إصداراتمقالات

الحب ينهزم

في المائة عام الأخيرة أصبح العالم كله أمة واحدة بفضل تكنولوجيا الاتصالات، وبفضل المعاهدات والتنازلات أصبح تحت قيادة واحدة، فالعالم دومًا يبحث عن قيادة له، فكل مجلس لابد له من رئيس، وهذا من لوازم التنظيم، وتلك الأمة القائدة تكون صاحبة مشعل العالم المستنير الحديث وعندما تزدهر تلك الحضارة تصل إلى لحظة فقد التوازن تنهزم وتتفكك ثم يأتي الدور على قيادة أخرى تحمل المشعل ويتجه إليها العالم.

دوماً كان المشرق هو مهد الحضارات، الفرس، السومر، فينيقيا، مصر، تونس، اليونان، كانوا مشاعل النور والعالم ظلام، دومًا كان المشرق يعنى الحضارة والتنوير والثقافة، حتى سقوط الدولة العثمانية انتهى نظام قطب المشرق وانتقل المشعل لأهل الغرب، وتنازعت فرنسا وبريطانيا السيادة ولكن كانت لبريطانيا الغلبة والسيادة وبعد الحرب العالمية الثانية استقر الأمر في الغرب، في العالم الجديد، الولايات المتحدة الأمريكية.

بدأت أمريكا تقوم بدورها بنشر أيدولوجياتها وفكرها القائم على اللامبدأ سوى الحرية للناس، وتبيع الحلم الأمريكي للعالم، خاصة بعد سقوط روسيا وتفككها، اتجهت الأنظار لأمريكا على أنّها القيادة والقدوة وكان شبابها المثل الأعلى لشباب العالم ونجح الرئيس السادات في وضع مصر في النظام العالمي وانتشرت الثقافة الأمريكية في أوساط الشباب بين الروك والحرية والسلام وكسر القواعد والعادات والقيم والسير على خطى الهبيز وتقليدهم في ملابسهم القصيرة الضيقة ذات الألوان التي تشبه قوس قزح، إنه عصر لكل الألوان، لا للون واحد، بل كل شيء مباح.

بمناسبة قوس قزح لعلك تعثرت به مؤخرًا، فهو يعبر عن فتح من فتوحات العالم الحر، هو يعبر عن المثلية الجنسية، أو كما أحب أن أطلق عليه التوحد الجنسي، فأمريكا ربة الحرية أقرت تلك العلاقة بشكل “قانوني” فيمكن الآن للرجل أن يتزوج زميل الدراسة أو العمل في أي محكمة، والفتاة يمكنها أن تستثمر شغفها بأخت زميلتها في غرفه مغلقة بدون أي مشاكل أو قيود، زوج وزوجة أو زوجة وزوجتها، وتحت شعار “الحب ينتصر” احتفل العالم الحر بذلك الإنجاز.

دعنا من كل هذا الشذوذ ولنناقش أمرًا آخر، نتباحث حول كهنة تلك الحربة، عُبادها في بلادنا، المرفرفين بالأعلام، النخبة التي استقبلت هذا الحدث بالفرح والسرور مع أسعد التمنيات للعروسين، النخبة التي تعتنق الحرية وتعتبرها دينا وهدفا وغاية وليست وسيلة كما يعتبر البعض، الحرية التي تجعل الإنسان يخوض في كل شيء ويهدمه وتدفعه لعمل أي شيء يحب أن يفعله، الحرية على الطراز الغربي، الحرية التي يرفضها العقل الفطري السليم ولا يستسيغها.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

تلك النخبة تبشر بالحلم الأمريكي وتنشره في مجتمعاتنا العربية بنية تحرير العبيد، تحت ستار العقل يعتبرون تسلطَ الشهوات على الإنسان أمرا حسنا، والقبحَ هو أن يحيط الإنسان نفسه بقيود وقواعد، تلك النخبة التي ستصرخ أين القواعد والقوانين عند أول تهديد، فأنت لديك شهوة ما لماذا تكبتها؟ افعل ما تحب، انطلق، لا حدود، السماء لك، لا تهتم بمن يحيط بك، ليس لأحد عليك سلطان، تلك ثقافة المشروبات والأكلات الغربية التي تجدها بوفرة في إعلاناتهم التجارية.

