
كانت تجلس في سيارتها في قيظ الظهيرة .. ترشف ببطء من كوب الكابوتشينو ذو العشرين جنيها، تنظر من خلف نظارتها الشمسية لما حولها من زحام سيارات وتتمنى أن ينتهى الزحام في لحظات حتى تنطلق بسرعة إلى بيتها الهادئ في الحي الراقي ..
حينها لمحته .. كان يمشي وحيدا بخطوات متثاقلة على قضبان (التروماي) مطأطئ الرأس لا ينظر لما حوله كأن لا يعنيه العالم، بل حتى لا يشعر به ولا يريد أن يرتبط به، يمشي كمن يتمنى أن يأتي القطار فينهي تلك الحياة البائسة .. كان طفلًا لم يتعدى الثانية عشر من عمره، ملابسه رثه و تعلو شعره الأتربة، و يمسك بسيجارة في يده الوحيدة !!
لفت ذلك الفتى انتباهها .. اعتدلت في كرسيها و دققت النظر .. يا إلهي إنه فعلًا طفل و له ذراع واحد!
شعرت بغصة في حلقها وعصرة قوية في قلبها .. لم تستطع تقبل فكرة أن تكون في كل تلك الرفاهية بينما هناك طفل يعاني هكذا، قد تكون سمعت عن أطفال الشوارع و رأت بعضهم لكنها لم تر بؤسا كما رأته جليًا على وجه ذلك الطفل.
دارت في رأسها ملايين الأسئلة .. أين أبواه؟ أين يعيش؟ كيف يعيش؟ ماذا حدث لذراعه؟ كيف بدأ؟ و كيف وصل به الحال إلى هذا الوضع؟ ما هي قصة حياته؟ هل له حياة أصلا؟ بل ماذا يفكر و ماذا يدور في رأسه الصغير؟ كيف ينظر للعالم حوله؟ هل يرانا بشر؟ أم تراه يرانا وحوشا؟
بالتأكيد هو ليس حالة وحيدة فريدة .. بل يوجد مثله الآلاف، تختلف ظروفهم لكن النتيجة واحدة .. أطفال يجوبون الشوارع على غير هدى يقتاتون بما يجود به عليهم بعض أصحاب القلوب أو مما يجدونه بين أكوام القمامة.
أي جريمة تلك التي ترتكب في حق هؤلاء الأطفال؟ بأي ذنب قتلت براءتهم؟ كيف سيكون مستقبلهم؟ كيف يكون رؤية أطفال يقتاتون من القمامة و يشربون السجائر مشهدًا معتادًا و لا غرابة فيه؟ ما أشد ذلك الظلم الواقع عليهم ..
أحست بعجزها أمام عظم الظلم، و لم تعلم كيف العلاج و ما هو الحل.
هل علاج تلك المشكلة يكون في توفير المأوى الملائم و تقديم الرعاية المناسبة لهم دون الرجوع إلى السبب الذي أوجدهم في الشارع في الأصل؟
ألا يكون أفضل علاج هو الذي يمنع حدوث المشكلة على التوازي مع محاولة إصلاح ما فسد منهم؟
كيف نمنع المشكلة قبل حدوثها؟ هل يجب أن ننتظر أن تحدث الكارثة حتى نبحث عن حل لها؟ هل يجب أن نراها رأي العين؟ ألا يوجد دلالات و مؤشرات تنبئ بحدوثها قبل وقوعها؟ ألا يمكن توقعها؟
وكيف نجد حلًا يلائم كافة الحالات المتواجدة؟ كيف نضمن أن هذا الحل متوافق أيضًا مع الحالات التي ممكن أن تتواجد في أي زمان و مكان؟ فهل يوجد هكذا حل؟
نعم هناك! إنه بكل بساطة العدل ..
العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه، و ما حدث مع هؤلاء الأطفال أنهم حرموا من أبسط حقوقهم في العيش كإنسان، لم ينالوا الرعاية الجسدية و لا الرعاية الفكرية التي يستحقونها كبناة للمستقبل.
أين هذا العدل؟ لماذا لا نراه في مجتمعنا؟ كيف حدث أن مجتمعنا لا يحارب هذا الفساد و لا يبحث عن العدل؟
لأنك إما أن تشعر بألم الظلم أو لا تشعر به، ومن لا يشعر بالظلم لن يبحث عن العدل ..
من لا يشعرون بالظلم هم على عدة مستويات ..
فهناك من يتعرض للظلم المباشر لكن لا يعلم أنه ظلم، فماذا يحارب؟ ذلك هو الجاهل.
و هناك من يرى الظلم يقع على غيره فلا يعبأ لأنه لم يتضرر ضررًا مباشرًا، فهو لم يشعر بغيره، ذلك الأناني.
و هناك من لا يتصور أو يتخيل وقوع الظلم فلا يحترس منه، و هذا مرفه يعيش في برج عاجي بعيدًا عن معاناة الناس أي لا يوجد تصور عنده بإمكانية الظلم، عن ماذا يبحث إذن؟
أما من يشعرون بالظلم فهم أيضًا على مستويات ..
فهناك من يتعرض للظلم المباشر و يعلم أن هذا ظلم فيبذل جهده لدفع الظلم، و هناك من يرى الظلم يقع على غيره فيتألم له و يسعى لمساعدته لرفع الظلم، أما أرقى مستوى فهو من يعلم بإمكانية وقوع الظلم فيكون مسعاه في حياته أن يمنع الظلم قبل وقوعه ابتداءًا، و هذا هو الحكيم.
هؤلاء هم من يبحثون عن العدل لأنهم أحسوا بالظلم.
فيبدو أن من بيده السلطة لا يشعر بالظلم الواقع على هؤلاء الأطفال، و ربما ساهم دون أن يدري في زيادة أعدادهم بسبب رعايته أصحاب المصالح الفاسدين أكثر من رعايته لأبناء بلده المستضعفين.
إذن فالسبب في منع العدل هو صناعة الفساد المتعمد، إن قصة ذلك الطفل ليست قصة فردية مأساوية بل هي نتاج منظومة متكاملة من الفساد المستمر و المتعمد لإغراق البلاد في عصور الظلام، لأن مالك القرار في هذا البلد ليس من أهل البلد بل من أعدائها، فهدفه هو تدميرها و يكاد ينجح فيه.
إن ما نحتاجه حقًا هو حاكم عادل .. حاكم يمتلك أمهات الفضائل من عفة و شجاعة و حكمة حقيقية، حاكم حصلت له الهيئة الإستعلائية للنفس الناطقة الإنسانية على بدنه، أي يكون قاهرًا لقواه الشهوية و الغضبية و الوهمية بقواه العقلية، يعرف الحق ليعتقده أي يعرف الأشياء على ما هي عليه في الواقع، و يعرف الخير ليعمل به أي يعرف ما ينبغي أن يكون.
يكون لديه من الشجاعة ما يمكنه من الوقوف في وجه الظلم أيا كان الظالم، الشجاعة التي تمكنه من إتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب مهما كانت العواقب، لا يتزحزح عن مبدئه قيد أنملة ولو ضحى بنفسه في سبيل ذلك.
بحكمته يستطيع تشخيص احتياجات كل فرد في المجتمع ومعرفة ما ينقصه، و له القدرة على تلبية تلك الإحتياجات في أفضل صورها دون طغيان فرد على آخر، عن طريق فرض القوانين المنظمة لحياة المجتمع بما يضمن العدل لكل أفراده، ويرتقي بهم إلى الهدف الحقيقي لوجودهم وهو السعادة الحقيقية.
قد يأتي مثل هذا الحاكم لأي مجتمع لكن حينها .. هل سيرضى المجتمع به؟!
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.