بنظرة سريعة على عالم الحيوان ترى كثير من الفصائل تعيش في تجمعات أشبه بالعائلة الكبيرة، ويخضع أفرادها لما يبدو أنه قوانين وقواعد، ولهم قائد ينقادون له. قد تدور معارك بسيطة بين بعض حيوانات القبيلة الواحدة، لكن الثابت أنه مهما حدث بينها من صراعات تنتهي وتختفي سريعا إذا ما جاء حيوان مفترس يحاول إلتهام أحدها، وتراها تركض في إتجاه واحد تقريبا، فهذا الخطر نبه غريزة البقاء لدى تلك الحيوانات، فاستطاعت تمييز الخطر الأكبر (وهو الحيوان المفترس) وترك الخطر الأصغر (وهو العراك مع شبيهه). لم يحدث أن رأينا مثلا ثورين يتناطحان ولا يعبآن بأسد قادم نحوهما!
قد يعتقد البعض أنه في عالم الإنسان يكون الحال أفضل وأرقى بحكم أنه إنسان وعملا بالمثل القائل ” أنا وأخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب”، قد كان كذلك في زمن قديم قدم المثل نفسه، لكن في وقتنا الحالي وفي هذا الزمن الغريب، نجد أن المثل انحرف وأصبح: “أنا مع اللي يجيبلي مصلحة، حتى لو كان غريب وعمل في أهلي مدبحة”!
فنجد أبناء الوطن الواحد واللغة الواحدة، والديانة الواحدة، بل والطائفة الواحدة في صراع وقتال والعدو يراقب من بعيد وهو في قمة سعادته لأنهم لا يدركون وجوده والخطر الحقيقي المحدق بهم.
والمقصود بالصراع والقتال ليس فقط الحروب العسكرية، بل مجرد الخلافات والكراهية بين الأطراف المختلفة، فقد يكون صراع الأب ضد ابنه، والبنت ضد أمها، والشاب ضد الفتاة، والحديث ضد القديم، والمتجدد ضد المتأخر.. كلها خلافات وهمية لا تفضي لأي نتيجة، فهي حرب باطلة يخرج منها الطرفان بالخسارة، ويتضح عبثها بعد انتصار أحد طرفي النزاع.
إن هكذا نزاعات تكون مصطنعة، فجميعنا نشترك في الإنسانية، ونشترك في نفس الوطن، بل نفس البيت، لا بد أن نبحث عن المستفيد الحقيقي من هذه الخلافات، وما السبب وراء كل هذا الخصام؟
إن الوقوف على طبيعة الإنسان قد يوضح السبب الأساسي لوجود الصراعات في هذا العالم.
فالإنسان عبارة عن جسد مادي، ونفس غير مادية. هذه النفس لها ثلاث قوى، قوة شهوية وقوة غضبية وقوة عقلية. تعمل القوة الشهوية على جلب النفع للجسد المادي، والقوى الغضبية تدفع الشرور عنه. أما القوة العقلية فهي من يسيطر (أو هكذا يجب) على القوتين السابقتين لتحقيق التوازن.
عند ضعف القوة العقلية تتغلب إحدى القوتين الأخريين، فيبدأ الاختلال في الأفعال. هنا يظهر الطمع لجلب الكثير من النفع (الزائد عن الحاجة) واستخدام القوة المفرطة للدفاع عن هذا الخير والحفاظ عليه. وبغياب سيطرة القوة العقلية تبدأ الصراعات بين الأنفس المريضة.
ففي أي صراع يطمع أحد الأطراف (أو كلاهما) فيما يمتلك الطرف الآخر، سواء من مال أو أملاك أو سلطة أو غيرها. هذا الطمع منشؤه القوة الشهوية، والصراع الذي يحدث منشؤه القوة الغضبية. ومن هذا المدخل يستطيع أي عدو أن يستغل الإنسان ليحركه في اتّجاه مطامعه الشخصية، فيزرع كُرهًا وعداوة بين أبناء الوطن الواحد ليضعفهم ويكون هو الفائز الأوحد، يصنع عفريتًا في عقل كل فرد، فشعاره عفريت في العقل خير من عشرة في الشارع، أي من يقتنع بوجود العدو دون أن يراه يخافه أكثر مما لو رأى عدوًا بعينيه وهو لا يقتنع بأنه عدو، لذلك يكون هدف الأعداء بالأساس هو عقل الإنسان لأنه يستطيع تمييز الحق من الباطل، فإن ضل العقل غرق الإنسان في بحر الشهوات، أو احترق في أتون الغضب، ويكون تضليل الإنسان بخلق عدو وهمي من أبناء نفس الوطن فينشعل به عن العدو الحقيقي الذي يراه بعينيه كصديق.
إن الأعداء في الزمن الماضي لم يستطيعوا الغزو العسكري والاستمرار فيه لأن العقول كانت محررة، ومهما كان هناك من قيد على الجسد لم يستطيع كبح جماح الثورات بسبب الأفكار الحرة. لذلك جاء الإحتلال والغزو في صورة جديدة… صورة لامعة تبهر العيون وتعمي القلوب، وضعوا قيودًا على العقل ليتم تشويه الأفكار فيتحول الكره والبغضاء من العدوّ المحتلّ إلى الأخ والصديق،وتسود الفرقة فيسهل قيادتهم وامتصاص حياتهم.
إنّ تشويه التعليم وانحراف الأفكار في هذا العصر ليس وليد الصدفة، بل هو أسلوب متعمد وممنهج لطمس الهوية وخلخلة الانتماء، أصبح البشر أسوأ من الحيوان في غريزة البقاء… لا يرون الأسد القادم ليأكلهم جميعهم وينشغلون بالتناطح والتصارع على قضايا وهمية.
إنّ إحياء العقل يبدأ بالعودة إلى تصحيح المسار المعرفي والعودة لتعلم البديهيات بعد أن تشوهت الفطرة ولم تعد تراها بديهيات.
إن إحياء العقل وإعلاء القوة العقلية يبدأ بالأساس بالرغبة الحقيقية في التغيير للأفضل، ويكون أيضًا بتعلم العلوم العقلية التي تنمي العقل فيستطيع أن يميز ما بين الحق والباطل،ثم البحث المعرفي للوصول للمعاني الحقيقية للعدل والحق، عندها يستطيع العقل تشخيص الصحيح من الأفعال وباطلها، يستطيع أن يرى ما يعتبر غزوًا ثقافيًا هدفه طمس الهوية وتشويه الفكر ويستطيع أن يقاومها، عندها يستطيع أن يرى العدوّ الحقيقي ويرى مكائده وحبائله فيفضحها ويكشفها، بذلك يكون الرابح الحقيقي هو الوطن.
لذلك مشروعنا بالعقل نبدأ.