
يشهد علم النفس التربوي في العقود الأخيرة تحولًا جوهريًا في منهجيته البحثية، يتمثل في الانتقال من النماذج العرضية الساكنة إلى النماذج الطولية الديناميكية، التي تسمح بدراسة العلاقات السببية عبر فترات زمنية متعددة. ويأتي التحليل السببي الطولي (Longitudinal Causal Modeling) بصفته أحد أهم الأدوات الإحصائية المتقدمة التي تمكن الباحث من تتبع مسار العلاقات النفسية والتربوية بين المتغيرات، وفهم كيف تتغير هذه العلاقات بمرور الوقت. هذا الاتجاه لا يكتفي بالكشف عن الترابطات الآنية، بل يتعمق في دراسة الاستمرارية والنمو والتأثيرات السببية المتبادلة بين الظواهر النفسية عبر الزمن.
أولًا: مفهوم التحليل السببي الطولي:
التحليل السببي الطولي أسلوب إحصائي يعتمد على بيانات جُمِعت في أكثر من نقطة زمنية لقياس المتغيرات نفسها لدى الأفراد نفسهم، بهدف الكشف عن العلاقات السببية المتبادلة بين المتغيرات مع مرور الوقت.
وينفذ هذا النموذج عادة باستخدام تقنيات النمذجة بالمعادلة البنائية الطولية (Longitudinal SEM)، مثل:
- نماذج السببية المتبادلة (Cross-Lagged Panel Models).
- نماذج النمو الكامن (Latent Growth Models).
- النماذج المختلطة الطولية (Latent Change Models).
تتيح هذه النماذج دراسة التأثيرات السببية المتبادلة بين المتغيرات عبر فترات زمنية متعاقبة، مما يساعد على التمييز بين التأثيرات السابقة واللاحقة وتحديد اتجاه السببية على نحو أكثر دقة من الدراسات العرضية.
ثانيًا: أهمية التحليل السببي الطولي في علم النفس التربوي:
يكتسب هذا النموذج أهمية كبيرة في البحث التربوي والنفسي لأنه يتعامل مع طبيعة العمليات النفسية والسلوكية المستمرة والمتغيرة بمرور الوقت. يمكن تلخيص أهميته فيما يلي:
(1) فهم دينامية التغير النفسي:
يسمح النموذج بتتبع التغيرات في المتغيرات النفسية (مثل الدافعية، الثقة بالنفس، القلق الأكاديمي) لدى المتعلمين، والكشف عن كيفية تطورها أو تراجعها في مراحل التعليم المختلفة.
(2) تمييز الاتجاه السببي بدقة:
يتيح تحديد ما إذا كانت الدافعية تؤثر على التحصيل لاحقًا، أم أن التحصيل هو الذي يعزز الدافعية في الفترات اللاحقة، مما يساعد في بناء تدخلات تربوية قائمة على الأدلة.
(3) قياس الاستقرار الزمني للمتغيرات:
إذ يمكن معرفة مدى ثبات المتغيرات النفسية (مثل الاتجاهات، القيم، أو سمات الشخصية) بمرور الوقت، أو مدى قابليتها للتغير بفعل العوامل البيئية والتربوية.
(4) تقييم فعالية البرامج التربوية:
يستخدم النموذج لمتابعة أثر برنامج إرشادي أو تدريبي عبر الزمن، لمعرفة استدامة نتائجه وتأثيراته المتأخرة (Delayed Effects).
ثالثًا: مكونات النموذج السببي الطولي عبر الزمن
يتكون النموذج عادة من العناصر التالية:
أ. المتغيرات الكامنة (Latent Variables):
تمثل البنى النفسية مثل الدافعية الأكاديمية، أو الذكاء الانفعالي، التي يُقاس عن طريقها مجموعة من المؤشرات أو البنود في كل فترة زمنية.
ب. المتغيرات المقاسة (Observed Variables):
هي البنود أو الأسئلة أو المقاييس التي تُستخدم كونها مؤشرات للمتغير الكامن.
