علم نفس وأخلاق - مقالاتمقالات

التعافي الشخصي مقابل التعافي الكلينيكي

عادة ما يعرف “التعافي الكلينيكي” (Clinical recovery) بلغة علم النفس المرضي (Psychopathology) بأنه تناقص الأعراض الدالة على المرض أو الاضطراب النفسي المستهدف علاجه لدى العميل أو اختفائها، وربما عودته إلى الحالة التي كان عليها قبل معاناة الاضطراب أو المرض في ضوء مفهوم الشخص العادي. على العكس من ذلك يُفهم التعافي الشخصي (Personal recovery) على أنه تمكن العميل أو المريض من عيش حياة هادفة مفعمة بالمعنى كما تتحدد مواصفاتها من الشخص ذاته في سياق خبرته بحالته المرضية الشديدة.

وعلى ذلك فإن “نقطة التركيز” الجوهرية في حركة التعافي الشخصي ترقية صحة الفرد وطيب حياته أو مستوى الهناء النفسي العام له في الحياة، ومن ثم تتعين أهداف التعافي الشخصي في: تنمية تقدير الشخص لذاته، تحسين ثقة الشخص بذاته، التمتع بمستوى مرتفع من الصمود النفسي، القدرة على تأسيس علاقات إيجابية مع الآخرين، والشعور بالغرض من الحياة.

ولا يعني ما تقدم أن “التعافي الكلينيكي”، يتناقض مع “التعافي الشخصي”، أو أنه لا يمكن الجمع بينهما، فقد تكون نقطة البداية في مسار العلاج النفسي خفض مظاهر الاعتلال النفسي أو إزالتها في محطة أولى للانتقال إلى تحقيق ملامح التعافي الشخصي المشار إليها.

ورغم ذلك عندما يتحدث غالبية العملاء أو المرضى عن دلالات مفهوم “التعافي” يرون أنه يعني لهم تمكنهم من إدارة الأعراض المرضية التي تعتريهم أو منعها من التحول إلى الأسوأ، وربما يتطلب الأمر تبعًا لهذا التصور تمكنهم من إعادة تنظيم حياتهم بطريقة تقتصر على محض تجنب الكرب والمشقة أو تعلم فنيات التعامل مع الأعراض بأنفسهم.

ومع ذلك فإن التعافي الحقيقي بالإضافة إلى تضمنه ما سبق يشمل دلالات التعافي الشخصي بحدوث تغيرات نوعية إيجابية في أسلوب حياة العميل أو المريض بما يتحقق معه ملامح طيب الحياة أو الهناء في الحياة، التي يستدل عليه عادة من ارتفاع معامل الإثمار أو الإنجاز الإيجابي في الحياة، وارتفاع معامل الرضا عن الحياة، وارتفاع معامل الرضا عن الذات، فضلًا عن التحلي بقدر موضوعي من التوجهات التفاؤلية نحو المستقبل.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ورغم أن غالبية من يعانون اضطرابات نفسية مشخصة ومن يشعرون بسوء الحال كما يقال أو انخفاض جوهري في معامل طيب الحياة أو الهناء في الحياة يرون أن مستقبلهم مظلم ويخفي لهم عديدًا من الأحداث والوقائع السيئة، وأن الأجدى لهم إيثار العزلة والانسحاب، وبناء عليه يركز في التعافي الكلينيكي على تفكيك بنية الظروف الشارطة لتكوين هذه لأعراض، ومن ثم يستدل على التعافي الكلينيكي من تناقص هذه الأعراض أو غيابها، فإن التعافي الشخصي وفيما يعرف بافتراضات حركة التعافي الشخصي يسير خطوات أخرى إلى الأمام لتعزيز التطلعات التفاؤلية لدى الشخص في المستقبل، وتمكينه من صياغة الخطط الحياتية الإيجابية، وتنمية روابط وعلاقات اجتماعية إيجابية وهادفة مع الآخرين.

من جانب آخر يعد تمكن الشخص من “تكوين هوية ذات إيجابية” جانبًا بالغ الأهمية للتعافي الشخصي، رغم أن هذا الأمر يأخذ وقتًا طويلًا في تأسيسه، فبلغة المتعافين من اعتلالاتهم النفسية يقررون أن سببًا رئيسيًا من تعافيهم مثابرتهم من أجل ما سموه “استعادة الذات” مرة أخرى وهو أمر لا يتحقق إلا بإعادة اكتشاف هوية ذات مغايرة لهوية الذات المرضية (Ill-self Identity) واستبدالها بهوية ذات مقتدرة (Agented Self-Identity)، وعادة ما يتعذر تحقيق مثل هذه الهوية القائمة على الاقتدار إلا بتنمية الصمود النفسي وما يستلزمه من تعلم استراتيجيات التوافق الفعال والمواجهة النشطة ومهاراتها لشدائد الحياة وظروفها العصيبة وأحداثها الضاغطة.

ما المقصود بالتعافي بصفة عامة في ضوء متصل الصحة النفسية؟

ومع وضوح التباين والتداخل في الوقت نفسه بين مفهومي “التعافي الكلينيكي” و”التعافي الشخصي”، ورغم أنه يكمن وراء هذين المفهومين أطر نظرية مختلفة، إن التعافي الكلينيكي عادة ما يعكس ما يعرف بمنظور علم النفس المرضي والطب النفسي التقليدي، في حين أن التعافي الشخصي يرتبط بصورة أساسية بما يعرف في الوقت الحالي بعلم النفس الكلينيكي الإيجابي والطب النفسي الإيجابي في تبينهما لجهود تطوير أسس حركة التعافي الشخصي التي ظهرت في السبعينيات من القرن العشرين. يبقى السؤال المثار: ما المقصود بالضبط بالتعافي؟ (What is recovery?)، هل من الممكن بالفعل التعافي من المرض النفسي؟ (Is it possible to recover from mental illness?).

