مقالات

الاستقبال فين؟!

رأيتها  عند مدخل مستشفى الأطفال تحمل طفلها الصغير الذى ما زال  لا يقدر على عد سنوات عمره على يده ، وخوفها يصرخ ” الاستقبال فين؟! “. كان الطفل يتنفس بالكاد و ارتخى جسده كأنما استغنى عن المقاومة ، كان يبدو مستسلما للموت..

الأم  قلبها انخلع خوفا ؛ فالحياة  والموت يتصارعان على  جسد  صغيرها وتبدو الحياة فى محاولات انتصارها أنها  نسمة رقيقة تريد أن توقف عاصفة!

ذعر الأم وحال الطفل يجعلان من يراها يدلها على مكان الاستقبال وينبه من يقف فى طريقها حتى يبتعد وتصل إلى مبتغاها.

لماذا أصابها الذعر؟

لماذا لم تترك الأم طفلها حتى ينتهى الصراع بين الموت والحياة على جسده! الصراع الذى بدا محسوما لصالح الموت؟

اضغط على الاعلان لو أعجبك

لماذا من حولها وجهوها إلى مكان الاستقبال؟

لماذا فى الاستقبال يتواجد أشخاص ( أطباء و تمريض و تقنيين و…) مهمتهم المحاولة بكل ما أوتوا من علم  وأدوات وقدرة أن ينتصروا للحياة ما استطاعوا! ، أن ينتصروا لبراءة الجسد ما استطاعوا!

فى الحقيقة لست بالبرود الكافى (إن صح التعبير) لتكون الأسئلة السابقة هى أول ما واجهته نفسى لما رأيت الأم وطفلها ، بل كان أولها:

لماذا الألم ؟! لماذا المرض؟!  لماذا الشر؟! لماذا الخراب هو الغالب فى عالمنا؟!

وأسئلة كهذه عندما تواجهنا؛ فأثرها بالتأكيد ليس كأثر سؤال ماذا تحب أن تأكل اليوم؟ أو “تفتكر ايه النتيجة المتوقعة لماتش النهاردة؟”

أرغمت جسدى على الرحيل بعيدا عن الأم وطفلها والمستشفى والاستقبال وعدت إلى البيت.

لكن التساؤلات وآلام النفس ليست كالجسد نرغمه على الرحيل فيستجيب ! ربما تقودنا هى إلى الرغبة فى الرحيل عن هذا العالم !  الرحيل إلى أين؟! لا ندرى!!

لم يكن هذا المشهد أول ما رأيت فى حياتى  وآثار التساؤل والألم!  فكلنا يرى الكثير منذ الطفولة فى الشوارع والإعلام والتاريخ ! ظلم و تنكيل وتعذيب وقتل وتدمير وجريمة و إفساد !

و لأنها لم تكن أول مرة؛ فبالتأكيد عندى  -للحظات- ثورة للنفس على الشرور والآلام  ما يطفئ  لهيب الفوضى المؤلمة تلك. والطرائق كثيرة و البشر مختلفون وكل له طريقته فى التصبر!

منا مثلا من يتذكر كلمات يحفظها ويؤمن بها و يرددها إن رأى مصابا فى نفسه أو فى  العالم  وهذا الإيمان يكفل له سلامة نفسه فيصبر!

منا من يتفلسف ويقول بعدمية الشر، لأن الكون له خالق هو إله مطلق الخير، أما الشرور والآلام التى يراها الإنسان فهى كذلك  فقط من وجة نظره وحدود أفقه الضيق كإنسان (نسبية الشر) فيتصبر المتعقل بالفلسفة الإلهية على المصاب ويظن فى كل حدث خيرا!

ومنا –نحن البشر- من يهوى اتهام العالم  بأن أصله الفساد  والإنسان شرير بطبعه ولا يمكن أن يكون غير ذلك  وهلم جرا من الفلسفات التشاؤمية ! ولا أدرى لو هذه النظرة  صحيحة فلماذا مازلنا نتألم من الشر طالما هو أصلنا وهو أصل عالمنا؟!

و منا- نحن البشر- من نجحت أجهزة  المسخ  -الإعلام- فى تدجينه فصارت عينه مجرد كاميرات ترصد وأذنه  مجرد آلة  تسمع وانفصل عنه الشعور من كثرة ما يراه من خراب وتخريب فأصبح  عاديا عنده مشاهد آلام عالمنا! أما إذا تألم -هو- بالفقد أو المرض أو الخسارة فجأة  ربما فى ذلك فرصة  تضطره للانتباه!

حسنا! ربما هناك طرائق أخرى لا أعلمها  يهدئ بها الإنسان  ثورة تساؤلاته عن الشر!

لكن الأهم الآن :هل إطفاء نار تثيرها التساؤلات فى نفوسنا  مرة و مرات غيرت شيئا فى عالمنا  فصار العالم  أقرب إلى ما نريد ونطمع! هل صار العالم أقل بؤسا وخرابا!

هل لما طردنا بالتفلسف والإيمان قلقنا الوجدانى بسبب مما نرى من شرور وآلام، طردنا فعلا الشر الدخيل الذى يقتحم حياتنا يوميا؟!

تدرى! إنه من الجمال : قدرتنا على تذكر المشاهد  حلوها ومرها! خيرها وشرها!

من الجمال أن أتذكر الأم المذعورة وطفلها الذى يصارع الموت ومشاهد أخرى كثيرة ابتعدنا عنها بجسدنا لحظة وقوعها ! نتذكرها ونعيد النظر والتفكير فيها لا حبا فى  الألم ذاته  لكن ربما هو  ضيق نفسى من الفشل مرارا فى  الحد من شيوع الألم الذى يقتحم الحياة  بشكل مبالغ فيه ! أو هو رغبة فى  معرفة أكثر للعبرة من المشاهد  لعل محاولاتنا الفاشلة تقل ،و يحل النجاح مكان الفشل!

لما أتذكر مشهد الأم وطفلها  تراودنى تساؤلات عرضتها فى  البداية وهى: لماذا تتحرك الأم مدفوعة بكل قوتها إلى “الاستقبال”؟ لماذا  تحركت ولم  تقف تنتظر هزيمة الحياة ؟!  ولماذا يدلها من حولها على مكان الاستقبال؟ ولماذا هناك أشخاص مهمتهم محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه ؟! لماذا يوجد “استقبال”؟

لما أتذكر المشاهد المؤلمة على تنوع سببها ( ألم طبيعى بسبب مرض ما أو التفاعل بين الإنسان كجسد مادى والبيئة المادية أو ألم سببه جهل الإنسان أو ألم  دخيل سببه ظلم الإنسان  ) أراها دوما مصحوبة بمحاولة للتغلب علي الألم فى عالم النفس أو عالم الوقائع الخارجية المادية.

يقول دكتور زكريا ابراهيم : إننا لا نستطيع أن نوطن أنفسنا  على قبول الشر أو الرضاء عنه أو السكوت عليه ، لأننا نشعر فى قرارة نفوسنا أن السعادة حق مشروع لنا، وأن الشقاء ظلم لا يصح لنا الرضوخ له ! ومن هنا فإن الشر(فى نظرنا) موجود طفيلى يقحم نفسه فى صميم حياتنا لكى يفسد علينا تلقائيتنا الفطرية[1]

إذن لا بد من حركة لدفع الآلام!  هذا قانون حياتنا. ولا يكفى التفلسف النظرى والإيمان فى تحقيق أملنا فى عالم أقل شقاء!. فانفصال الفعل عن الفكرة خيانة.

