مقالات

الحُزن المخزون

قتل “العبد الصالح” رفيق سيدنا موسى في رحلة العلم المجهول طفلًا صغيرًا، ليحمل أبواه في أعماق نفوسهما حزنًا لا يُنسى، حزنًا طويلًا سيختزناه العمر كله، فيُحدث فيهما من الأثر العميق ما يحدث، ليغتنيا بما فقداه، نعم! سيغتنيان وسيكملان حياتهما معًا، يجمعهما هذا الحزن المخزون، في اتجاه مستقبل ينتظرهما فيه ولد صالح رحيم، لكنهما لن يعرفا شيئًا عن الطفل المقتول، إلا أنه قُتل ومات! وما ذاق طعم الحزن من لم يمت له ولد، والأصعب أنه مات مقتولًا.

لكننا علِمنا من النص القرآني أن هذا كله حدث في إطار مفهومين من المفاهيم الكبرى التي ستتلامس مع “القدر” وهما “الرحمة والعلم”، وعلِمنا أيضًا أن قدرة العقل الإنساني في فهم أقدار الحياة محدودة للغاية.

علمنا أن صبره سيكون محل اختبار، لأن المعلومات المتوفرة لديه لا تكفي للإحاطة والفهم. هكذا قال العبد الصالح لنبي القوة والعزم “موسى عليه السلام”، الذي سيتفاجأ بما سيراه.

فإذا كان الموضوع يتعلق بابن عاق سيرهق أبواه، كان من الممكن أن يموت مريضًا، وبما يجعل حزنهما يتدرج من المرض إلى الموت، عبر المحطات كلها التي تجعل النفس تتقبل “الفقد والغياب”، بل كان من الممكن ألا يُولد أصلًا! وهكذا ستنتهي الرحلة، بقليل من العلم وكثير من التسليم.

سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه، علّمنا كيف نتعامل مع ما لا نفهمه، بكل الوعي وكل التسليم.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

كان ذلك في حادثة الإفك الشهيرة، لم يكثر من الكلام بخصوص أي مقدمات من هنا وهناك، فقط سأل الرسول صلى الله عليه وسلم سؤالًا واحدًا يحسم الأقاويل كلها:

“من زوجكها يا رسول الله؟ قال: الله، قال: أفتظن أن ربك دلس عليك فيها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم”، فتنزل القرآن من لدن العزيز الحميد بنفس ألفاظ سيدنا عمر، ببراءة أمنا الحبيبة السيدة عائشة.

هكذا يجب علينا أن ننظر إلى ما يحدث أمامنا في غزة هذه الأيام من تقتيل وتدمير للبشر والشجر والحجر. الحزن الذي يملأ نفوس أهل غزة، ونفوسنا ليس حزنًا عاديًا، لكنه لن يكون حزنًا خبيثًا، معاذ الله.

لماذا؟

لأننا أولًا نعلم أن ما فعله الأبطال يوم 7 أكتوبر كان يستند إلى جنب الله، من أوله إلى آخره، سواء في الاستجابة إليه سبحانه برفض الذل والخوف بأنواع الرفض الممكنة كلها، أو في الاستجابة إليه سبحانه بالإقدام والمبادرة بالمتاح والمستطاع، من القدرة والقوة، استنادًا إلى حقيقة “الإيمان والتوكل” كما في الآية الكريمة التي اتخذها الأبطال شعارًا لهم “ادخلوا عليهم الباب”.

ثانيًا لأننا نعلم أنهم لم يكونوا طلاّب دنيا. لم يطلبوا من الدنيا إلا ما يعرفونه عنها من الدين “العيش الكريم أو الموت الكريم” ليس هناك اختيار ثالث.

هكذا تعلمت منهم “ابتهال أبو السعد” فوقفت وقفة الجبل الأشم في احتفال مايكروسوفت، فليس هناك اختيار ثالث، أكون أو لا أكون، وهكذا سيتعلم الشرق كله.

وقد أكرم الله نوايا الأبطال، فتمم لهم عملهم، بأنواع التأكيد على صدقهم، واتخذ منهم شهداء، ليكون محياهم ومماتهم آية وعبرة، يضع الله بها حدًا فاصلًا بين زمنين.

سنعرف الآن، ونحن في أكثر الأوقات خطورة في تاريخنا المعاصر، أن ما يفعله الغرب كله في غزة، بواسطة دولة اليهود، هو منع مجيء هذا الزمن الثاني.

