الشعب يريد اسقاط الميكروباص
لو حاول أي شخص مراقبة الميكروباص ( أو المشروع كما يطلق عليه أهل الإسكندرية) في أثناء سيرها في الشارع سيلاحظ الكثير ..
سيلاحظ مثلا السرعة الجنونية التي يمشي بها الميكروباص ، و المناورات بين السيارات الأخرى بطريقة خطرة، و سيرى كيف أن الميكروباص يحمل الركاب بداخله و يجلسهم فوق بعضهم البعض ويوقف الباقي على الباب.
أما إذا أراد أحد الركاب النزول أو الصعود .. يقف في وسط الشارع فجأة من دون سابق إنذار، غير عابيء بما وراءه من سيارات تريد المرور معطلًا الشارع بأكمله، ولو أن أحدهم وقف أمامه و عطله مثلما يفعل تمامًا لأمطره بوابل من الألفاظ الـ( تيييييييت )! إلا إذا كان من يقف أمامه زميل مهنة، أي سائق ميكروباص آخر، هنا يختلف رد الفعل .. فهو يسامح و لا يغضب و يصبر كثيرا لأنه يتفهم جيدا كل العوامل المحيطة بعمل سائق الميكروباص .
بالطبع سيلاحظ المراقب أيضا أصوات آلات التنبيه المتنوعة العالية والمزعجة جدًا، بل أن البعض يضيف صوتا يصدر عندما يستخدم الفرامل، وهو دائم الفرملة .. كأنه يتفنن في الإزعاج!!
و في أوقات الذروة والزحام يزيد من أجرة الركوب مستغلًا احتياج الناس له لمعرفته أنهم لن يجدوا مواصلات أخرى سريعة غيره و مازال سعرها في متناول اليد.
في المقابل، لو اطلع أحدهم على الظروف التي يعايشها السائق في حياته اليومية لتعاطف معه .. فمثلا لكي يحصل على بنزين 80 أو سولار من أجل سيارته لن تتخيل المعاناة التي يمر بها و الوقت الضائع للوقوف في طابور محطات البنزين و الزحام الذي لا يطاق، و طبعا لا ننسى (الإتاوات) التي يأخذها منهم من يدعون تنظيم المواقف و توفير الحماية، و أهم معاناة هي تلك التي يلقونها من تعامل ضباط المرور معهم سواء في اللجان المرورية و الكمائن .. (كل شوية يوقفوهم و يفتشوهم همه و الركاب اللي معاهم)، أو في تجديد رخص سياراتهم أو رخص القيادة .. فعلًا بيشوفوا قرف جامد، أضف لذلك من أراد منهم تملك سيارته التي يعمل عليها ستزيد معاناته السابقة للضعف لتسديد الأقساط، هذا غير غلاء أسعار قطع الغيار المستوردة!
هكذا هناك وجهين للقصة .. وجه أخلاقيات سائق الميكروباص و تعامله مع الآخرين، ووجه ما يتعرض له في حياته من مضايقات ..
ما يقوم به السائق من تصرفات سيئة يمكن وصفها في أدنى مراتبها بأنها ظلم .. نعم ظلم!
لأن الظلم في أبسط معانيه هو أن يأخذ الإنسان أكثر من حقه أو يمنع الآخرين من الحصول على حقوقهم، فالوقوف في نصف الشارع من أجل تحميل و إنزال الركاب و تعطيل المرور، هذا منع للآخرين من الحصول على حقهم في المرور .. يعني ظلم
والقيادة بشكل أرعن يربك من حوله من السيارات ويعرض حياة الركاب معه و الناس حوله في الشارع للخطر و حياته هو أيضًا، ليس من حقه .. يعني ظلم
استخدام آلة التنبيه (الكلاكس) بشكل مزعج و بأصوات غريبة و عالية تؤذي الناس من حوله، ليس من حقه .. يعني ظلم
كل هذا ظلم ، لكن يراه سائق الميكروباص حقا له و أن هذا التصرف يتيح له تعويض ما يتعرض له في حياته من معاناة و ظلم، أي لأنه مظلوم فهو من حقه أن يظلم، فهو يعتقد أنه يأخذ حقه بيده عن طريق التصرف بهذا الشكل الظالم، لذلك هو لا يحاول تغيير الظلم الواقع عليه ولا يغير من نفسه، هو يرى أن هكذا هي الحياة لا يمكن تبديلها و لا يمكن تغييرها للأفضل ولا حتى يفهم أن هناك سبل لأخذ حقه من دون أن يضطر لظلم الآخرين، شايف إن الدنيا كده ما تتغيرش و إنه ممشي حاله تمام.
المشكلة فعلًا هي عدم محاولة رفع الظلم و رفضه، ولكن ما المشكلة في الظلم ؟! لماذا يجب أن نرفضه و نحاربه؟
فلنحاول معًا تحليل النتائج المترتبة على الظلم، فعندما يتعرض أي شخص لظلم فبدلًا من أن يحاول رفع ذلك الظلم و أن يأخذ ما يستحقه فقط نجده يتجه لأخذ ما يزيد عن حقه بل قد يتمادى لظلم غيره، و هذا الغير لو فكر بنفس الطريقة، أي يقوم بظلم شخص آخر أيضا بدعوى التعويض عما تعرض له سنظل هكذا كل يظلم الآخر و لن يبحث أحد عن الحق و لن يحاول تطبيق العدل، و سندخل في حلقة مفرغة من الظلم المتكرر و الفوضى العارمة، فلا يأمن أي أحد على نفسه أو أهله أو ماله في دنيا لا يصمد بها إلا القوي الذي يستطيع أن يظلم أكثر ولا مكان فيها للضعيف!
فهل تستقيم الحياة بهذا الشكل؟ هل تستطيع أن تبني مجتمع من دون قوانين لا تكسر؟ هل يمكن تقديم حضارة و نهضة من قلب الهمجية و العربدة؟ بل تخيل كيف تكون نفسية رجل يعيش في خوف دائم من أن يتعرض للظلم و أنه مضطر للحرب في كل يوم في حياته لمجرد الحصول على أبسط حقوقه في العيش الكريم؟
إن هكذا مجتمع قطعا سيكون مجتمعًا مفككًا وثقافته مهلهلة، يسهل السيطرة عليه من أي قوي و يكون لقمة سائغة لكل محتل، أما لو تحدثنا عن العقاب الإلهي في الدنيا لكل ظالم غاصب لحقوق غيره وما ادخره له الله في يوم القيامة فالسنة النبوية تزخر بكثير من الأحاديث التي تحذر من ظلم الناس وتنبه لعواقبه في الدنيا وما له في الآخرة من عذاب شديد.
والحل؟ أن نكسر حلقة الظلم .. أن يقوم كل إنسان بالمطالبة بحقه و ألا يتعدى حدود ذلك الحق، و في سبيل تحقيق هذا العدل لا يقوم بظلم آخر
إن شعار ” الشعب يريد اسقاط الميكروباص ” لا يقصد به الميكروباص لذاته بل هو رمز للظلم المنتشر بين أفراد المجتمع، فليس كل من قاد الميكروباص أضحى ظالما و ليس بقية الشعب كلهم مظلومين
فليبدأ كل منا بنفسه .. يغير ما يفعله من ظلم للآخرين، و يدفع ما يقع عليه من ظلم، و نهتف معا ..
الشعب يريد اسقاط الميكروباص
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.