساعدة أمي بعد وفاة أبي وتوقعت هذه الإجابة لكثير من الحالات مثل حالة عمرو وقلت له إنه عمل عظيم فابتسم فى وجهي وقال لي شكرا؛ لوقوفي بجانبه ضد صاحب الورشة وأخبرني أن صاحب الورشة رجل كريم وطيب ولكنه اليوم ذو مزاج سيئ؛ بسبب مرض والدته ولذلك كان يعاملني اليوم بقسوة ولكنه له فضل عليَّ.
فيتركني أذاكر أيام الدراسة فى أوقات الفراغ فى الورشة ويسمح لي باللعب مع أصدقائى، ومن قبل أن ينهي عمرو حديثه بدأ شعوري يتغير تجاه صاحب الورشة بعد أن حكى لي عمرو عن تلك المواقف الجيدة.
لا تسيء الظن ولا تتسرع
ثم استأذن عمرو لاستكمال عمله، فنظرت إلى صاحب الورشة الذي كان يتابع حوارنا من بعيد، فتوجهت إليه وحاولت أن أفتح فمي للاعتذار فقال لي: لا تقلق على عمرو واعتذَر لي وقال: كان يوما عصيبا عليَّ ولهذا كنت غاضبا، فقمت بالاعتذار له بسبب طريقتي وأسلوبي وبالطبع ظني السيء وإصدار أحكام بدون دلائل! ثم قال لي صاحب الورشة: إن عمرو ولد مجتهد وأتنبأ له بمستقبل باهر، فتبسَّمت!
وأكمل حديثه قائلا “كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته” ثم تركته وذهبت إلى صديقي بعد أن تم إصلاح السيارة لبدء القيادة والتحرك فقلت لصديقى إنني تعلمت اليوم دروسا كثيرا تساوي ذهبا فتبسم وقال لي متشوقا احكِ لي القصة كاملة أثناء السير. اسمه عمرو وعنده 10 سنوات وبيتعلم ….
اقرأ أيضا:
هاري بوتر والجمل الطيب .. تأثير الإعلام والأضرار التي يقدمها لأطفالنا الصغار
العلاقة بين الترتيب والسعادة – رتب دماغك تنعم بحياتك
أخلاقيات العمل .. كيف ننمي الأخلاق داخل بيئة العمل!؟
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.