مقالات

الجاذب العظيم!

هل مجرة درب التبانة تخرج عن مسارها؟ وما سر المكان الغامض الذي يجذبها إلى مصير مجهول؟

في المدة الأخيرة دي، انتشر خبر غريب في كل حتة في الصحافة والسوشيال ميديا، بيقول إن مجرتنا بتتسحب خارج المسار بتاعها، وإن في شيء غامض بيشدها لمكان مجهول بسرعة هايلة ومالهاش تفسير، وناس كتير فسرت دا بإنه نهاية العالم بتقترب، وإن اللي بيحصل دا إيذان بإن المجرة اللي إحنا فيها بتمر بمرحلة تحول مخيفة ممكن تؤدي إلى نهايتها.

بس هل الكلام دا حقيقي فعلًا؟ ولو حقيقي، فيا ترى إيه ماهية الشيء الغامض هائل الحجم اللي بيشد مجرتنا كلها بالكواكب والنجوم اللي فيها كلها، بره مسارها بالقوة والسرعة دي؟ وإيه معنى دا بالنسبة لمستقبل العالم اللي إحنا عايشين فيه؟

هو دا موضوعنا النهاردا، فحضر كوباية الشاي بالنعناع، وتعالى معايا في رحلة ممتعة هاخدك فيها لقلب أعماق الكون، عشان أحكيلك عن أشياء مفيش عقل بشري قدر يتصورها قبل كدا.

يلا بينا!

وكل في فلك يسبحون

شوف يا صديقي، عشان تفهم الحكاية دي كويس، لازم الأول تفهم حاجة مهمة جدًا عن طبيعة وتفاصيل الكون اللي إحنا عايشين فيه، الحاجة دي إن مفيش حاجة في الفضاء ثابتة، السمة العامة للكون والفضاء إن كل شيء بيدور حوالين نفسه وحوالين شيء تاني، والشيء التاني بيدور حوالين شيء تالت، وهكذا، والقاعدة دي ثابتة في كل حتة في الكون تقريبًا، بالظبط زي ما التعبير القرآني وصفها: “وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ”.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

طب إزاي الكلام ده؟

يعني أنت دلوقتي وأنت قاعد ثابت في مكانك بتقرأ السطور دي، فأنت في الحقيقة مش ثابت ولا حاجة، بل بتتحرك في الفضاء بسرعة ضخمة جدًا مع الكوكب، ودا عشان كوكب الأرض مش ثابت في مكانه، بل بيدور حوالين نفسه بسرعة 1600 كيلومتر في الساعة تقريبًا، ودا السبب في وجود الأيام اللي بتنشأ في الأساس من دوران كوكبنا حوالين نفسه.

وغير إنه بيدور حوالين نفسه، فهو كمان بيلف حوالين الشمس بسرعة قدرها علماء الفلك بنحو 107 ألف كيلومتر في الساعة، ودا اللي بينتج عنه وجود السنين.

هل الشمس ثابتة أم متحركة؟

طب هل الشمس ثابتة؟

لأ خالص، الشمس نفسها بردو مش ثابتة في مكانها، بل بتلف حوالين مركز المجرة بتاعتنا اللي هي درب التبانة (Milky way)، بسرعة تقدر بنحو 230 كيلومتر في الثانية، أو 828 ألف كيلومتر في الساعة، وطبعًا عشان الشمس مركز نظامنا الشمسي بالكامل زي ما أنت عارف، فهي بتشد معاها الكواكب الموجودة في مجموعتنا الشمسية كلها في رحلتها المهيبة دي حوالين مركز المجرة.

يعني في الحقيقة، نظامنا الشمسي دا كله بالكواكب اللي فيه جميعها مش ثابت في مكانه زي ما أنت كنت فاكر، لكن بيلف حوالين مركز المجرة بسرعة ضخمة جدًا لا تستوعب.

الفكرة بقى إن إحنا بنلاحظ حركة الأرض في الفضاء عشان بنشوف بعيوننا تغير الفصول ومرور السنين والوقت لقدام، لكن طبعًا الحاجات اللي أكبر من مستوى كوكبنا كلها مش بنحس بيها على الإطلاق لأنها بتاخد أزمنة أكبر من عمر حضارتنا ووجودنا على الكوكب نفسه عشان تحصل، يعني مثلًا الشمس عشان تلف حوالين مركز المجرة بتحتاج 230 مليون سنة تقريبًا عشان تتم دورة واحدة بس!

بس لما بنجرب نعمل زووم أوت، ونبص على المشهد على مستوى المجرة كلها، بنلاقي إن في حاجة غريبة بتحصل، المجرة بتاعتنا كلها بردو بتتحرك في الفضاء، لكنها متجهة بسرعة ضخمة جدًا ناحية مكان غريب ومحدش عارف إيه اللي موجود فيه بالظبط، اسمه الجاذب العظيم أو الـ(Great attractor). طب إيه المكان دا بالضبط؟ وليه مجرتنا متجهة ناحيته؟

خلينا نبدأ الحكاية من الأول..

اقرأ أيضاً: ما هي الإشارات الغريبة الآتية من مركز المجرة؟

عنقود فيرجو

العلماء زمان في السبعينيات لاحظوا إن المجرة بتاعتنا، اللي هي أصلًا جزء من مجموعة كبيرة من المجرات اسمها الـ(Local Group)، بيتحركوا بسرعة تزيد عن 600 كيلومتر في الثانية أو أكتر من مليون كيلومتر في الساعة، ناحية بقعة غامضة في الفضاء محدش عارف يرصدها، عشان اتجاهها موجود ورا المركز بتاع مجرتنا، اللي هو مليان نجوم وغبار وسُدم وسحب كونية، والعواصف الكونية الضخمة دي كانت مانعانا نشوف كويس إحنا رايحين فين لما اكتشفوا الموضوع دا لأول مرة ساعتها.

بس طبعًا العلم بيتطور، والطرق اللي بنقدر نرصد بيها الفضاء بتتطور معاه، ومع الوقت قدرنا نطور تقنيات المسح الفلكي بالأشعة تحت الحمراء والأشعة السينية (أشعة إكس)، اللي بتبقى قدرتها على اختراق الأتربة والسدم اللي في مركز المجرة أكبر بكتير من الضوء المرئي، ومن هنا، بدأنا لأول مرة نشوف اللي موجود ورا السحب الكونية العملاقة دي، وساعتها اكتشفنا حاجة مذهلة.

الحاجة دي إن مجرتنا ومجموعة المجرات اللي حوالينا كلهم مسافرين في الفضاء بسرعة هائلة نحو عنقود مجري ضخم اسمه عنقود فيرجو (Vergo Supercluster)، العنقود دا أول ما العلماء رصدوه، كنا فاكرينه أكبر حاجة موجودة في الكون، عشان حجمه هائل وبيضم جواه أكتر من 1000 مجرة مختلفة في بقعة عرضها 5 مليون سنة ضوئية كاملين، وكتلته قد كتلة شمسنا تقريبًا مليار تريليون مرة، يعني رقم فوق مستوى استيعابك وخيالك أصلًا!

بس المفاجأة بقى كانت إن عمليات الرصد اللي حصلت بعدها، أظهرت حاجة تانية مذهلة أكتر بكتير.

عنقود لانياكيا العظيم

عنقود فيرجو دا مطلعش أكبر حاجة في الكون ولا حاجة، بل طلع جزء صغير جدًا، عامل زي الفرع كدا، في شجرة عملاقة فوق مستوى الاستيعاب والتصور البشري، اسمها عنقود لانياكيا الهائل (Laniakia Supercluster)، وكلمة لانياكيا (Laniakia) دي أصلًا كلمة جاية من لغة حضارة هاواي القديمة، ترجمتها للإنجليزي معناها (Immeasurable Heaven) أو الجنة غير القابلة للقياس، وهو حرفيًا اسم على مسمى، عشان العنقود دا حرفيًا حجمه هيذهلك، ومستحيل خيالك البشري يقدر يستوعب مدى ضخامة حجمه.

العنقود الهائل دا يا صديقي حجمه مرعب، وموجود جواه أربع غصون بتتكون من عشرات ويمكن مئات العناقيد المجرية الأصغر، وعنقود فيرجو دا واحد بس منهم، وإجمالًا جواه تقريبًا 500 مجموعة مجرية بيضموا جواهم أكتر من 100 ألف مجرة مختلفة، وبيمتد على طول نصف مليار سنة ضوئية كاملين!

أنت متخيل الأرقام اللي بنتكلم فيها؟! أنت ممكن تكون مركز معايا وفاهم الرقم، لكن عقلك مستحيل يستوعبه ولا يفهم يعني إيه تشكيل كوني واحد ممتد لنص مليار سنة ضوئية، دي حاجة مستحيل تقدر تستوعبها مهما كنت متخيل إنك فاهمها كويس!

المشكلة كانت إننا بعده بفترة اكتشفنا إن دا مش أكبر حاجة في الكون بردو، بل فقط خيط صغير في حاجة تانية بنسميها الشبكة الكونية (Cosmic web)، اللي بتشكل الكون كله على أكبر مستوى له إحنا نعرفه، واللي هو أشبه بشبكة عنكبوت ضخمة بتمتد تقريبًا 46.6 مليار سنة ضوئية كاملة، هما اللي إحنا بنقدر نشوفهم أو نستوعب وجودهم، وبنسميهم الكون المرئي (Observable Universe)، لكن ممكن جدًا يكون في أكبر منه بس إحنا مش قادرين نشوفه عشان الضوء الخارج منه لسه موصلناش!

انبهرت؟!

اقرأ أيضاً: هل تمدد الكون ناتج عن اندماجه مع أكوان أخرى صغرى؟

عملاق غامض يسحب درب التبانة وجيرانها

أهو الجاذب العظيم (the great attractor) اللي اتكلمنا عنه دا بقى يا صديقي، اللي قلنا إنه بيشد مجرتنا والمجرات اللي حوالينا ناحيته بسرعة 600 كيلومتر في الثانية، موجود في قلب عنقود لانياكيا دا، وهو مش مكان بالمعنى الحرفي، بل عبارة عن تجمع بردو من المجرات، بيشكل مركز الجذب اللي بتتركز فيه كتلة العنقود كله.

ولو هشرحهالك بمثال، هقولك إن الموضوع عامل بالظبط زي ما الشمس تعتبر مركز الجذب الخاص بمجموعتنا الشمسية كدا، فبناء عليه كوكبنا والكواكب التانية كلها بتتشد ناحيتها وبتلف حواليها في مدار محدد.

وعارف بقى اللي هيثير خيالك ويخلي قلبك ينتفض بالمهابة لما تستوعبه إيه؟!

إن المكان دا يعتبر مستقبلنا، ودا مش معنى مجازي بقوله عشان أوصفلك، لكن المقصود المعنى الحرفي للكلمة، المكان دا هو الشيء اللي مجرتنا والمجرات اللي حواليها كلها بتسافر ناحيته من ساعة ما اتخلقت ولحد النهاردا، وبيشدها ناحيته كأنه القدر بتاعنا على خط المستقبل بالظبط، ومفيش أي حاجة تقدر تغير القدر اللي إحنا رايحين له دا!

بس المشكلة إن إحنا في الواقع عمرنا ما هنوصله، لأن الكون بتاعنا فيه جواه قوة تانية بتتسبب في تمدده وتوسعه بسرعة رهيبة بتوصل في أطراف الكون لقدر أكبر من سرعة الضوء نفسها، اسمها الطاقة المظلمة (Dark Energy)، وسرعة التمدد الهايلة دي هييجي عليها يوم وتخلي مجراتنا نفسها تتمزق وشكلها كله يتغير وتبقى عبارة عن نجوم منفردة بتسبح لوحدها في قلب الفضاء الأبدي، ومفيش حاجة هتفضل زي ما كانت!

هل العالم سينتهي؟

بس المطمئن في الأمر، إن دا كله هيحصل في مستقبل بعيد جدًا جدًا، بعد تريليونات السنين، وساعتها لا أنا ولا أنت ولا كوكبنا ولا شمسنا حتى هيكونوا موجودين عشان نشهد الحدث المهيب دا!

بس يا عم، هي دي القصة من أولها لآخرها، القصة كلها اللي أنت سمعتها دي حقيقة علمية نعرفها من زمان، ومش معناها نهاية العالم ولا حاجة، عشان الأحداث اللي حكيناها دي كلها بتحصل بالفعل من مليارات السنين، وهتفضل تحصل لمليارات السنين بعد ما أنا وأنت والبشر كلهم ينتهوا وحضارتهم تندثر.

فمتسيبش حد يلعب بعقلك ويقنعك إن العالم بينتهي والمجرة بتتشد في الفضاء وهنموت كلنا، عشان في الواقع الفضاء أكبر وأضخم بكتير من اللي أنت تستوعبه مهما قعدت تتفرج على فيديوهات للكون وتكوينه وأسراره، ومفيش حاجة فيه بتحصل فجأة، ولا فيه حاجة نقدر نقيسها بعمر البشر القصير اللي مالوش وزن ولا قيمة قدام العظمة الكونية المهيبة دي.

وكل شيء فيه متقدر بدقة وعناية، عشان تيجي أنت في يوم من الأيام بعد مليارات السنين من خلقه وتكوينه، ترفع عينك على السماء، وتتأمل وتقول سبحان الله!

تعرف على: النظرية ما بعد الكمية للجاذبية!

مصادر:

https://arstechnica.com/science/2023/04/the-universe-sucks-the-mysterious-great-attractor-thats-pulling-us-in/?fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTAAAR2q08Af7vaemPubR4VXPL8h8R_K4Fjesmg05bjFOd0iItcn3lJiLe_E9rk_aem_AeAyTaNcRyHzvigO1HRxiHDjhWecTOz29gfdMF3bi5pYYA3ejngs00NUKNxFoavD76doSg2oo7A-ad7tyBrHMxLG

https://www.universetoday.com/113150/what-is-the-great-attractor/?fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTAAAR0d90sgpS4fZN5FVKqZ0GHHT-8ecJ0vQOpFS_egiNFwSV7PGKC48cRFevs_aem_AeDB_LPPCAEGXpxkqeHvF8YiuG-La2TNLS34Lqtz6GOcr4C56XVGyPSGigP1it_6_sVdmN12qxoyfKnwyK2jvU_Z

https://www.space.com/33579-will-the-great-attractor-destroy-us.html?fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTAAAR2xcZ2t9pDUmAhSBH-mot-mO9kDcsvncJHhc_3-khIFgjsUjrGMj7JMXuc_aem_AeDnBN1zmhuWa3NWxDw4hTJMzWDaGlm_pNrPafW_rcT0gRC5DL7HwrZuxmacY8isivOfBglcu8Lzd4TtnMCtT8wp

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. محمود علام

كاتب روائي وباحث، وسيناريست