لكنى أتعجب لأن الأحداث “المؤلمة جدا” هى ما تثير  التساؤل و تقلق الوجدان! ، و يزداد ألمنا بالعجز عن فعل شيء مباشر حيال الأوضاع الخطيرة غير المرضية فى العالم! ؛ اليمن ، سوريا، فلسطين، بورما، العراق ، العالم المصنف (معظمه) إلى ناهب ومنهوب!

لكن لماذا لا يثيرنا من الأوضاع  “غير المرضية” إلا ما هو  “مؤلم جدا ” فقط؟!

هل لأن  “المؤلم جدا” فقط  هو”الغير مرضى”؟

لو كان ضميرنا حيا  لكانت كل الأوضاع غير المرضية الخارجة عن الحق مؤلمة!

لكن –سيدى- عمليات تخدير الضمير  ناجحة جدا!

فنحن لا نتألم إلا لما هو مثال صارخ جدا للشقاء.

ويوميا نكون فى أوضاع غير مرضية كالكذب والرشوة والسرقة وغيرها مما يستدعى الاستنجاد بطوارئ الأخلاق الحسنة، لكننا نمر على عيوبنا الخطيرة مرور الكرام.

وفى شوارعنا: تدريجيا نستحسن ما كنا نستقبحه؛ نستقوى على الضعيف (إنسان أو حيوان) بدلا من إعانته و نفضل اللفظ القبيح  لنرى فى أنفسنا قوة.

عمليات تخدير الضمير تجعل منا خنازير طيبة.[2]

إننا نعيش حالة تناقض ،يؤلمنا مشاهد  الظلم و الشر والألم والشقاء  فى  عالمنا، يؤلمنا القتل بغير حق والتشريد والتخريب  و  من ناحية أخرى ضمائرنا تخدرت بشكل كبير  بحيث لا نرى حرجا من  ذلاتنا وقصورنا الفردى أو الاجتماعى الضيق!

فما الحل؟!

بعض الحل –سيدى- أن أتخذ أنا وأنت من مظاهر الشقاء  فى عالمنا  صفعة تنبه ضمائرنا المخدرة تلك!. أعلم –سيدى- أنه لا يخفى عليك أن كل منا يمكن أن يكون ثغرة يتسرب خلالها الشقاء والدمار إلى غيرنا. كلنا – بضمائرنا المخدرة – عصا يضرب بها الظالمون بعضنا بعضا!.

ولا أجدر من الواحد منا على مواجهة ذاته إن صدق!

فأنا –مثلا- أجد فى نفسى حب الراحة فأتكاسل عن أداء واجب فى وقته أو يستهوينى شراء الكثير جدا من الملابس  تفوق احتياج الستر والمظهر الجميل وأبتعد عن  علم أُحصّله يعيننى على فهم نفسى  وتقويمها  وعلى فهم الآخر واستيعابه وحسن التعامل معه وإرشاده للصواب إن أمكن. كل إنسان عاقل قادر على معرفة ما يجب عليه أن يفعله و ما لا يجب أن يفعله!

هذه المحاكمات الفردية  نراها بشكل مباشر لا تحرر فلسطين -مثلا- ولا تنقذ سورية  واليمن ولا ترمم جرح العراق ..! لكن على الأقل –الآن- نحاول أن لا نكون سبب شقاء بسبب كبر وتجبرأو جهل ممكن تحاشيه..

الألم الذى نشعر به يحملنا مسؤولية إيجاد حلول لحالنا الشقى!

عالمنا التعيس يتوسل بمآسيه إلينا كل يوم وكل لحظة: أليس منكم رجل رشيد؟!

لا بد أن نتألم ولا بد أن يحرك الألم ساكننا إن كنا حقا بشر!

وكان الله “الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا” فى عون المتألمين!

 

[1] د.زكريا ابراهيم- مشكلة الإنسان- صفحة 99- الناشر مكتبة مصر

[2]  تعبير خنازير طيبة مقتبس من عنوان مقال لدكتور مصطفى محمود اسمه خنزير طيب جدا” ضمن كتابه “في الحب والحياة”