إصداراتمقالات

اثنا عشر رجلا غاضبا

“سوف أقتلك!” رنت الكلمة أرجاء المبنى فسمعها الجار العجوز.

خيال بعيد أسود غير واضح لشخص يطعن الآخر، يعبر الضوء المسافة الطويلة، متقطعا عبر نوافذ القطار! لتلتقطه العين الضعيفة للشاهدة الثانية.

تصل القضية للمحكمة، وتنتهي الجلسات لتصبح القضية بين يدي اثني عشر محلفا، والحكم واضح؛ الفتى قتل أباه!

تتوالى المناقشات في محاولة لإقناع المحلف الوحيد غير المقتنع، لكن النقاش سرعان ما يظهر قلة علم وخبرة الآخرين، والأسوأ عيوبهم النفسية والخُلُقية التي لعبت دورا في إعاقة تفكيرهم بشكل سليم.

الأب الغاضب المحبط، والشخص ذو الأعمال المعطلة، والشخص المهتم بلذته الفردية ومشاهدة مباراة الكرة ولو على حساب القضية، والعنصري كاره الفقراء، والمتقلب مع التيار، والباحث عن رئاستهم، والمعتمد على تجربته الشخصية -مجموعة تفتقر لأدنى درجات “العلم” بالقانون، والأهم لأدنى درجات “العلم” بكيفية الوصول لليقين، ولكيفية التفكير والاستدلال بشكل صحيح ومنطقي. عنق الفتى بين يدي “الجهل”!

اضغط على الاعلان لو أعجبك

الأدلة المطروحة والتي كانت منذ قليل كافية بالنسبة لهم لإرسال الفتى للمشنقة؛ سرعان ما يتضح لهم أنها كلها لا تفيد إلا ظنا في أفضل الأحيان، بل ظنا غير راجح أيضا، بل ربما “شك” وليس ظن!

يستمر البطل غير المقتنع بكفاية الأدلة -هنري فوندا- في المناقشات الصعبة، بإصرار وحكمة يحمدان، كي يؤكد لهم أنه لا حكم بدون دليل، خاصة إذا كان الحكم بالإعدام! أو حكم في مسألة هامة! وأنه لا يجب أن يحكموا بالبراءة الأكيدة، بل يكفي الشك لكي يمتنعوا عن الحكم. ويوضح لهم معنى “الشك” وهو الحالة التي لا يستطيع فيها الشخص أن يحكم لعدم توافر الأدلة.

في النهاية يتمكن من أن يجعلهم جميعا “يشكون” فينقذ عنق الفتى!

لكن ماذا لو كان بطلنا غير موجود! يبرز الفيلم المنتج عام 1957، والحاصل على ثلاث عشرة جائزة، والذي تم ترشيحه لتسع جوائز أخرى من بينها ثلاث جوائز أوسكار-يبرز مشكلة الاعتماد على نظام المحلفين في القضاء، بل أكثر من ذلك؛ يبرز مشكلة الاعتماد على رأي الأغلبية في مثل هذه الأمور غير النسبية، والتي لا يجب أن يدخل فيها الذوق أو الرأي الشخصي أو الحالة المزاجية والأحكام المسبقة! بل تحتاج لطريقة علمية دقيقة تصل لنتائج أكيدة من أجل الحكم فيها، طريقة كتلك التي يوفرها علم المنطق عبر “التفكير القياسي العلمي”.

فرأي الأغلبية يتغير بتغير الظروف، كما أنه يمكن التلاعب به عبر وسائل التأثير خاصة إذا كانت الأغلبية جاهلة ومغيبة كالتي يعرضها الفيلم. كما أن حاصل جمع اثنين وثلاثة -مثلا- هي مسألة يحسمها العقل دون الحاجة للأغلبية، بل لو اجتمعت الأغلبية فيها على رأي مخالف للإجابة العقلية الصحيحة فيجب أن يتم رفضه!

والقانون المعروض في الفيلم هو قانون مبني على فلسفات مادية، والمبنية بدورها على مناهج معرفية حسية وتجريبية، فمثلا رأي الأغلبية هو نوع من الاستقراء الحسي -أي العد الساذج- لمجموعة من الظواهر الحسية كصوت الأفراد. وبالتالي قد يبرز الفيلم دون أن يدري الخلل الموجود في مثل هذه القوانين والفلسفات والمناهج.

الفيلم الذي اختير للحفظ ضمن الأرشيف الوطني السينمائي من قبل مكتبة الكونجرس، لكونه أحد أعظم الأفلام الأمريكية على الإطلاق يتضح لنا في نهايته الأهمية القصوى للتفكير المنطقي القياسي العلمي، القادر على الوصول لليقين، والذي لا يحكم بدون دليل معتبر، والمميز بين الأمور المطلقة والنسبية، والقادر على بناء فلسفات ورؤى أكثر ارتباطا بالواقع، وأيديولوجيات أكثر تحقيقا للعدل، ولينقذ في النهاية عنق الفتى من الإعدام ظلما دون انتظار “صدفة” وجود بطلنا!

أحمد عزت

د. أحمد عزت

طبيب بشري

كاتب حر

له عدة مقالات في الصحف

باحث في مجال الفلسفة ومباني الفكر بمركز بالعقل نبدأ للدراسات والأبحاث

صدر له كتاب: فك التشابك بين العقل والنص الديني “نظرة في منهج ابن رشد”

حاصل على دورة في الفلسفة من جامعة إدنبرة البريطانية

حاصل على دورة في الفلسفة القديمة جامعة بنسفاليا