ماذا رأينا من الغرب حتى نعشقه ونتخذه وليا؟ ما الذي قدمه لنا مريدو أمريكا؟ إنّ المقالات والعبارات عن الصنم أنه متقدم ومتحرر، هل تقصد التكنولوجيا؟ أين تقدمك العلمي إذن؟ أين مصانعك وحقولك؟ لا يوجد، سأقول لك أين.. في جيب المستثمر الأجنبي، أنت تعشق من يسرقك ويستولى على مقدرات وطنك، هل تقصد التحرر؟ هل تقصد الأخلاق؟ بئس ما تطلب في الحقيقة، أنا لم أرَ من الغرب إلا كل فساد، كل الفساد الذي أصاب شبابنا من الغرب، هل ترى هذا الشاب الذي يرتدي كالمهرج وليس لديه هدف يعيش من أجله؟ إن تفاهته هي من الغرب، هل ترى تلك الفتاة التي نعرف جميعًا مقاسات جسدها؟ هل تقنعني أنها ترتدى هكذا من أجل قضية ما؟ من أجل هدف سامي؟ هل انتكست فطرتك فلم تعد ترى الشر الذي تتسبب به؟ نحن حتى الآن نعانى في قضية الزواج بين الرجل والمرأة من حيثية الثقافة ومن حيثية الإمكانية نفسها، فها أنت تأتى بحرية أخرى اسمها زواج المثليين، الذي بالطبع سيكون قليل المصاريف حتى ينتشر.

ماذا لدينا ضد تلك الحريات المشبوهة؟ في الحقيقة لدينا فقط شيء واحد، اسمه العقل، القيم الثابتة التي تعتبر الحجة على الجميع من ذوي الفطرة السليمة، المفاهيم والسنن والقوانين الموجودة بشكل ثابت على العالمين، ونؤمن بالعدل الذي هو صفة أساسية لا بدّ أن يتّصف بها الفعل الإنساني، فالعقل الذي ينطلق من البديهيات وقوانين العلة والمعلول ينبئنا أنه لا حدث ولا شيء بدون سبب ولا حتى الفعل وأن كل خلق لابد وأن يكون له هدف وغاية، فما الذي يقدمه التوحد الجنسي للمجتمع وللبشرية من تكامل؟ هو لا يقدم سوى اتباع الشهوة بدون تفكر في توابعها، هو شكل من أشكال الحرية غير المسئولة، لا تكون مجتمعا ولا تحافظ على انسجامه لأنه بالتأكيد هناك من سيتعارض هذا الفعل مع قيمه وفطرته الإنسانية.

فقط اقتران الذكر بالأنثى هو الذي يجلب التوازن والتناغم للمجتمع، كل شيء إذا توخينا فيه العدل سيجلب التوازن للعالم، حتى النصوص المقدسة لم تتكلم عن اقتران الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى لأنه ضد النظام الأصلح وفطرة البشرية، ولكن الإنسان توج نفسه إله العصر الحديث وصار هو المشرّع والمقنن وادّعى العقل ولكنه ارتدى تاج الشهوات وعباءة التسافل.

في ثقافتنا القرآنية نجد سننًا وقوانين تربط بين السماء والأرض، نقتبس منها واحدًا يختص بقضيتنا هذه، من تلك القوانين قانون الفطرة وهو قانون يستطيع الإنسان أن يكسره ويسير ضده ولكن في النهاية وطبقًا للهيمنة الإلهية فلن تستقيم أموره، كيف؟ أنظر للعالم كيف هو وأنت تعلم كيف، إن الحب الناتج من الشهوة لا يمكن أن ينتصر، وإن انتصر فهو نذير ببداية النهاية وسقوط الحضارة.