علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

الركود أو الذبول .. الجزء الأول

ماذا يقصد بحالة الركود أو الذبول؟ هل أنا مكتئب؟ هل أعاني من الاحتراق النفسي؟ أم الأمر متعلق بالتماوج في وضعية السكونية والركود النفسي أو الذبول النفسي؟

يقصد بكلمة “الركود أو الذبول” (languishing) من المنظور اللغوي: “صفة تعبير عن إخفاق الشخص في تحقيق تقدم أو نجاح في الحياة”، كأن نقول “لقد ظل قابعًا في نفس الوظيفة لأكثر من 15 عامًا”. وتتضمن كلمة الركود أيضًا دلالات لغوية تعني “الذبول” الذي يعرف بأنه: “أن يصبح الشخص ضعيفًا متعبًا أو منهكًا باستمرار”، كأن نقول: “لقد أنهك الوباء العالم، لقد أدت المجاعة إلى ذبول الناس وانهيار قوتهم”.

ومن دون شك أضحى مفهوم “الركود” مفهومًا مركبًا وغامضًا منذ أن صاغه كوري كيز (Corey Keys 2002)، إلى أن تناوله اختصاصي علم النفس التنظيمي آدام جرانت (Adam Grant 2021) في مقال نشر في مجلة نيويورك تايمز واصفًا إياه بأنه: “الحالة الانفعالية المهيمنة على الناس في الوقت الحالي”.

والسؤال المثار: ما الذي نعنيه بالضبط بشعور الشخص بالركود والذبول أو السكونية؟ وكيف يعرف أنه يتماوج في هذه الحالة؟ ببساطة شديدة جدًا قد تتمظهر أعراض حالة الركود والذبول في الملامح التالية:

  1. التدهور التدريجي للقدرات النفسية.
  2. التضاؤل والانكماش والانغلاق على الذات وعدم الاندماج في الحياة إلا بالحد الأدنى، بما يعني أن الشخص فقط ما زال على قيد الحياة.
  3. الذبول والانطفاء وتواري بريق الحياة والبهجة أو الأمل.
  4. الفتور واللا مبالاة.

وإذا جاز لنا استخدام تعبير قريب الدلالة لتعبير “الذبول والانكماش والركود” لكان تعبير “الاستسلام” (Blah) لمجريات الحياة والانقياد للظروف والتبعية للسياق، والرضا بوضعية الانكفاء على الذات دون أي رغبة في الارتقاء أو التطور وإدارة الظهر لأي شيء إيجابي في الحياة.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

يجدر التنبيه إلى حتمية طرح سؤال مركزي في هذا الصدد مفاده: كيف يبدو الشعور بالذبول والركود؟ توصف حالة الذبول والركود أو السكونية بامتلاء التكوين النفسي للشخص بالافتقاد إلى بوصلة الوجهة في الحياة وغرقه في دوامات الإحساس بالفتور والملل والبلادة والجمود وبالكف والتعطل النفسي عمومًا.

عندما يلج الشخص في حالة الذبول والركونية والسكون يصبح كل شيء أمامه محايدًا، كأنه في حالة من الخدر النفسي التام والإدبار عن أي شيء إيجابي، مع رفض الانسياب في أي مسار يمكن أن يفضي به إلى الازدهار.

والذبول والركود أو السكونية ليست فئة مرضية إكلينيكية مشخصة قدر ما هي متلازمة من أنماط التفكير والحالات الانفعالية السلبية المستمرة، ربما تعبر عن توجه الشخص نحو الإدبار عن الحياة والاستقالة النفسية من أي فعل يمكن أن يحقق تطوره وارتقاؤه.

تنتظم ردود أفعال من يعاني متلازمة الذبول والركود في الحياة حول كلمة “لا بأس” و”لا جديد” و”لا شيء يستحق”، رغم اعتقاد الشخص بأنه بإمكانه الفعل لكنه يفتقر إلى الدافع والرغبة في فعل أي شيء، بما يدفعه باتجاه الفتور والملل واللا مبالاة وعدم الاكتراث والانعزال وفقًا لمقولة “بلاها حياة”.

وأفاد اختصاصي علم النفس التنظيمي آدم جرانت بأنه حالة الذبول والركود مختلفة عن وضعية “الاحتراق النفسي”، ولا تعني الانهيار التام للطاقة والفاعلية ولا تعني الاكتئاب ولا الشعور بالعجز واليأس، إنها تمثيل للشعور بالضياع والتوهان والخواء كأننا نمر بحياة بلا ضرورة ونطلع عليها بالاكتفاء بالفرجة النفسية من نافذة ضبابية غائمة لا تبدي إلا كل ما هو سلبي سيئ.

مقالات ذات صلة: 

فقد الشغف

السباحة في أعماق الذات

الانفعال والعاطفة

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د . محمد السعيد أبو حلاوة

اختصاصي الصحة النفسية والإرشاد النفسي، كلية التربية جامعة دمنهور