ج. الروابط السببية الزمنية (Cross-lagged Paths):
تربط المتغيرات في الزمن (T1) بنظيراتها أو بمتغيرات أخرى في الزمن اللاحق (T2)، لتوضيح التأثير السببي عبر الزمن.
د. الروابط الثابتة (Autoregressive Paths):
تمثل تأثير المتغير على نفسه في الزمن اللاحق، مثل ثبات الدافعية الأكاديمية من فصل دراسي إلى آخر.
ه. أخطاء القياس (Measurement Errors):
وهي الانحرافات الناتجة عن عدم دقة القياس، وتدرج في النموذج لتصحيح تقديرات العلاقات الحقيقية.
رابعًا: تطبيق تربوي في علم النفس التربوي
تطبيق: دور الدافعية الأكاديمية بصفتها متغير وسيط في العلاقة بين الذكاء الانفعالي والتحصيل الدراسي عبر فترتين زمنيتين:
في هذا التطبيق، يفترض الباحث أن الذكاء الانفعالي في بداية العام الدراسي (T1) يؤثر في مستوى الدافعية الأكاديمية بعد منتصف العام (T2)، التي بدورها تؤثر على التحصيل الدراسي في نهاية العام (T3).
يمكن أن يكشف التحليل السببي الطولي النتائج التالية:
- تأثير غير مباشر (Mediated Effect): فتظهر النتائج أن الذكاء الانفعالي لا يؤثر مباشرة على التحصيل، بل عن طريق رفع مستوى الدافعية الأكاديمية بمرور الوقت.
- ثبات الدافعية (Stability Coefficient): تظهر النتائج أن مستوى الدافعية يحتفظ بجزء من ثباته عبر الفترات الزمنية.
- التأثيرات المتبادلة (Reciprocal Effects): قد تكشف النتائج أن التحصيل المرتفع في الفترة الأولى يعزز الذكاء الانفعالي لاحقًا، مما يشير إلى علاقة تبادلية وليست أحادية الاتجاه.
يعد هذا النوع من النماذج ثروة معرفية للباحثين التربويين، لأنه يمكّنهم من تصميم استراتيجيات تعليمية تستند إلى أدلة سببية حقيقية وليست محض ترابطات آنية.
خامسًا: أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من النموذج:
معاملات الثبات الزمني (Autoregressive Coefficients): إذ تظهر مدى استقرار كل متغير بمرور الزمن.
- المعاملات السببية المتبادلة (Cross-Lagged Coefficients): إذ تحدد اتجاه العلاقة السببية بين المتغيرات المختلفة عبر الزمن.
- التأثيرات المباشرة وغير المباشرة: إذ تسمح بفهم العلاقات الوسيطة والمركبة بين المتغيرات، وتوضيح مسارات التأثير غير المباشر.
- مؤشرات جودة النموذج (Fit Indices) مثل:
- RMSEA (Root Mean Square Error of Approximation)
- CFI (Comparative Fit Index)
- TLI (Tucker-Lewis Index)
وتستخدم لتقييم مدى مطابقة النموذج للبيانات الواقعية.
على ضوء ذلك فإن التحليل السببي الطولي يمثل نقلة نوعية في منهجية البحث التربوي والنفسي، إذ ينقلنا من النظرة الثابتة إلى النظرة الديناميكية التي تراعي التطور الزمني للعلاقات الإنسانية. وبفضل أدواته الإحصائية المتقدمة، أصبح بالإمكان الكشف عن التأثيرات السببية الحقيقية التي تفسر النمو النفسي والمعرفي عبر الزمن.
إن تبني هذا الأسلوب في الدراسات التربوية يسهم في بناء سياسات تعليمية أكثر فاعلية، قائمة على فهم معمق لكيفية تطور السلوك والتعلم والدافعية لدى الطلاب في ضوء العوامل الانفعالية والمعرفية والاجتماعية.
مقالات ذات صلة:
لحظة الكشف العلمي من الخيال إلى الواقع
* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.
_________________________________
لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا
لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا