إصداراتمقالات

الداروينية والسياسة العالمية

تعتبر نظرية داروين من أهم النظريات العلمية التي لم تؤثر في جميع العلوم الطبيعية فحسب، بل امتد نفوذها لكي تؤثر في العلوم الإنسانية ، فنرى العديد من الفلسفات والنظريات الاجتماعية بني أساسها على  بعض المفاهيم البيولوجية مثل “البقاء للأصلح” و “الصراع من أجل البقاء”، بل دعا بعض العلماء والفلاسفة إلى استلهام الروح الحيوانية في الصراع من أجل البقاء على أنها الفلسفة المطلوبة حتى يتطور مجتمعنا الاكتسابي القائم على التنافس.

وكان من ضمن النظريات التي تأثرت بالنظرية الداروينية هي النظريات السياسية، حيث برر كل من الجناحين (الرأسمالي والاشتراكي) صحة رؤيتهما عن طريق نظرية داروين، ففي الوقت الذي يرى فيه الجناح الدارويني اليساري أن ثورة البروليتاريا هي النتيجة الطبيعية لصراع الطبقات في النظم الرأسمالية، كان الجناج اليميني يرى الإمبريالية والاستعمار وتفاوت الثورة واللامساواة الاجتماعية ليست إلا مظاهر للصراع الاجتماعي الحتمي، الذي يقتضي ببقاء القوي المنتصر وخروج أو فناء الضعيف الخاسر.

ويعتبر الجناح اليميني الدارويني, والمتمثل في الرأسمالية، هو الذي انتصر في النهاية، ويفترض هذا الجناح بناءً على نظرية داروين أن المجتمع الانساني هو جزء من الطبيعة الحية، ويخضع إذًا لقانونها الأزلي القاضي بهيمنة الأقوى وفناء الضعيف، وأن التغيرات الحاصلة بالتربية، هي تغيرات غير مؤثرة بالمرة إذا ما قورنت بالصفات الداخلية الموروثة، وهكذا تقدم الرأس مالية القوانين الداروينية مقدمة لدعم المذهب الفردي التنافسي والاقتصاد السوق الحر وهيمنة رجال الأعمال والصناعة باعتبارهم الأقوى ضمن الصراع الاجتماعي.

يقول “هربرت سبنسر”، وهو من كبار منظري الداروينية الاجتماعية: إن الإحسان المنظم من الدولة، هو فعل معارض للقانون الطبيعي الذي يقضي ببقاء الأصلح، بل مؤد إلى انحطاط النوع الانساني بالتدريج لكونه يعمل على تكاثر أقل الأفراد مواهب على حساب أكثرهم مواهب، إن تقدم الأقوياء وسقوط الضعفاء من الشيوخ والمرضى والمجانين والعاطلين عن العمل لهو نتيجة ضرورية لقانون مستنير نافع، ويقول “وليام سمنر” (1840-1910)، أحد كبار الداروينيين الاجتماعيين، أولئك الذين لا يرحمون، الطموحون، يقفزون إلى القمة، ومن المفترض أنهم يجب أن يفعلوا ذلك، أما المرضى والعاجزون والمبذرون فأولئك هم الخاسرون، الذين لا يتكيفون مع واقع عالمهم، وهم لذلك عرضة للاسبتعاد “الشرعي”، بالانتخاب الاجتماعي.

وتأتي هذه الفلسفات المنافية لأبسط قواعد الأخلاق والمبادئ الإنسانية، لتصب في صالح الجناح اليميني الدارويني، فنجد كبرى الحكومات الرأسمالية العالمية تلقفت هذه الفلسفات والنظريات بترحاب كبير، وكان التجسيد الأعظم لهذه النظريات هو في العولمة أو بمعنى أصح الهيمنة الأمريكية، أو تحويل العالم نحو هيمنة المركز الواحد والنظام الواحد، والذي لا يمكن تحقيقه إلا بقهر الأمم الأخرى، لذلك دعا الكاتب السياسي الأمريكي “نيكولاس سبيكملان” في كتابه “الاستراتيجية الأمريكية في السياسة الدولية”، إلى سيادة شريعة الغاب في السياسة الدولية، وقال بالنص “إن المجتمع الدولي يسمح باستخدام كافة وسائل القهر والإكراه، بما فيها الحرب والتدمير, ومعنى ذلك أن الصراع من أجل القوة لا يختلف شئ عن الصراع من أجل البقاء، فالقوة تعني البقاء، وتعني القدرة على فرض إرادة دولة على الدول الأخرى، وقدرتها على إملاء شروطها على من يفتقرون إلى القوة، وعلى فرض تنازلات على من يملكون قوة أقل منها، وإذا كانت الحرب هي الصورة النهائية للصراع، فإن الكفاح من أجل القوة، يصبح كفاحًا من أجل القوة الحربية من أجل الإعداد للحرب.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ويؤيد قول سبيكملان، “جيمس برنهام” في كتابه ” الكفاح للسيطرة على العالم”، حيث يقدم نظريته التي مفادها أن السلام ليس هو هدف السياسة الخارجية، ولا يمكن أن يكون هدفها، بل يدعو برنهام، إلى رفض مبدأ المساواة بين الأمم وعدم التدخل في شئونها الداخلية، وينادي بأن تعلن الولايات المتحدة صراحة سعيها إلى السيطرة على العالم.

ولا عجب من أن نرى الداروينية تدعو إلى حرب مستعرة بين بني البشر، فبعد أن فُرغ الإنسان من النزعة الأخلاقية بسبب الداروينية الاجتماعية، نرى الإنسان لم يكتفِ بذلك، بل نراه يعود إلى مرحلة الصراع الوجودي، بل الأسوء إنه يعود إلى مرحلة الصراع الوجودي بين بني جنسه من أجل البقاء، والذي قد لا نراه عند الحيوانات إلا في بعض الاستثناءات القليلة.

 

لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.

ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.

كريم مجدي

خريج كلية دار العلوم
صحفى
عضو بفريق مشروعنا بالعقل نبدأ بالقاهرة