مقالات

ابن البوسطجي

لم يكن عبد الناصر محض قائد سياسي، بل كان رمزًا لتحول خطير في بنية المجتمع، ابن موظف البريد لم يتنكر لأصله يومًا، بل جعله رأس مال سياسي.

عبد الناصر لم يُخفِ أن والده كان موظف بريد بسيط، هذا الاعتراف لم يكن عفويًا، بل شكل “شرعية مضادة” في مواجهة النخب الملكية والطبقية، لقد أخرج الأصل من خانة العيب إلى خانة القوة، وجعل الطبقة الكادحة ترى في نفسها مرآة للحاكم، وهنا تكمن الخطورة: لأول مرة في التاريخ الحديث لم يبن الهرم السياسي من القمة، بل من القاعدة.

قرارات يوليو (الأرض، التعليم، التأمين الصحي) لم تكن محض إصلاحات اجتماعية، بل كانت عملية تفكيك لبنية السيطرة الطبقية.

خمسة فدادين لم تكن أرضًا فقط، بل ضربة لسلطة الإقطاع، مجانية التعليم لم تكن قرارًا بيروقراطيًا، بل كانت إعادة توزيع للمعرفة التي كانت حكرًا على القلة، حتى التأمين الصحي كان تفكيكًا لآلية ابتزاز اقتصادي اجتماعي مارسها أصحاب النفوذ لعقود.

لكن المدهش أن أحفاد أولئك المستفيدين من المشروع صاروا اليوم أشد خصومه، هنا تتجلى عقدة نفسية عميقة “عقدة الأصل”، إذ يتحول الخجل من الجذور إلى نكران للجميل، ثم إلى محاولة بائسة لاختلاق هوية بديلة، كأن الكرامة تُبنى بإنكار الماضي لا بمواجهته.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

الأحفاد الذين ورثوا ثمار مشروع يوليو، من تعليم مجاني وكرامة وطنية، لا يريدون مواجهة الحقيقة التي تقول: “أنتم أبناء فلاحين وعمال رفعهم المشروع الناصري”.

فيسقطون هذا الخجل على عبد الناصر ذاته، فيحملونه مسؤولية أزماتهم الراهنة، كأنهم يعاقبونه لأنه ذكّرهم بأصلهم، هذا المرض النفسي الاجتماعي هو في حقيقته رفض للذات، وهو ما يفسر لماذا يتخذ النقد أسلوب سخرية جارحة أو إنكار أعمى.

يخرج بعضهم اليوم ليترحم على زمن الملكية، متحدثًا عن الحلاق الإيطالي والجرسون اليوناني والطباخ الفرنسي، إنهم يتبنون صورة لم يعيشوها، ويستوردون ذاكرة ليست ذاكرتهم، في حين يتجاهلون أن أجدادهم لم يملكوا وقتها إلا الجوع والعري.

فالإعلام عقب وفاة عبد الناصر، عمل على إعادة برمجة الذاكرة الجمعية، فجأة صار “زمن الملكية” زمنًا جميلًا، وصار “عهد يوليو” زمنًا مظلمًا.

لكن يبقى عبد الناصر “ابن البوسطجي” مرآة تكشف أمراضنا أكثر مما تكشف ذاته، هو لم يخجل من أصله، بل بنى منه مشروعًا، أما نحن فكثير منا يخجل من الأصل ويهرب إلى الوهم.

مقالات ذات صلة:

يوميات بني مجد

النهضة المجتمعية

الجوع والانتفاع المادي

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أحمد عبد الجواد احمد حماد

معيد، كلية التربية، جامعة الأزهر