لا تتخيلوا أبدًا أن القصة تدور بخصوص الأسرى والمقاومة، أو إبادة وتهجير، هذا كذب بواح.

القصة كلها تدور بخصوص كيفية دفن هذه “الأفكار” في سابع أرض، وتحديدًا دفنها في غزة مع أصحابها الذين أبدعوها، فلا يكون لها ولا لهم قيام.

هذا توجه غربي أصيل وقديم، عاشه ومارسه الغرب طويلًا، من يد بريطانيا ليد أمريكا، عاشه ومارسه ولا يزال يعيشه ويمارسه، بكل عنفوان وطغيان يمارسه.

أؤكد لكم أن القصف والعدوان في الضفة ولبنان وسوريا قرار غربي أولًا وثانيًا وعاشرًا. إنها أدوار في مسرحية الأكاذيب. “دولة اليهود” لا تملك القدرة على محض القول بتغيير وجه الشرق الأوسط.

الشرق الأوسط مجال غربي بامتياز منذ الحروب الصليبية 1095م وحتى غزو العراق 2003م.

“دولة اليهود” حدث عابر في تاريخ هذا الصراع، نشأت فقط مع تصاعد الأفكار القومية في أوروبا مع ثورات 1848م فيما عرف وقتها بـ”ربيع الأمم”.

مع الكراهية الأوروبية القديمة لليهود تكونت فكرة “دولة اليهود” خارج أوروبا، ليقوموا بدورهم الشهير في طول التاريخ الأوروبي وعرضه، “الدور الوظيفي”.

لا أتفق مع ما صرح به د.سليم العوا لقناة الجزيرة الأحد 6/4 من أن هذا الصراع من الثلاثينيات! لا، ليس كذلك، فما يحدث الآن في غزة يحفر عميقًا في جراحات الأمة كلها منذ الحروب الصليبية، كما قال بصدق وألم الأستاذ وضاح خنفر في تغريدة له أمس أيضًا.

الأزمة الكبرى التي يواجهونها الآن انهيار الأساطير والأكاذيب كلها التي قام عليها هذا الصراع. ليس هذا فقط، بل وميلاد أجيال جديدة بأفكار جديدة تمامًا، بعيدة عن شعوذة هذه الأساطير، ولم يكن ينقصها للتعرف على الحقائق كلها في أصلها الصحيح إلا ما يرونه على الهواء مباشرة في غزة، لتتحرر تلك الأجيال من الأكاذيب كلها التي حامت بشأن هذه الحقائق عبر السنين.

للحرية الحمراء باب** بكل يد مضرّجة يدق

بيت أمير الشعراء الشهير، الذي اشتهر أكثر على لسان الحاج يحيى.

لكن عن أي حرية تتحدث يا حاج يحيى؟ وأنت بالكاد تريد تحرير الأسرى من سجون إسرائيل، ورفع الحصار في غزة؟

سنعرف، ونعرف، ونعرف، أن الشهيد على تاريخه وتاريخنا كان يشير إلى حرية البشر على كوكب الأرض من أسوأ “رق واستعباد” شهدته الإنسانية على أيدي الحضارة الغربية والرجل الأبيض.

الرِق الجديد الذي تحدث عنه كثير من عقلاء الغرب، المتمسكون بمفهوم الإنسانية. وحدثنا عنه كثيرًا د.عبد الوهاب المسيري رحمه الله، في كتابه الشهير “دفاع عن الإنسان”.

الحزن في غزة وعلى غزة ليس كأي حزن، هو حزن نبيل بين يدي صبر جميل، صبر الرضى عن الله الكريم، الذي سيُعطي ويُرضي، صبر اليقين بوعد الله الذي لا يخلف وعده.

هكذا كان حزن الأبوان الصالحان في رحلة العلم المجهول (موسى والعبد الصالح)، وهكذا كان حزن يعقوب عليه السلام، في رحلة يوسف نحو المُلك والمعرفة.

وهكذا هو في غزة، وفينا.

وعلينا نحن أن نحيا كما نحن نشاء

وعلينا نحن أن نحرس ورد الشهداء

بتعبير محمود درويش رحمه الله.

مقالات ذات صلة:

هولوكوست غزة

عامل الصبر والوقت لصالحه

المسجد الأقصى في خطر

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د. هشام الحمامى

رئيس المركز الثقافي اتحاد الأطباء العرب – عضو الأمانة العامة والمجلس الأعلى لاتحاد الأطباء العرب – مدير الشئون الطبية بقطاع البترول