تتمثل الإجابة بكل تأكيد في “نعم”، إذ يتعافى عديد ممن يعانون مرضًا نفسيًا. ومع ذلك فإن الجدير بالتأكيد “ربما تستمر بعض الأعراض المرضية”، وأن معاناة المرض النفسي لا يعني بالضرورة أن المصاب به لا يستطيع عيش حياة سوية أو حياة سعيدة.

وجاء أول ظهور كلينيكي لمفهوم “التعافي” في سياق مجال الإدمانات (addictions) وعُني به “تعافي الشخص من اضطراب سوء تعاطي المواد المخدرة”، ثم تبنى مفهوم التعافي مؤخرًا في مجال الصحة النفسية بدلالاته نفسها في التعافي من الإدمان، ليقصد به “التعافي” من المرض النفسي.

وبعد سنوات عديدة من النظر إلى “المرض النفسي” على أنه حالة تمنع المبتلى به من عيش حياة هادفة ومنجزة، ظهرت رؤية جديدة أطلق عليها “رؤية التعافي” (Recovery Vision) مفادها أن كل شخص مهما كان مريضًا يمكنه الشروع في رحلة التعافي والتحول وعيش حياة هادفة مثمرة، ويعني بهذه الرؤية كذلك التأكيد على مفهوم “استعادة الذات” واستعادة العافية والفاعلية في الحياة والتوجه نحو تحقيق إمكانياته وقدراته إلى أقصى مدى ممكن.

تأسيسًا على هذه الرؤية قيل أن “التعافي الكلينيكي” يختلف عن “التعافي الشخصي”، ففي حين يركز في التعافي الكلينيكي على تناقص الأعراض المرضية أو اختفائها وعودة الشخص إلى حالته التي كان عليها قبل المرض، فإن التعافي الشخصي يتضمن دلالات أوسع من ذلك وينظر إليه أنه عملية فردية لكل شخص، وتشير إلى “تعديل الشخص لاتجاهاته، قيمه، مشاعره، أهدافه، أدواره، فضلًا عن اعتبارها طريقة في عيش حياة مُرضية ومُشبعة ومُفعمة بالأمل، فضلًا عن الإنجاز والإثمار في الحياة رغم القصور الذي يسببه المرض. يتضمن “التعافي” وفقًا لهذه الرؤية تطوير الشخص لحياة جديدة هادفة وذات معنى مع تجاوزه للتأثيرات السلبية للمرض النفسي.

ورغم حتمية التأكيد على قيمة العلاج الطبي الدوائي والنفسي وفائدته وفقًا لمنظور “التعافي الكلينيكي”، الأهم كذلك تبني ما يعرف بمنظور الشخص الكلي (whole person approach) الذي يُؤخذ في الاعتبار وعند التدخل مع الشخص: أحلام الشخص وطموحاته، رغبات الشخص وحاجاته، مكامن القوة ومظاهر التميز، والقدرات الشخصية الإيجابية.

من جانب آخر ورغم أن “رؤية التعافي” تشير بصورة أساسية للأفراد ذوي الأمراض النفسية، فإن اليقين السائد الآن أن “الأسر” في حاجة أيضًا إلى أن تبحر معهم في رحلة التعافي لتسهيل تعافي هؤلاء الأفراد وشفائهم وتمكينهم من تحقيق الهناء في الحياة، ذلك لأن المرض النفسي مسألة أسرية، أي تهم أفراد الأسرة كلهم ويحتاج أفراد أسرة الشخص المريض نفسيًا إلى المساندة للتمكن من التوافق والازدهار.

تأتي وجاهة الأخذ بمنظور التعافي الشخصي في الوقت الراهن نتيجة التحولات النوعية الحادثة في مجال الصحة النفسية، التي تؤصل لما يعرف بالمنظور الأكثر اتساعًا للصحة النفسية (A Wider Glance at Mental Health)، فالصحة النفسية عامل بالغ الأهمية لكل إنسان وربما تمثل الغاية الأساسية لكل إنسان، سواء كان مشخصًا أن لديه مرضًا نفسيًا، أو لأعضاء الأسرة كلهم، كما أن الأهمية النسبية لا تقل إن لم تكن تزيد عن أهمية الصحة الجسدية.

ويؤشر للصحة النفسية بصفة عامة بقدرة الشخص على استثمار إمكانياته وقدراته وتحقيق ذاته، والاستمتاع بالأشياء الصغيرة في الحياة، وبالقدرة على إدارة ضغوط الحياة ومتاعبها وظروفها العصيبة، فضلًا عن تأسيس علاقات اجتماعية إيجابية مع الآخرين والإنجاز الإيجابي في الحياة.

ويتسق هذا التصور مع التحول النوعي الحادث في مجال تعريف الصحة النفسية في الوقت الحالي، الذي يعرف بالتعريف التكاملي للصحة النفسية، الذي ينظر بموجبه إلى الصحة النفسية على أنها ليست محض غياب المرض أو العجز، بل تتضمن أيضًا حضور المشاعر الإيجابية أو ما يعرف بالهناء الانفعالي في الحياة (emotional well-being)، والأداء النفسي الوظيفي الأمثل على المستوى الشخصي فيما يعرف بالهناء النفسي (psychological well-being)، وعلى المستوى المجتمعي فيما يعرف بالهناء الاجتماعي (social well-being) وفقًا لتصورات كوري كيس عن فكرة “متصل الصحة النفسية”.

وانطلاقًا من هذا التصور عرّفت هيئة الصحة العامة في كندا (The Public Health Agency of Canada) الصحة النفسية/ طيب الحياة النفسية (mental health / psychological well-being) بأنها “قدرات كل شخص وقدراتنا جميعًا للشعور، التفكير، التصرف بطرائق تعزز قدراتنا على الاستمتاع بالحياة، والتعامل مع التحديات والمتاعب التي نتعرض لها، إنها شعور إيجابي بالهناء الانفعالي والروحي في ضوء أهمية الثقافة والمساواة والعدل الاجتماعي والتفاعل التبادلي، والكرامة الشخصية”.

ويتضح من المخططات التالية، أن متصل الصحة النفسية (mental health continuum) يتراوح ما بين: الصحة النفسية المثلى التي يعبر عنها بمصطلح “النماء والازدهار “( flourishing)، والصحة النفسية الأقل أو الأدنى ويعبر عنها بمصطلح “السكونية أو الركود” (languishing)، هذا من جانب، في حين يتراوح متصل “المرض النفسي” ما بين “عدم وجود مرض نفسي “( no mental illness)، إلى معاناة مرض نفسي خطير.

وتبعًا لذلك تفهم الصحة النفسية أنها مصفوفة، يمكن أن يتنقل الناس فيها من حالات الهناء أو طيب الحياة بصرف النظر عن المرض النفسي، ويمكن أن يحدث لهم النماء والازدهار أو الركود والسكونية بناء على الأداء النفسي الوظيفي للفرد والهناء الاجتماعي ووجود مؤشرات المرض النفسي أو عدم وجودها.

وعلى ذلك فإن “الشخص” الذي لديه مرض نفسي ربما ينمو ويزدهر، والعكس صحيح، فقد يحدث ركود وسكونية لدى الشخص الذي لا يعاني أي أمراض نفسية، بما يعني أن الأفراد الذي يشخصون أن لديهم مرضًا يمكنهم تحقيق مستويات مرتفعة من طيب الحياة أو الهناء في الحياة، مقارنة ببعض الناس ممن ليس لديهم مثل هذه الأمراض.

اقرأ أيضا: الصدق التجريبي لبرامج التدخل النفسي

حركة التعافي في أدبيات علم النفس كطرح مقابل للنموذج المرضي

وبدأت حركة التعافي في الظهور في المجال من السبعينيات من القرن العشرين ضمن سياق حركة الحقوق المدنية، التي تهدف إلى ضمان استعادة الحقوق الإنسانية والتقبل والدمج المجتمعي الكامل لذوي الأمراض والاضطرابات النفسية.

وينظر إلى مداخل التعافي في إطار التوجهات المعاصرة للإرشاد والعلاج النفسي أنه حركة بديلة للنموذج الطبي (medical model)، في مقاربة الأمراض النفسية وإدارتها في تأكيده على الاعتلالات النفسية ومظاهر القصور والضعف والاعتمادية.

لا يوجد في واقع الأمر وصف أو تعريف محدد ومتفق عليه لماهية “التعافي” بسبب تنوع دلالاته واختلافها من شخص إلى آخر، ورغم ذلك يكمن في بنية نماذج التعافي كلها التأكيد على أهمية: الأمل (hope)، تقرير الذات (self-determination)، إدارة الذات (self-management)، مناصرة الذات (Self- advocacy)، تمكين الذات (Self -empowerment). مع تأكيد تام أيضًا في نماذج التعافي كلها على الحق الشخصي للمضطرب أو المريض نفسيًا على الاندماج في حياة شخصية ذاتية مفعمة بالمعنى وفقًا لاختياراته وتفضيلاته، والتحرر من الوصمة والتمييز.

ويتميز مدخل التعافي بصفة عامة بعدد من الخصائص المركزية، تتمثل فيما يلي:

  • التعافي رحلة شخصية فريدة.
  • التعافي عملية إنسانية عادية أو سوية.
  • التعافي خبرة مستدامة أو متواصلة وليست منحنى له نقطة نهاية.
  • التعافي عملية لا يبحر في دروبها المضطرب أو المريض نفسيًا وحده.
  • التعافي عملية غير خطية تتضمن تداخلًا بين الإنجاز والعثرات.

وعلى ذلك التعافي جهاد لعديد من الناس، ينشأ من شدة الأعراض، والتأثيرات الجانبية للأدوية، والصدمة والألم الحالي والفائت، والظروف الاجتماعية الاقتصادية الصعبة، أو الخبرة باستخدام خدمات الصحة النفسية (Davidson & Roe 2007).

نموذج التعافي (Recovery Model):

نموذج التعافي أو مدخل التعافي (recovery approach) أو التعافي النفسي (or psychological recovery) مدخل في التعامل مع الاضطرابات النفسية والاعتماد على المواد المخدرة يؤكد فيه على الإمكانيات الشخصية للمريض أو المتعاطي على التعافي الذاتي وتقدم أشكال المساندة كلها التي تعينه على تحقيق هذا التعافي.

وينظر إلى التعافي وفقًا لنموذج التعافي على أنه “رحلة شخصية” أكثر من كونه مجموعة من النواتج، بل ربما يتضمن تنمية الأمل، الأمن النفسي، الشعور بالذات، العلاقات المساندة، التمكين، الاحتواء الاجتماعي، مهارات المواجهة والتوافق، المعنى الشخصي للحياة أو المعنى على إطلاقه (Elm, Lewis, Walters. & Jen, 2016).

نشأ مفهوم “التعافي” في سياق الصحة النفسية مع تزايد الدعوات إلى ما يعرف بحركة “تفكيك المؤسسات” (deinstitutionalization) ومناهضة فكرة “الرعاية الاحتجازية” للمرضى والمضطربين نفسيًا والتوجه نحو دمجهم واحتوائهم في المجتمع.

ويتضمن نموذج التعافي أو مدخل التعافي عناصر أساسية تحدد مسارات التعامل مع المرضى والمضطربين نفسيًا وآلياته، ويؤكد فيه على أن التعافي رحلة شخصية في مسارات عمليات نفسية شخصية عميقة فضلًا عن المصادر البيئية والمجتمعية، ووصف المتخصصون عددًا من الملامح أو العلامات الدالة على التعافي نظر إليها على أنها العناصر الجوهرية لنموذج التعافي يعبر عنها اختصار بجملة (CHIME) أي: الارتباط والتعلق، الأمل والتفاؤل، الهوية، المعنى والغرض، التمكين، ويمكن تناول هذه العناصر بشيء من التفصيل على النحو التالي:

1-   الترابط والعلاقات الداعمة أو المساندة (Connectedness and supportive relationships):

يقال إن من الملامح الأساسية للتعافي حضور الآخرين في حياة الفرد، إذ إن لهذا الحضور إمكانية ووزن نسبي معتبر في تحقيق تعافي الفرد من المرض والاضطراب النفسي ليقينه بأنه يوجد في حياته من يمكنه الاعتماد عليهم ويمثلون سندًا له عند الحاجة.

ووفقًا لنظرية العلاقة أو الارتباط الثقافي (Relational Cultural Theory) التي صاغتها وطورتها جين باكير ميلر (Jean Baker Miller) فإن “التعافي” يتطلب الثقة المتبادلة والاعتمادية المتبادلة الإيجابية، والتعاطف في العلاقات، ورأت جين باكر ميلر أن هذا الأمر يتطلب دخول الفرد في علاقات بين شخصية قوامها: الاحترام، الأصالة، الإتاحة أو التوافر والتواجد الانفعالي.

يترتب على “العلاقات الداعمة” تحقق للشعور بالسلامة والأمن النفسي مع تجنب الوصمة والشعور بالخزي والعار أو العدوان.

وإذا كان الخبراء المهنيون العاملون في مجال الصحة النفسية يقدمون نوعًا من العلاقات الإيجابية التي تساعد في تحقيق الأمل، إلا أنّ العلاقات مع الأصدقاء والعائلة والمجتمع المحلي تمثل نطاقًا ومجالًا أوسع وأكثر أهمية في هذا الصدد تساعد المريض والمضطرب نفسيًا على التخلص من مشاعر العزلة، وتنمية شعوره بتقدير الذات، وبناء عليه تحقيق جزء معتبر من التعافي.

2-  الأمل (Hope):

لا ريب في أن تنمية الشعور بالأمل في التكوين النفسي للمريض والمضطرب نفسيًا عامل أساسي في تحقيق التعافي. ويقال إن “الأمل” لا يكافئ “التفاؤل” (optimism) بل هو اعتقاد دائم لدى الفرد ورغبة متأصلة فيه تدفعه نحو الجلد والمثابرة في التخلص من العثرات والتحديات والإخفاقات.

عادة ما ينشأ الأمل عند نقطة تحول معًا، أو قد ينشأ بصورة تدريجية ويمثل في نهاية الأمر تكوينًا نفسيًا يعبر عن القدرة على رسم وتخطيط مسارات (pathways) تحقيق الأهداف المرغوبة رغم العقبات، فضلًا عن اقتران هذه القدرة بتحمس الشخص وامتلاء بنيته النفسية بدافعية للإبحار في هذه المسارات وإنفاذها سلوكيًا بشعور بالجدارة والاقتدار (agency).

3-  الهوية (Identity):

التعافي مثل استعادة للشعور بالذات بعد فقدانها أو تميع ماهيتها يمثل عنصرًا أساسيًا في مسار امتلاك زمام الذات والاندفاع باتجاه تحقيق الهناء في الحياة بعد المرض أو الاضطراب. تفيد مراجعة نتائج البحوث العلمية في المجال أن هذا الأمر يمكن أن يتحقق في البداية بما يعرف “بالانسحاب الإيجابي” (positive withdrawal) كمرحلة يعيد فيها الشخص تنظيم ذاته في سياق الاندماج الاجتماعي من أجل التحرك نحو الآخرين بطريقة تشعر بالأمن في ظل وجود مساحة آمنة تسمح له بفهم ذاته وإثراء نطاق شعوره بذاته وعمقه واهتماماته وتوجهاته الروحية وتوسيعها.

وعادة ما تتعزز هذه العملية نتيجة عودة الشخص بالتدريج بعد انسحابه الاجتماعي الإيجابي إلى الاقتراب التدريجي من الخبرات الحياتية التي تيسر “التقبل بين الشخصي” (interpersonal acceptance)، والتواد والاعتماد التبادلي الإيجابي، والشعور بالانتماء الاجتماعي.

4-  تكوين استراتيجيات توافق ومواجهة سوية ومخططات داخلية هادفة وذات معنى (Formation of healthy coping strategies and meaningful internal schema):

يعد تطوير الشخص لاستراتيجيات مواجهة فعالة بما فيها من إدارة للذات ومساعدة الذات ملمحًا وعنصرًا أساسيًا من “التعافي”، ويمكن أن يتضمن ذلك استخدام الأدوية أو العلاج النفسي إذا كان المريض واعيًا ومدركًا ومسلحًا بعتاد نفسي يمكنه من استثمار استراتيجيات المواجهة والتوافق الإيجابية واستخدامها في رحلة تعافيه.

ويقتضي هذا العنصر تعلم مهارات التوافق وتنميتها وحل المشكلة ليتمكن الفرد من إدارة سماته الفردية وحل مشكلاته.

5-  التمكين وبناء قاعدة آمنة (Empowerment and building a secure base):

يعد التوجه نحو تأسيس ثقافة إيجابية عنصرًا أساسيًا في مدخل “التعافي”، ولما كان التعافي عملية طويلة، فإنها تستلزم شبكة مساندة قوية، فضلًا عن السكن المناسب والدخل الكافي وعدم التعرض للعدوان ويسر الحصول على الرعاية الصحية، كونها أدوات مهمة لتمكين الشخص وزيادة كفايته الذاتية أو كفاية الذات (self-sufficiency).

من جانب آخر ينظر إلى “التمكين”، و”تقرير الذات” (self-determination) أنه محدد جوهري في التعافي وخفض التأثيرات الاجتماعية والنفسية للمشقة أو الضغط والصدمة. ووفقًا لنظرية تمكين النساء (Women’s Empowerment Theory) يتطلب التعافي من المرض النفسي وسوء تعاطي المواد المخدرة والصدمة مساعدة الناجين على فهم حقوقهم مع زيادة قدرتهم على القيام باختيارات ذاتية بالاعتماد على الذات.

ويفضي مثل هذا التمكين إلى تطوير الذات والاعتماد على الذات وصنع القرارات التوكيدية وطلب المساعدة، وتحقيق الاحتواء الاجتماعي والتغلب على متاعب الوصمة الاجتماعية والتحيز السلبي ضد المشاق والاضطرابات النفسية.

اقرأ عن: الصحة النفسية، تعريفها، أهدافها، أسبابها، وكيفية تعزيزها

نماذج التعافي الشخصي

تعددت النماذج النظرية التي طرحت لوصف ما استقر على تسميته في مجال الصحة والعلاج النفسي “رحلة التعافي الشخصي” وتفسيره، يتمثل أبرزها في:

نموذج أندرسون، أوديس وكابوتي (Andresen, Oades and Caputi 2003, 2006, 2011):

تمكن أندرسون، أوديس وكابوتي ( (Andresen, Oades and Caputi 2003, 2006, 2011بعد دراسة عديد من دراسات الحالة لمرضى ومضطربين نفسيًا ممن تحقق لهم التعافي الشخصي من تطوير نموج نظري لعلميات التعافي يمكن الاسترشاد به في مجال البحوث والتدريب، فضلًا عن تزويد الكلينيكيين بالممارسات الكلينيكية الأكثر فاعلية، ويركز في هذا النموذج على وصف وتفسير أربع عمليات أساسية في التعافي الشخصي تتمثل فيما يلي:

  • بناء الأمل والعمل على استدامته (Finding and maintaining hope): ويقصد بذلك مساعدة الشخص في إيجاد معنى لحياته والكشف عنه والتمسك به، في ضوء تنمية ثقته بذاته، وتمكينه من الشعور بالجدارة والاقتدار الشخصي، وتنمية توجهات تفاؤلية نحو المستقبل.
  • إعادة تأسيس هوية إيجابية (Re-establishment of positive identity): ويتضمن تمكين الشخص من التعامل مع مظاهر المرض النفسي برؤية إيجابية قوامها أنها مرحلة مؤقتة في حياته ويمكن تجاوزها ولا علاقة لها بتكوينه ولا هوية ذاته، الأمر الذي يستدعي التركيز على تمكينه من تكوين هوية ذات إيجابية تتضمن تقبل الذات وتقديرها، وتحديده لأهدافه في الحياة وموقفه منها.
  • تأسيس حياة هادفة مفعمة بالمعنى (Building a meaningful life): ويكون ذلك بالتدبر في المرض أو المشقة الانفعالية وتبين معاناتها، والتوصل إلى معنى الحياة حارج نطاق المرض، فضلًا عن الاندماج في الحياة.
  • تحمل المسئولية والسيطرة (Taking responsibility and control): ويتضمن ذلك شعور الشخص بسيطرته على مرضه وعلى مشاقه والسيطرة على الحياة عمومًا.

تعريف التعافي الشخصي ومراحله

يعرف التعافي الشخصي في سياق الممارسات المهنية للعلاج النفسي بأنه “تمكن المريض أو المضطرب نفسيًا من تكوين حياة هادفة وهانئة ومثمرة وعيشها في المجتمع سواء ظلت لديه أعراض المرض أو الاضطراب النفسي أم اختفت”.

وتختلف نماذج وصف التعافي الشخصي وتفسيره وفقًا للمنطقة أو المحطة التي يكون فيها الشخص في أثناء مسار رحلته نحو التعافي، ففي المرحلة الحادة من المرض أو الاضطراب ربما تتناقص قدرة الشخص على نحو شديد وتتبدى عليه متاعب ومشكلات مرهقة، الأمر الذي يحتم أن التوجه نحو تخفيف مظاهر الكرب والمشقة وعبء الأعراض، فضلًا عن ضمان سلامته هو، مناط تركيز العلاج والرعاية، ثم يلي ذلك العمل على استعادة الشخص لقدرته على تقرير ذاته أو الاندماج في الحياة بما يمثل المرحلة الثانية من مراحل العلاج والمساندة، ثم تأتي بعد ذلك المرحلة الثالثة بعد تحسن قدرة الشخص وتستهدف توفير فرص متنوعة لتطبيق استراتيجيات التعافي الأوسع، التي يتحقق مع تطبيقها تحقيق الذات وطيب الحياة أو الهناء في الحياة.

التعافي والصحة النفسية (Recovery and Mental Health)

(Slade & Wallace, 2017)

أولًا: مقدمة

يستخدم مصطلح “التعافي” (recovery) على نطاق واسع في نظم الصحة النفسية كلها على المستوى العالمي. وعادة ما نتعامل مع أبعاده وصفًا وتفسيرًا من منظورين مختلفين: الأول المنظور الإمبيريقي المعتمد على الشواهد (Resnick, etal., 2005)، والثاني المنظور التصوري أو المفاهيمي (Whitley and Drake, 2010) .

ومع ذلك قد يكون من المفيد تناول مصطلح “التعافي” على مستويين ربما متناقضين في التحليل، يطلق على المستوى الأول اسم: التعافي الكلينيكي (clinical recovery) ويقصد به تعافي أو برء الشخص من الاعتلالات وصعوبات الصحة النفسية وفقًا لمؤشرات موضوعية تقيم بالمحكات التشخيصية ويعتمد فيها على اختفاء الأعراض الدالة على الاضطراب أو زوالها كما يقدرها الاختصاصي الكلينيكي المهني، ويطلق على المستوى الثاني: التعافي الشخصي (personal recovery) ويقصد به تحقق التعافي مع وجود صعوبات الصحة النفسية كما تقدر من الشخص أو المريض، فضلًا عن مدى توافر مؤشرات أو ملامح تعكس: شعوره بالأمل، ومعرفته بهويته، واعتقاده في معنى الحياة، وتحمله للمسئولية الشخصية (Slade, 2009b) .

ويكمن وراء المعنيين أو المستويين مجموعة من القيم والتوقعات التي يضعها الاختصاصيون المهنيون في الصحة النفسية وخدماتها في اعتبارهم في أثناء تقديم خدمات التقييم والتشخيص والعلاج الكلينيكي. ويعكس التمييز بين هذين المعنيين والمستويين الجدل الدائر بشأن الهدف الرئيسي لنظم الصحة النفسية في ضوء التباين في المداخل النظرية والأطر المرجعية المعمول بها.

ثانيًا: التعافي الكلينيكي (Clinical recovery)

نشأ مفهوم التعافي الكلينيكي في إطار الدراسات البحثية التي استهدفت التحقق من فاعلية برامج التدخل العلاجي ذات الطابع المهني، واعتمد في تصويره على أربعة ملامح أساسية:

  • دلالاته كونه ناتجًا أو حالة تعتمد على ثنائية تعافي الشخص أم عدم تعافيه، أي استمرار أعراض الاضطراب النفسي أو تلاشيها.
  • التقييم المرتكز على القابلية للملاحظة، وبلغة كلينيكية الخاصية الموضوعية وليست الذاتية للتعافي، أي الحكم المعتمد على الدليل وليس على وصف الشخص لحالته من رؤاه وتصوراته الشخصية.
  • يُقدّر الخبيرُ الكلينيكي التعافيَ، وليس المريض.
  • لا يختلف تعريف مفهوم التعافي من فرد إلى آخر.

وصاغ الخبراء المهنيون العاملون في مجال الصحة النفسية غالبية تعريف مفهوم التعافي، ومن التعريفات واسعة الاستخدام في المجال أن التعافي إما يتضمن اختفاء الأعراض الدالة على الاضطراب، الأمر الذي يعيد المريض كليًا أو جزئيًا لفاعليته في الحياة في التعليم أو العمل وعيش حياة عادية دون إشراف من المحيطين المقربين منه، وامتلاكه لأصدقاء يتبادل معهم التفاعل ويشاركهم الأنشطة، على أن تستمر ملامح التعافي لمدة سنتين (Libermann & Kopelowicz, 2002).

لا يختلف مفهوم التعافي وفق هذا المعنى باختلاف الأفراد، بما يعني السهولة النسبية في تعريف الدراسات الإمبيريقية التدخلية وقياسها والتحقق من فاعليتها، فعلى سبيل المثال أفادت نتائج الدراسات الكلينيكية التي أجريت على الفصام فيما يتعلق بقياس التعافي وتقييمه في أثناء فترة متابعة لمدة (20) سنة أن معدلات التعافي تزيد عن (50%) وعُدَّ ذلك معيارًا عامًا في هذا المجال (Slade, etal., 2008).

