مقالات

فماذا عساكم فاعلين

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ” سورة المائدة (87)، في بداية مقالتي ضرورة ملحة أن أنوه إلى أمر مهم، ألا وهو أنني لا أتوجه بحديثي إلى أحد منتقدًا إياه، فإنني لست طبيبًا ولا خبيرًا بأمور التغذية والصحة العامة، فهذه الأمور لها أهلها المتخصصون فيها، وعليهم المعول الرئيس لفصل الخطاب في ما يثار الآن كله بخصوص برامج التخسيس وبرامج التغذية والصحة والأمور الطبية وما شابه ذلك.

حتى لا يتهمنا أحد بأننا ننتقد شخوصًا بعينها، وإنما خطابي موجه إلى قرائنا الأعزاء أولئك الذين أكن لهم المودة والمحبة كلها.

هذه واحدة، أما الثانية فإن الخالق الأعظم بديع السموات والأرض منحنا نعمتين مهمتين ألا وهما نعمتي العقل الذي نميز به في اختياراتنا بين ما يضرنا صحيًا وما ينفعنا، الذي يدفعنا دفعًا إذا ما أصابنا المرض أن نتوجه إلى الأطباء أهل التخصص كلٌ في مجاله، إعمالًا لقوله تعالى “وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ”، نعم هو الذي يشفي لكن متى؟ إذا ما أخذنا بالأسباب وتوكلنا عليه سبحانه وتعالى.

هو الذي نهانا في الوقت ذاته عن قتل أنفسنا بامتناعنا عن طيبات ما أحله لنا إلا إذا كانت هناك علة لذلك، لكن من الذي يحددها؟ الطبيب المعالج، فلا يجوز بحال من الأحوال أن نمتنع عن المآكل والمشارب من تلقاء أنفسنا بغرض خسران الوزن، حتى هذه لا تكون إلا بإشراف الأطباء الذين هم أهل لذلك.

هذه الثانية، أما الثالثة، فهي المنحة الربانية، الإرادة وحرية الاختيار، وهي إقدام الإنسان على فعل الشيء طواعية دون جبر من أحد، لكن هل يجوز أن يختار الإنسان أمرًا يكون فيه هلاكه كالإقدام على أقسى أنواع برامج التغذية التي لا تتسبب فقط في خسران الوزن، بل تتسبب في أمراض قد تكون عواقبها سيئة؟! فقد تؤدي إلى فقر الدم أو نقص مخزون الحديد في الجسم، والله تعالى يقول: “وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا”، فطرق قتل النفس متعددة منها الامتناع عن تناول مثلًا شرب المياه التي فيها حياة كل كائن على وجه الأرض، أو الامتناع مثلًا عن تناول الخضروات وبعض أنواع الفواكه وغيرها.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

أليست هذه مبالغة وإسراف ومغالاة؟ أين نحن من قوله تعالى: “وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”؟! أين نحن من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “ما ملأَ آدَميٌّ وِعاءً شَرًّا مِن بَطنٍ، بحَسْبِ ابنِ آدَمَ لُقَيماتٌ يُقِمْنَ صُلْبَه، فإن كان لا بُدَّ فاعِلًا فثُلُثٌ لطَعامِه، وثُلُثٌ لشَرابِه، وثُلُثٌ لنَفَسِه”؟! وإلا فلماذا شرّع الله تعالى الصيام “ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ”، أي محدد بوقت معين؟ والوقت حدده علماء الفقه وأصوله بغروب الشمس، وإلا فلماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ذهب الظمأُ وابتلَّتِ العروقُ وثبتَ الأجرُ إن شاء اللهُ”؟! لو الصيام المتصل فيه منفعة لنا ولتصحيح مسارات أجسامنا كان قرره الله تعالى، ألم يقل تعالى: “أيامًا معدودات”؟، ألم يستن النبي صيام الإثنين والخميس، والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر عربي؟ لماذا لم يواصل الصيام مستمرًا؟

أين نحن من حديث الثلاثة الذين أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يريدون أن يبتدعوا أمرًا جديدًا في الدين؟! منهم من قال أنا لا أتزوج الناس وأحدهم قال أنا أصوم الدهر كله ولا أفطر، والثالث قال أنا أقوم الليل كله ولا أنام. فرد النبي مهذِّبًا إياهم معيدهم إلى الجادة قائلًا: “إنَّما أنا أَعلَمُكُم باللَّهِ وأخشاكم له ولكنِّي أقومُ وأنامُ وأصومُ وأفطِرُ وأتزوَّجُ النِّساءَ فمَن رغِبَ عن سُنَّتي فليسَ منِّي”. وهذه دليل دامغ على وسطية الإسلام.

فلم التشدد والمغالاة؟ فالله تعالى ما خلق شيئًا ضارًّا لنا، حتى وإن كنا بفهمنا القاصر نظن أنه ضار، فهو خلاف ذلك، فخلق الله تعالى الأشجار والأنهار والأزهار والجبال والدواب والأنعام لمنفعتنا، فكيف لنا أن نشق على أنفسنا ونحرم ما أحله الله تعالى من الطيبات؟!

أما الرابعة فهيا نتعقل مستبصرين معتبرين في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)”، فالإيمان يستوجب على أهله التصديق، والتحريم معروف بنص ثبوتي في القرآن الكريم: “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ” سورةالمائدة (3)، لماذا؟ لثبوتية ضرر هذا الأشياء بما لا يدع مجالًا للشك في خطرها على صحة الإنسان.

لكن نحرم على أنفسنا ما أحله الله تعالى بغرض الشفاء من الأمراض فهذه مغالاة ليست بعدها مغالاة.

حتى أولئك الذين ابتكروا مسميات ما أنزل الله بها من سلطان كأولئك الذين يلقبون أنفسهم بالنباتيين، أي يعيشون على ما تنبت الأرض فقط، فلتنظروا إلى وجوههم فهي شاحبة، لماذا؟ لأنهم خالفوا طبيعتهم الإنسية، واتجهوا إلى نوع واحد من الطعام، لكن أطرح على هؤلاء سؤالًا: ماذا ستفعلون مع من حرم حتى عليكم طعام النباتات؟ على ماذا ستعيشون؟ هل ستعيشون على الماء؟ فما بالكم من يريد منعكم من الماء مخالفًا للطبيعة للبشرية (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ)؟، هل ستعيشون على الألبان ومنتجاتها؟ حرمت عليكم أيضًا إلا قليلًا، هل ستعيشون على الدواجن ومنتجاتها؟ هل ستعيشون على الأسماك بأنواعها؟

أليس هذا النظام الغذائي على حد فهمي مكملًا لبعضه دون إفراط أو تفريط؟ فماذا عساكم فاعلين؟!

هل يعقل أن نترك الطب العضوي بنظرياته كلها التي بقر فيها علماء أفاضل بطون العلم، أفنوا أعمارهم في قاعات الدرس وفي المعامل لاستخلاص العلاجات الناجعة المستخلصة من الأعشاب والنباتات وننصح الناس ألا تتداوى؟ وإذا أرادت التداوي لا تأكل ولا تشرب! وإن أردت ذلك تأكل أطعمة معينة! وأين نحن من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “إن اللهَ أنزل الداءَ والدواءَ، وجعل لكلِّ داءٍّ دواءً، فتداوَوا ولا تتداوَوا بحرامٍ”؟، أين نحن من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “يا عبادَ اللهِ تَداوَوَا، فإِنَّ اللهَ لم يضَعْ داءً إلَّا وضعَ لَهُ دواءً، غيرَ داءٍ واحدٍ : الهرمُ”؟، ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما اشتكى رجل ألمًا أصاب بطن أخيه، ماذا قال له النبي؟ “اسقه عسلًا”، أليس العسل النحلي الطبيعي فيه شفاء للناس؟!

كيف ننصح الناس ألا تأكل مما تنبت الأرض؟ “وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ “، أليس الثوم والبصل والعدس والفول ذكروا في القرآن الكريم؟

أيضًا قوله تعالى في سورة الأنعام: “واعتبروا”، وسأختتم مقالتي بهذه الآية الكريمة: “وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)”، سورة الأنعام.

أليس هذا الخضر فيه فائدة لجميع المخلوقات؟ فلا يمكن بحال من الأحوال العبث بالنظام الكوني، لماذا؟ لأنه من صنع الله، مصداقًا لقوله تعالى: “هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (11)” سورة لقمان، “صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ” سورة النمل (88).

مقالات ذات صلة:

دور الغذاء للوقاية من أنواع السرطان

الإفراط والتفريط

الطعام فيه سم قاتل

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. عادل خلف عبد العزيز

أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان