
وسادت حالة من الصمت بين تلاميذ ” مدرسة العشق ” فقد كانوا يُصغون بانتباه
شديد لشرح المعلم ” محب ” الذى كان يُبين لهم معاني جديدة عن الحب لم يكن يعرفونها من قبل، وقد بدأ المعلم مناقشته سائلا أحد التلاميذ :
_ إن كنت في سلامة وعافية وحرية، فطلبتُ منك أن ترفع يدك، فهل تستطيع ذلك؟
فأجاب التلميذ: نعم بكل تأكيد
_وإن كنت قادرا على التكلم بدون مانع، فطلبتُ منك أن تقول:
“أنا موجود ” فهل تستطيع ذلك ؟
فأجاب التلميذ مرة أخرى : نعم بكل تأكيد .
_وإذا كنت سليم النفس معتدل المزاج فطلبت منك أن تحب فلانا، فهل تستطيع أن تفعل ذلك؟
هنا أبطأ التلميذ قليلا في الإجابه ثم قال : لا أستطيع أن أقول ” نعم ” في كل الأحوال
لأن الحب ليس أمرا اختياريا كالحركة والتكلم، وإنما هو ميل من النفس لا تحركه إرادة الإنسان واختياره، بل يحركه شئ آخر
فتحدث المعلم قائلا : أحسنت ولكن ما هو الشئ الآخر الذي يحرك الإنسان ويدفعه إلى حب الآخرين؟ أتعرفون ما هو يا تلاميذي الأعزاء ؟!!
إنه الكمال الذي تدركه فيه، فتحبه لأجل ذلك الكمال.
إذا سبب الحب هو الكمال الذي ينجذب إليه الإنسان.
أما سبب ميل الإنسان إلى الكمال فهو ينبع من الفطرة التي فطر الله تعالى الإنسان عليها، والتي توجهه منذ طفولته نحو الكمال، فتراه يحب الكمال ويسعى نحوه ليتكامل في مسيرته.
فإذا تأملنا الإنسان نجده منذ نعومة أظافره يسعى نحو هدف يعتقده كمالا له
فالصغير في بداية نشأته قد يعتقد أن كماله يتحقق حينما يحبو، فيسعى جاهدا نحو الحبو، وحينما يحبو يعرف أن الحبو ليس كماله، فيسعى نحو السير على قدمين ظنا منه أن كماله في ذلك، لكنه أيضا حينما يمشي لا يجد ذلك الكمال، حينها ينشد أمرا آخر يحقق به كماله.قد يظن أنه التكلم مثلا الذي يمتاز به الآخرون عنه هو ذاك الكمال، لكنه حينما يتكلم يشعر أن ذلك الميل نحو الكمال ما زال يحثُّه على إيجاد كمال آخر.
وهنا ينظر إلى كمالات الناس:
فينشد ويميل إلى الناس أصحاب الكمالات بنظره،
قد ينشد إلى القوي، لأنه يرى الكمال في القوة.
وقد ينشد إلى المشهور، لأنه يرى الكمال في الشهرة.
وقد ينشد إلى الجميل، لأنه يرى الكمال في الجمال.
وقد ينشد إلى العالم ، لأنه يرى الكمال في العلم .
إنه سر ميل الإنسان وتعلُّقه وحبه.
ولكن ليس كل ما يراه الإنسان كمالا هو كمالا حقيقيا، لذا حينما يصل إليه لا يشعر بالارتواء المتوقع، فالذي يظن أن المال يحقق كماله فإنه يسعى نحوه، إلا أنه حينما يصبح غنيا يشعر بفقر في داخله وميل نحو كمال آخر.
والذي يظن أن الجاه والسلطة يحققان كماله، فيسعى نحوهما، ولكنه حينما يصبح صاحب سلطة ووجيها يظل في فقره وجوعه النفسي
لذا فإن السائر في طريق الكمال يتساءل: أين هو الكمال الذي فطرنا الله على حبه والميل إليه والسعي نحوه؟!
والجواب عن تساؤله هذا يحتاج إلى عودة إلى تلك الفطرة المغروسة بداخله ليستمع إليها فتوجهه إلى الكمال الذي لا نقص فيه الذي يروي الظمأن ويشبع الجائع بحق.
وهنا سكت المعلم قليلا ليعرف وقع تأثير كلماته على تلاميذه فنظر إليهم ليرى عيون تنظر إليه وكلها تساؤل وحيرة، عندها أمسك المعلم بالقلم وكتب بخط كبير :
” إلى كل تلميذ باحث عن الحبيب الخالي من العيوب الكامل الذي لا نقص فيه ارجع سريعا إلى كتاب فطرتك وتصفحه جيدا لتتذكر أن الفطرة الإلهيه قد كُتبت بقلم القدرة (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض )
فمن أراد أن يجرب الحب الحقيقي يروي ظمأ حبه وجوع عشقه فإنه لن يجد ذلك إلا في التوجه إلى الله سبحانه وتعالى.
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.