ومع ذلك، فإن الافتراضات الجوهرية عن “السواء” (normality) عادة ما تتضمن تحديد ماهية التعافي الكلينيكي (clinical recovery)، ويثير هذا التعريف عديد من الأسئلة المفترض الإجابة عنها لفهم “التعافي” أنه ناتج (recovery as outcome). من هذه الأسئلة: كم عدد الأهداف التي يجب تحقيقها لكي يُعَد الناتج دالًا على التعافي؟ ولهذا الشأن، ما كمية النجاح في الحياة التي يمكن اعتبارها دالة على السواء؟ (Ralph & Corrigan, 2005: 5).

وظهر بالتوازي مع مفهوم التعافي الكلينيكي مفهم التعافي الشخصي، ليقدم فهمًا مختلفًا لمستخدمي خدمات الصحة النفسية وحركة التعايش، يقاس فيه التعافي من وجهة نظر الحالة أو المريض وفقًا لمعايير ذاتية.

اقرأ ايضاً: من تاريخ الطب النفسي

ثالثًا: التعافي الشخصي (Personal Recovery)

عادة ما ينظر إلى التعافي الشخصي في مقابل التعافي الكلينيكي وفقًا لعدة أمور على النحو التالي:

  • التعافي الشخصي عملية أو متصل.
  • التعافي الشخصي يعرف عادة ذاتيًا أي من الشخص نفسه.
  • التعافي الشخصي يقدر عن طريق خبرة الشخص ومعاناته الشخصية وتقديره الذاتي لمتاعبه ومشكلاته، بوصفه هو الخبير بذاته والمعتمد عليه في تحديد مدى تعافيه.
  • يعني التعافي الشخصي أشياء مختلفة باختلاف الأشخاص، على الرغم من وجود ملامح عامة ومشتركة بين كل الناس.

ويركز في التعافي الشخصي على نقاط مختلفة عن التعافي بالمعنى الكلينيكي، ففي التعافي الشخصي يعد التعويل على مفهوم “الأمل (hope)، الهوية (identity)، المعنى (meaning)، المسؤولية الشخصية (responsibility)” نقطة التركيز الجوهرية، ومن ثم تقاس الصحة النفسية وفقًا لماهية التعافي الشخصي بالمعنى السابق بناء على مدى توافر مؤشرات تعكس: الأمل والمعنى والهوية والمسؤولية الشخصية (Andresen, etal., 2003).

ويعد تعريف بيل أنتوني (Bill Anthony) للتعافي من التعريفات الأكثر ترددًا في أدبيات المجال وفي سياسات التعافي على المستوى العالمي، ومفاده أن التعافي “عملية شخصية وفريدة من نوعها لتغيير اتجاهات الشخص وقيم مشاعره وأهدافه ومهاراته وأدواره على مستوى بنيته النفسية العميقة”، وعلى ذلك فالتعافي وفقًا لذلك “طريقة لتمكين الشخص من عيش حياة مرضية مفعمة بالأمل والإنجاز في ظل مظاهر القصور والقيود التي يفرضها المرض أو الاضطراب”.

وتأسيسًا على ذلك تتضمن عملية التعافي تمكين الشخص من تطوير معانٍ وأغراض جديدة لحياته تتجاوز التأثيرات المأساوية للمرض النفسي (mental illness)، ويتحقق بها ازدهاره ونماؤه في ظل وجود الاضطراب أو المرض (Anthony, 1993).

وعلى ذلك لما كان لمفهوم التعافي معنى شخصي ذاتي لكل فرد، من الصعب إذًا تحديد تعريف عام متفق عليه، ومع ذلك في دراسة استخدم فيها تكنيك (Delphi) على (381) من المشاركين الذين مروا جميعهم بمعاناة خبرة “الذهان” (psychosis) أي الاعتلالات العقلية، اتفق العدد الأكبر منهم على جملة “التعافي: تحقيق جودة حياة مقبولة على المستوى الشخصي”، و”التعافي أن تشعر بتقبلك لذاتك وأنك على ما يرام أو أن تشعر بأن ذاتك جيدة” (Law & Morrison, 2014).

تأسيسًا على ما تقدم فإن هذا التمييز في فهم التعافي من المنظور الكلينيكي ومن المنظور الشخصي يجعلنا أمام تصورين مختلفين للتعافي عادة ما يعبر عنهما بصيغة “التعافي من “(recovery from)، و”التعافي في” (recovery in) (Davidson et al., 2008)، أو التمييز بين ما يعرف بنموذج التعافي من منظور علمي، ونموذج التعافي من منظور العميل أو المستهلك (scientific versus consumer models of recovery) (Bellack, 2006)، أو التعافي الكلينيكي في مقابل التعافي الشخصي (clinical recovery versus personal recovery) (Slade, 2009a)، أو التعافي الكلينيكي في مقابل التعافي الاجتماعي (clinical recovery or versus social recovery) (Secker et al., 2002).

ورغم حتمية التعافي الكلينيكي إلا أن التصور الثاني للتعافي الذي يعني به التعافي الشخصي يؤصل للسياسية أو للخدمات الكلينيكية التي تعزز التعافي بإعطاء تصور تكاملي أكثر شمولية للتعافي كونه هدفًا مركزيًا للممارسات المهنية الكلينيكية.

