
كثيرًا ما يتكرر في الحضارة الغربية والسياسة والفلسفة كلمة التأكيد على الحرية الفردية والحرية الشخصية! وما يسمى (individualism) وتقبل الآخر المختلف عنك، ونسمع دائمًا قصص الإعلام الغربي.
رفع شعار أن الرأسمالية مرتبطة بالحرية الفردية اللا محدودة، أنك حر ومجتهد، تكسب كما تريد ما دمت في حدود القانون، ولو لك ميول دينية أو جنسية مختلفة عن المجتمع، فهذا حقك، أنت حر ومتفرد، وعلى المجتمع احترام هذه الفردانية وتوفير قوانين لحماية وتشجيع الفردانية.
“الاستقلالية والاعتماد على الذات”، “التميز والتعبير عن الذات”، “الأولوية للحقوق الشخصية”، “المسؤولية الفردية”، شعارات يقولون لنا عنها كل يوم بطريقة غير مباشرة. هي وفق ما يصفه الغربيون، الفرد هو مركز الكون.
في حين في الشرق المجتمع هو المركز! ترابط المجتمع والترابط والتناغم بين أفراد المجتمع. ويقولون لنا إن المجتمع في الشرق يكبت حريات الفرد والفردانية!
يتحدثون عن هذا بمبالغة شديدة، كأنه هوس بالحرية الفردية على حساب الأغلبية! وأن العيب في الشرق! يتحدثون عنه كأنه اختراع غربي ظهر في العصر الحديث! ويقومون بتزوير التاريخ!
أولًا: هذا ليس اختراع غربي، في الحضارة الإسلامية كانت الأقليات تعيش مع بعضها، في تناغم وهدوء مع تقبل الاختلافات، ولو نظرت إلى بلد مثل القدس مثلا قبل الاحتلال الصهيوني، ستجد القدس كانت في الحكم الإسلامي فيها الأرمن والكاثوليك والقبط والأحباش والعرب والمسلمين واليهود وطوائف المسيحيين كلها والقوميات والشعوب واللغات كلها، إلخ، في تعايش طبيعي.
هذا ما تراه طوال تاريخ العراق والشام ومصر والمغرب والسودان وإفريقيا وفارس والهند والصين، إلخ، حضارات الشرق كلها، تعايش طويل لم يفسده إلا مكائد الاستعمار.
تناغم القوميات شيء طبيعي طوال التاريخ، اذهب إلى مكة اليوم لترى من يطوفون حول الكعبة وتعرف وتفهم معنى التناغم الحقيقي بين البشر كلهم بغض الطرف عن القومية واللغة ولون البشرة والعرق وجواز السفر.
ثانيًا: هوس الغرب بكلمة الفردانية والحرية الفردية رد فعل لتاريخ طويل من كبت الحريات الفردية، لم يتغير إلا بعد الحرب العالمية الثانية! يعني من 80 سنة فقط!
طوال تاريخ الغرب، الكنيسة تكبت الحريات الفردية والاستقلالية الفردية. بعد تراجع سيطرة الكنيسة في القرن الثامن عشر ظهرت الدولة القومية والوطنية تكبت الحرية الفردية بالأفكار النازية والفاشية والعنصرية، ومعها أيضًا ظهرت الأفكار الشيوعية والاشتراكية التي تكبت الحرية الفردية تحت شعارات المساواة الاقتصادية بين الجميع والولاء للحزب الحاكم والوطن.
هوس الحضارة الغربية بكلمة حرية فردية محض رد فعل لتاريخ طويل من كبت الحرية الفردية، وهوس الغرب بكلمة تقبل الفكر الآخر رد فعل لتاريخ طويل من عدم تقبل الآخر، ونفاق لإخفاء عكس ذلك تمامًا!
هذا الهوس والمبالغة تدل على النفاق وأن الغرب لا يظهر دائمًا ما يخفي بداخله، لذلك من يدعي تقبل الآخر نفسه هو من يتعامل بعنصرية مع المهاجرين.
ومن يدعي تقبل الآخر هو نفسه يشوه الإسلام والصين والهند وكل فكر مختلف عنه.
