المنطق لغة الأرض !
إذا ما سألت من حولك ما هو المنطق، سيكون الرد حاضرا وسريعا:” المنطق هو لما واحد يدي واحد على دماغه، يقع وما يحطش منطق ، مش هو ده المنطق يا متعلمين يا بتوع المدارس؟ ” وبعدها يضج الحاضرين بالضحك معتقدين أن هذا الرد أنهى الموضوع، وأنها كانت مجرد دعابة. ولكن إذا أعدت السؤال مرة أخرى وظهرت علامات الجد في السؤال، يخيم الصمت وتبدأ الوجوه الضاحكة في التجهم.
الأغلب من الناس حقًا لا يعرف ما المقصود بالمنطق، بل ويعتقد أنه لن يفهم معناه أو الموضوع الذي يدور حوله. هم يتصورون المنطق عالمًا غامضًا من الطلاسم التي لا يفهمها إلا القليلون من الفلاسفة. ولكن المفاجأة الصادمة أنهم جميعًا يتكلمون بمباديء منطقية أساسية، ويستخدمون القوانين المنطقية في معظم أحاديثهم، وإن كان في معظمه استخداما خاطئا أو غير موزون، حتى أن الطفل الصغير يكون تفكيره بدايةً محكومًا بأسس منطقية لا تستطيع تغييرها. وإليكم الدليل من البداية..
الطفل الرضيع ذو الأشهر المعدودة عندما يسمع صوتًا تجده يلتفت نحو ذلك الصوت، ما السبب الذي جعله يلتفت؟ لأنه يعلم أن هناك شيئًا ما أو شخصًا ما أحدث ذلك الصوت، فالصوت لم يحدث من لا شيء، بل هناك سبب. هذه بديهة عقلية تسمى في المنطق أصل العلية، أي أن لكل معلول علة و لكل نتيجة سبب.
الطفل ذو العامين أو الثلاثة إذا أخذت منه لعبته أو حلواه، هل تستطيع أن تقنعه أن الحلوى مازالت معه؟ أن اللعبة معه وليست معه في نفس الوقت؟ ( ده يفضحك! ). هو يعلم جيدًا أن اللعبة أو الحلوى إما أن تكون معه أو لا تكون. هذه بديهة عقلية أخرى تسمى عدم اجتماع النقيضين ، أى أن الأشياء المتناقضة، كالوجود والعدم، يستحيل أن يكونان موجودين معًا في نفس الزمان والمكان.
فلنتقدم قليلًا في العمر، عندما يكون الطفل قد أتقن الكلام بداية من عمر الخمسة أعوام. يبدأ الطفل في استكشاف كل ما حوله و يسأل عن كل شيء ” إيه ده؟ ” و ” يعني إيه؟ “، وعندما تخبره معلومة مقتضبة عما يسأل، يلاحقك بسيل من الأسئلة عن ذلك الشيء ” طب ليه؟ ” و” طب إزاي؟ ” ( لحد ما يخليك تشد في شعرك). كل تلك الأسئلة هي من أساسيات المنطق، تسمى التصور و التصديق. فهو عندما يسأل ما هذا هو يريد أن يتصور الشيء و يكوّن عنه صورة في ذهنه، وهذا هو التصور، وبعد ذلك يريد أن يتأكد من ما وصل إليه ويحكم بصحته أو بطلانه فتكون الأسئلة “لماذا وكيف وأين”، وذلك هو التصديق.
إن قوانين المنطق هي الفطرة التي ولد بها الإنسان، هي موجودة في عقل كل منا من دون تدخل خارجي؛ لذلك تستمر مرحلة الأسئلة لفترة من الزمن تختلف من طفل لآخر اعتمادًا على والديه. هناك آباء يسمحون لأبنائهم باستمرار تلك الأسئلة، ولديهم من الصبر ما يؤهلهم للإجابة عن كل ما يتبادر إلى ذهن الطفل في حدود الممكن. هذا النوع من التربية ينمي ذهن الطفل ويوسع مداركه ويساعده على البقاء على فطرته السليمة، هناك نوع آخر من الآباء لا يطيق كثرة الأسئلة، فيقابل أسئلة طفله بالرفض والغضب، فيتوقف الطفل عن الأسئلة ويبدأ في تقبل المعلومات دون معرفة أسبابها ومن دون حتى التأكد من صحتها، هنا يبدأ تشوه الفطرة، ويبدأ الانحراف عن التفكير السليم.
ومع ذلك مازال الناس يستخدمون المنطق في كلامهم، فمثلا إذا ذهبت إلى محل أجهزة كهربائية وطلبت من البائع مكنسة كهربائية، تجده يقول ” دي صناعة ألماني ! ” ويسكت. هو في تلك الجملة القصيرة قد استخدم إحدى صور المنطق تسمى ” قياس إقتراني مضمر ” لأن النتيجة محذوفة. يمكن تحليل الجملة إلى أصلها كما يلي: هذا الجهاز صناعة ألمانية, وكل صناعة ألمانية هي عالية الجودة، إذن هذا الجهاز عالي الجودة، وحذفت النتيجة ولم يصرح بها لأنها متوقعة ومفهومة.
وبما إننا داخلين على موسم الفاكهة الصيفية، فكثيرًا ما نسمع نداء الباعة مثل ” هندي يا مانجا “، وكما في المثال السابق هو قد استخدم القياس الاقتراني المضمر، هذه المانجو هندية، وكل مانجو هندية هي لذيذة وشهية، إذن هذه المانجو لذيذة وشهية. ولو حاولت الفصال مع البائع على السعر يكون رده التلقائي ” لو كان فيها مكسب أنا كنت نزلتلك السعر! “_ بغض النظر عن صدق أو كذب البائع_ فهو قد استخدم نوعًا آخرًا يسمى قياسا استثنائيا. أي أنه حتى البائع الذي قد لا يعرف القراءة والكتابة يستخدم مباديء أولية في المنطق، لأنها موجودة في فطرته.
إذا ذهبنا إلى القرآن، ذلك الذي جاء يخاطب الفطرة والوجدان، لوجدنا الكثير من الأمثلة على استخدام القوانين المنطقية. ففي قوله تعالى:” أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ” النساء(82) في هذه الآية صورة قياس استثنائي مضمر، أي لو أن القرآن جاء من عند بشر أو أي مخلوق وليس من عند الله لوجدوا فيه تناقضات واختلافات كثيرة، وبما أنه ليس فيه هذه التناقضات وهذه الاختلافات إذن هو من عند الله، وهذه النتيجة حذفت لأنها معروفة وبديهية.
من كل ذلك نستنتج أن المنطق وقوانينه ليس شيئًا غريبًا عنا، بل هو في داخلنا وعقولنا، لا يمكن انتزاعه أو إخفاؤه. لكن ما يحدث أنه يتم تشويهه أو نسيانه فنحتاج إلى تذكير وتنبيه.
قد يقول أحدهم:” طب مادام المنطق موجود جوانا يبقى هنتعلم إيه؟ ما إحنا عارفين كل حاجة! “. نقول له غير صحيح، فمازلنا نخطأ في استخدامه، القوانين موجودة وهي كالأدوات قد تحسن استخدامها أو تخطؤه، تلك الأدوات نصنع بها صورة وشكل الأسلوب المنطقي لكن إن لم نتقن استخدامها قد نخطئ في انتقاء المادة التي نصنع بها تلك الصورة، فقد تستخدم ما هو ظني وغير مؤكد كأنه يقين و موثق مئة بالمئة، قد تستخدم ما هو عارض على الشيء كأنه ذاتي فيه. وفي ذلك خطأ بالغ يحيد بك عن الحقيقة إلى النقيض، الذي بالضرورة ينعكس على السلوك والأفعال.
فلا يعتقد أحد أنه لا يحتاج لتعلم قوانين المنطق بما أنها في فطرته، لأن في زماننا هذا تكالبت القوى المجتمعية المادية لإلغاء العقل وقوانينه، وبُذِلت كل الجهود لطمس الحقيقة الروحية للإنسان وتشويه طريقة التفكير السليم، فأصبحنا نحتاج للتذكير والتدريب المستمر على تلك القوانين لمواجهة ذاك الطوفان من المغالطات والمحاولات الدؤوبة لتنميط عقل الإنسان المعاصر.
إن معرفة الحقيقة الفطرية لطريقة تفكير الإنسان، وأنها مرتبطة بما يسمى المنطق ارتباطًا وثيقًا، يزيل الكثير من الحواجز النفسية لتعلم ذلك المنطق، بل أنها تكون عامل جذب لهذا النوع من العلوم.
عشان كده .. مشروعنا .. بالعقل نبدأ.
لقراءة المزيد من المقالات يرجى زيارة هذا الرابط.
ندعوكم لزيارة قناة أكاديمية بالعقل نبدأ على اليوتيوب.