رابعًا: إطار مرجعي تصوري للتعافي الشخصي (The CHIME framework)

لتقديم إطار مرجعي تأسيسًا على مفهوم التعافي الشخصي من حيث ماهيته وأبعاده ومؤشراته أمكن طرح ما يعرف بنموذج (The CHIME framework) بناء على التحليل البعدي لعديد من الدراسات والأعمال العلمية والبحثية (Leamy et al., 2011; Slade et al., 2012b; Bird, 2014c; Prochaska & DiClemente, 1982; Wyder, 2014; Eriksen, 2014)، الذي يتضمن خمسة أبعاد أساسية يمكن الانطلاق منها في تطوير تدخلات علاجية جديدة في المجال:

 (1) الارتباطية القائمة على التعلق بالآخرين تقبلًا وتوادًا معهم (Connectedness)

رغم أن عديد من السياسات (South Australian Social Inclusion Board, 2007)، والكتب العلمية (Boardman, etal., 2010) أكدت على أهمية “التضمين والاحتواء الاجتماعي “( social inclusion)، فإن البحوث الإمبيريقية في التدخلات العلاجية التي استهدفت تحسين “التعلق والارتباط الاجتماعي” محدودة (Tew, 2012).

وتتأسس الشواهد الأقوى على التعافي الشخصي من الدراسات البحثية التي كشفت عن أهمية “العمل” والأنشطة المفعمة بالقيمة والمعنى والدلالة (Crowther et al., 2001)، مع التحول من نظام التسكين الفردي إلى نموذج المساندة الاجتماعية (Killackey,et al., 2008).

ويوجد أدلة علمية معتبرة تفيد بأن التدخلات الكلينيكية التي تستهدف تعزيز العلاقات الإيجابية المتبادلة مع الآخرين وتوسيعها ومساندتها، بما تتضمنه من فوائد تأثيرات التقاء الشخص بالآخرين وتأثيرات ذلك على تخفيف معاناته النفسية (Repper & Carter, 2011)، ويأتي في هذا الصدد أيضًا التأثيرات الطفيفة لما يعرف بجماعة مساندة الذات التبادلية (Slade, 2009b).

وتأكيدًا لهذا البعد تأتي إسهامات ما يعرف بعدد من الجماعات المناهضة للوصمة (anti-stigma campaigns) التي استخدمت ثلاثة مداخل عامة: المحاضرات والمعلومات التعليمية، الفيديوهات الإعلامية، التواصل الاجتماعي بين الأفراد الذين يعانون خبرة الاضطراب النفسي.

وتفيد نتائج الدراسات البحثية التي استخدمت صيغ تدخل كلينيكي معتبرة أن التواصل الاجتماعي المباشر مع ذوي مشكلات الصحة النفسية كان أكثر الطرق فاعلية في تغيير الاتجاهات نحو المشكلات النفسية (Clement, 2011; Henderson et al., 2012).

(2)  الأمل والتفاؤل

ويتضمن اعتقاد الشخص في التعافي، مقترنًا بدافعيته للتغير، وتأسيسه لعلاقات تبث الأمل وتنشره، والتفكير الإيجابي وتقدير النجاح، وامتلاك أحلام وطموحات.

(3)  الهوية

بما تعكسه من قدرة الشخص على تأسيس هوية ذات إيجابية، والتغلب على الوصمة.

 (4) المعنى

بما يعكس تفهم الشخص لمعنى “معاناة المرض النفسي” والخبرة به، على أن يقترن ذلك بامتلاء بنيته النفسية بالتوجهات الروحية في الحياة والتوجه نحو تأسيس حياة مفعمة بالمعنى، والالتزام بأدواره الاجتماعية فيها وتمسكه بأهداف اجتماعية يستهدف بها الارتقاء بنوعية حياة الآخرين.

(5)  التمكين

ويقصد امتلاك الشخص لعتاد نفسي وعقلي واجتماعي وانفعالي داعم لقيامه بالمسؤولية الاجتماعية، وضبط مسار حياته ووجهتها ومحتواها وتنظيمها، فضلًا عن التركيز على مكامن قوته وبصمات تميزه.

خامسًا: فلسفة علم النفس الإيجابي من منظور مارتين سليجمان

لا ريب في أن مهارات تمكين الإنسان من الازدهار والارتقاء، من امتلاك انفعالات إيجابية، من اليقين بمعنى الحياة، من التوجه نحو العمل المثمر والجيد، من تأسيس علاقات اجتماعية إيجابية دائمة مع الآخرين أهم بل وتفوق مهارات تقليل المعاناة وإزالة التعاسة.

إن مهارات تمكين الإنسان من الازدهار والارتقاء المحدد الأساسي لهنائه وطيب حياته وتنعمه وصحته النفسية الإيجابية، في الوقت نفسه تخفف من مظاهر الاعتلال النفسي. (من تقديم مارتين سليجمان لكتاب: الهناء، التعافي، الصحة النفسية). تحرير د. لندساي أوديس ومايك سلاد وآرون جاردين (2017).

 المصدر:

Slade, M. & Wallace, G. (2017). Recovery and Mental Health. In, Mike Slade, Lindsay Oades and Aaron Jarden, Wellbeing, Recovery and Mental Health, (PP: 24-34). Cambridge: Cambridge University Press.

 للمزيد راجع:

1- Recovery model: https://en.wikipedia.org/wiki/Recovery_model

2- What is recovery?: https://amiquebec.org/what-is-recovery/

3- Anthony, WA. (1993) Recovery from mental illness: the guiding vision of the mental health service system in the 1990s, Psychosocial Rehabilitation Journal, 16,11-23.

4- What is Recovery and Wellbeing?: https://www.researchintorecovery.com/what-is-recovery،. /

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

د . محمد السعيد أبو حلاوة

اختصاصي الصحة النفسية والإرشاد النفسي، كلية التربية جامعة دمنهور