ومن يدعي تقبل الآخر ويدعو للشفافية والأخلاق والفضيلة هو نفسه يمارس أفعالًا مشينة من نهب وقتل ملايين البشر، وتجويع الشعوب بالحصار الاقتصادي، ويستغل النساء والأطفال جنسيًا، ثم يعطي الآخرين محاضرات عن الحق والعدل وتقبل الآخر والحريات!
من يقوم بتشويه الأديان والمتدينين اليوم، هو نفسه يفعل الأفعال المشينة بلا ضمير!
على الأقل المتدين لديه ضمير يؤلمه حين يرتكب حرامًا، مثل البشر كلهم هو إنسان يخطئ وليس ملاكًا! ويجعله يخجل من الحرام والعيب، ويتوقف عنه يومًا ما.
لكن العلماني والملحد وغير المتدين ليس لديه حتى هذا الضمير وهذا الخجل من الحرام والعيب! فيستمر في الحرام والعيب والفساد، ما دام أنه يضمن عدم تعرضه للعقاب أو الفضيحة!
انظر في الحقائق من حولك، نسبة المسيحيين الأغنياء أو المسيحيين في مجلس النواب في أي بلد مسلم أكبر بكثير من نسبة عدد المسيحيين للتعداد العام للسكان وشعب هذا البلد!
يعني مثلًا بلد مثل مصر أو الأردن أو سوريا، تجد نسبة المسيحيين من تعداد السكان قليلة، لكن نسبة المسيحيين من رجال الأعمال والأغنياء أو في عضوية مجلس حكومي أعلى بكثير.
في حين العكس في بلاد أوروبا وأمريكا، عدد الأغنياء المسلمين في دول أوروبا وأمريكا قليل جدًا، ولو موجود يكون تحت الرقابة والسيطرة. يعني بلاد المسلمين تتقبل الآخر، وبلاد الغرب لا، بالتجربة العملية.
ثم يعطونا محاضرات عن تقبل الآخر!
كذلك استغلال النساء في الغرب أبشع، ثم يتحدثون عن عادات أو تقاليد الشرق، ويعطونك محاضرات عن اضطهاد المرأة والأقليات!
من يصدق أكاذيب الغرب وينخدع باصطناع التحضر والأخلاق، يجب أن يستيقظ، امتلاك المال وبعض الاختراعات الحديثة الناتجة عن الأموال المنهوبة لا يعني أنك متحضر ولديك أخلاق.
الاختراعات العلمية شارك فيها البشر كلهم والحضارات كلها، وليست مخصوصة لنوع معين من لون الجلد والعنصر! لا في الاختراع ولا البيع ولا الاستعمال.
الحضارة أخلاق ودين، لأن الحضارة الحقيقية هي ما تحقق السعادة والرضا والطمأنينية للبشر، في حين أن الحضارة الفاسدة تُصمم لاستغلال ملايين البشر لصالح عدد قليل من اللصوص ورجال الأعمال والمسيطرين على القوة والسياسة والإعلام.
الإسلام وحضارات الشرق كلها لم تعانِ تطرف الغرب في كبت الحرية الفردية، لذلك لا تعاني هذا الهوس والعقدة النفسية في التأكيد على شعار الفردانية، لأن شعوب الشرق العريقة المتحضرة حققت التوازن بين الحرية الفردية وتناغم المجتمع منذ زمن طويل.
مشكلاتنا كلها في الشرق اليوم وصراعات الطوائف، صراعات الرجال والنساء، خلافات شباب وشيوخ، سني وشيعي، مصري ومغربي وعراقي وسعودي، نتيجة فساد الغرب وإفساده وأفكاره لمجتمعاتنا، وتضخيم أفكار ومشكلات لم تكن تعني أي شيء لنا قبل الاستعمار الغربي لبلادنا.
الإسلام يحقق الحرية الفردية مع تقبل الآخر الحقيقي، مع تناغم المجتمع والأخلاق.
نحن في الواقع من نتقبل الآخر ونحترم الحرية الشخصية في الحقيقة وطوال التاريخ، وبطريقة أخلاقية تحمل التناغم بين المجتمع والفرد، وليس الغرب ولصوص الغرب وعملائه.
مقالات ذات صلة:
أن تكون حرا .. عن الحرية المسؤولة البنَّاءة أتحدث
الرأسمالية وتشكيل الأيدولوجيات داخل المجتمع
الفضيلة ومفتاح السعادة الإنسانية
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا