التناقض الأليم في رمضان!

رمضان شهر الصوم الذي يحذف من الإنسانية كلها تاريخ الشهوات نصف يوم طوال 30 يومًا كل عام، كما يقول أديب الإسلام مصطفى صادق الرافعي رحمه الله، ليحل محله تاريخ النفس المطمئنة الكريمة، والقلب الودود الحنون، والعقل الراقي المتأمل للحياة، والأيدي المبسوطة بالخير والعطاء.
شهر المساجد المعمورة بالذكر والشكر والعرفان ونسمات الراحة والإيمان. الشهر الذي نرى فيه دفق الحياة الحقيقي يتدفق بعذوبة بالغة بين الليل والنهار والصوم والقرآن.
شهر السمو والوفاء والنبل والحب، حيث خروج الإنسان من دائرة هواه ليكون عبد الله اختيارًا كما هو عبد الله اضطرارًا.
شهر القرآن وإنزاله من السماء إلى الأرض، ليكون أقرب اقتراب بين الرحمن والإنسان.
وبين القرآن وخلق الإنسان ما لا نعلمه من أسرار، إذ يكفي أن تقرأ الآيات الأولى من سورة الرحمن حتى تنتبه: “ٱلرَّحۡمَٰنُ (1) عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ (2) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ (3)”.
ويكفينا من أفراح الروح ما تشعر به ونحن نتلوا القرآن ونرتله بألسنتنا، وكما قالوا: من طلب المعاني من الألفاظ تاه وهلك، إنها الروح التي تتواصل مع التلاوة.
والمفروض أن الإنسان في سنواته المعدودة فوق الأرض وقبل أن يصبح تحتها، عليه أن يتجنب ما استطاع كل ما يورده موارد “التوهان والهلاك”.
وهي للأسف كثيرة حتى عند من يطلب ما هو شريف وعزيز، وليس فقط حقير وفانٍ من مظاهر الحياة، وفي الأصل سنجد أن تلاوة القرآن، محض تلاوته، تستر وتجبر كثيرًا من نقص وقصور في سلوك الإنسان.
والآية الكريمة في سورة المزمل تقول: “عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ”. ماذا تكون الحالة إذًا مع القرآن في شهر وصفه الله وعرفه بـ”الذي أنزل فيه القرآن”؟
ما الذي حدث وجعل التناقض الذي يعاكس هذه المعاني كلها يحل هذا الحلول المنحل كله من كل ضابط يضبطه أو حتى ساخط يرفضه ويبتعد عنه؟
صحيح المسألة طال عليها الوقت والسنين وأصبحت كأنها متلازمة من متلازمات الطب والمرض (سندروم)، لكن ككل المتراكمات السقيمات المترهلات لا بد من لحظة بداية.
يقولون أن هناك شيئين لا بد أن تفعلهما الآن وحالًا، إذا كنت تنوي جادًا صادقًا في فعلهما وهما “الصلاة والرياضة”، أي تأجيل لهما يعني فورًا عدم حدوثهما.
والقرآن حدثنا عن شرط التغيير كما قال لنا العلامة وقور العقل والأخلاق “مالك بن نبي”، الرجل الذي مرت من تحت قلمه الحكايات كلها بخصوص فكرة التغيير.
إنها “الإرادة العميقة”، والمعنى بالغ الوضوح في إدراكه وفهمه في الآية الكريمة بسورة الرعد: “حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ”. والتعثر والقيام من طبائع الأشياء وملازم للإنسان في شرف سعيه نحو المعالي في هذه الحياة، ويبقى الإلحاح في الطلب: “اطرقوا الأبواب تُفتح لكم”.
وقد كان إنسانًا جميلًا فعلًا هذا الذي قال: “من طلب شيئًا ولم يدركه أوشك أن يقع إلى جواره”. ستصل، ستصل، ومن سار على الدرب وصل.
بل إنهم يقولون في جماليات هذا السلوك: “درب الوصول قد يكون أغنى من الوصول”، وهذا صحيح بالفعل لأن فيه مجاهدة وسعي وطلب وتلك المعاناة البهيجة في طريق الوصول.
لا أدرى تاريخيًا من المسؤول عن عقد هذه العقدة المعقودة المنفوثة بين شهر القرآن وموضوع المسلسلات والتمثيليات والترفيه الشائه الرقيع، لكن الملاحظ أنها في تزايد مستمر ومتصاعد ومستفز في مخالفته للقيم والأخلاق العامة فضلًا عن الدين وقيمه وتعاليمه.
الأمر الذي يتطلب تدخلًا من الجهات المنوط بها الحفاظ على أعراف وثوابت هذا المجتمع، بخاصة الأزهر الشريف وشيخه وعلماءه الكرام، إذ يجب أن يكون لهم وقفة قوية مع ما يحدث من استخفاف واستهتار بهذا الشهر الكريم، وما يحمله من رسائل عظيمة للفرد في تنظيمه لحياته باحثًا لنفسه عن محيط فاضل يعيش فيه، وفي سعيه لآخرته حبًا وشوقًا إلى ما عند الله.
وأيضا للأمة كلها التي يتحد ملايينها في عمل عظيم من أعمال القلوب “الصوم”، خصه الله بأنه له سبحانه وهو يجزي به كما ورد في الحديث.
فلا أحد يعلم أنك صائم إلا الله العلي الكبير، العبادات كلها تُرى وتُشاهد ويخالطها ما يخالطها، إلا هذه العبادة الكريمة التي تعني أكثر ما تعني: “لعلكم تتقون”، كما جاء في آية الصوم بسورة البقرة، والتقوى ها هنا كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأشار إلى قلبه ثلاثًا.
لكن التناقض الشرس الشرير المقلوب رأسًا على عقب هو الذي نراه في رمضان كل سنة، ونتقبله في حالة “استبلاه” أبله بلهانًا عجيبًا هو قصة المسلسلات وبرامج الضحك الممجوج، التي تملأ الإعلام في ضوضاء وصخب مليء بالسفاهة والحماقة والغثاثة.
من يرفع عن المجتمع هذا التناقض الأليم؟!
مقالات ذات صلة:
حقيقة صوم رمضان بين المفكرين والفلاسفة
كيف نرمم نفوسنا المنهكة في هذا الشهر الكريم
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا