أحد أدوات المعرفة الأساسية التي يعتمد عليها العقل الإنساني في اكتشاف عالم المادة ومعرفة موجودات ذلك العالم ..وبدون الحسّ سيكون العقل المجرد عاجزاً عن اكتشاف ذلك العالم المادي بموجوداته المجسمة المتحركة المتأثرة بالزمان والمكان ..
فالحس يشمل كل الحواس (سمع وبصر وشم ولمس وتذوق) وكل ما اخترعه الإنسان من ادوات معاونة لاكتشاف ظواهر وقوانين ذلك العالم..
والمدركات الحسية التي تنقلها تلك الحواس والأدوات تذهب صورها للعقل لكي يجردها من المادة ويُعرفها ويضع لها تصوراً مناسباً..
وبفقدان أحد الحواس تفقد بالتبعية تلك القناة الناقلة لهذا النوع من الحس للعقل ..لذا قال الحكماء قديماً من فقد حساً فقد علماً !!
ولتبسيط العلاقة بين الحواس والعقل يمكن تشبيه الحواس بكاميرا تنقل صور مجسمة للعقل الذي يقوم بدوره بفرزها وتنقيحها وتصنيفها وتبويبها ووضع تعريف وتصور ومسمى مجرد لها..
لذلك فعند الحديث عن العلاقة بين الحسّ والعقل يمكن تشبيهها بالعلاقة بين المخ وبقية أنحاء الجسد فكل أجزاء الجسد ترسل الإشارات الكهربية للمخ الذي يقوم بإدارة الجسد وترتيب أموره وتنظيم عمل كل جهاز بما يناسب طبيعته، فكذلك الحواس بالنسبة للعقل فهي بمثابة الناقل الأمين الذي ينقل المشاهدات الحسية المختلفة للعقل وهو – أي العقل- المختص بإدراك الصور والمحسوسات وفهم طبيعتها ..
لذلك فتصور وجود عقل مجرد بدون حس في عالمنا المادي يعني امتناع العقل عن ادراك ذلك العالم المادي ، وتصور وجود حواس بدون عقل يعني تحول الإنسان لحيوان يسير بالغريزة ويعيش حياة مادية بهيمية لا هدف من ورائها سوى اشباع الرغبات المادية..
ومما سبق ندرك حقيقة أن العقل الذي يقوم بتجريد المعنى وانتزاعه من الصور المادية إنما يمارس عملاً يناسب طبيعته المجردة عن المادة ، فعملية الإدراك ذاتها عملية معنوية مجردة ،،
وهو ما يعني بطبيعة الحال أن العقل يمكنه العمل بمفرده والتفكير في نوعية القضايا المعنوية الكلية دون احتياج الى الحسّ والمحسوسات ، لكنه عند الدخول في قضية ذات طبيعة وخاصية مادية فلابد أن يستعين بأدواتها لتنقل له تلك الصور والمشاهدات الحسية المختلفة التي لم يكن ليدركها إلا بالاستعانة بتلك الأدوات التي لا تفكر وإنما تنقل فقط ..
لذلك فعندما قصد الماديون والحسيون أنه ليس ثمة ما وراء المادة أو الحسّ وأن كل ما في الوجود هو مادي ، إنما قصدوا أن الحسّ فقط وأدواته هم أدوات المعرفة الحقيقة وأن العقل عليه أن ينصاع لحكمها ولا يعترف بما وراءها !!
ولم يعوا أو لم ينتبهوا أو تغافلوا عن أن العقل المدرك المفكر المنتزع للمعنى هو موجود ذو طبيعة مجردة غير محسوسة وأن عملية التفكير ذاتها هي تجريد للمعنى وتوصيف يستعين بآليات لا تقاس بأدوات عالم الحسّ ، بل إن العالم الذي يدخل المختبر المادي يذهب إليه وهو يمتلك عدداً من المفاهيم المجردة غير المحسوسة ( مثل مفهوم استحالة اجتماع المتناقضين أو أن النتيجة لابد لها من سبب) وهي بالضرورة مفاهيم من تلك النوعية المجردة غير القابلة للقياس بأدوات عالم المادة..
فإذا سلم الماديون بهذه النوعية من القضايا التي لا تلتقطها أدوات استشعار المادة فهو عين التسليم بالوجود المجرد ولنبدأ عندها خوض غمار عالم ما وراء المادة الذي تكون عندها أدوات التعرف على موجوداته من نفس طبيعته كالعقل أو صادرة من موجوداته بالوسائط والمنقول إلينا بصورة بطرق يقينية كصحيح النقل ..وعندئذ لكل مقام مقال !!!
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.