مقالات

إسرائيل بين الأندلس والولايات المتحدة الأمريكية

إسرائيل امتداد لحضارة الغرب المتقدمة حاليًَا في أرضٍ أغلب سكانها من حضارة أخرى ومعادية ورافضة لهذا الكيان!

إسرائيل تضع لنفسها مثلًا أعلى هو الولايات المتحدة الأمريكية، استيطان حدث في القرن الثامن عشر، 13 ولاية صغيرة على ساحل قارة أمريكا الشمالية الأطلسي، وبالتدريج أُبيد الشعب الأصلي لقارة أمريكا الشمالية وتوسعت الـ13 ولاية صغيرة لتتحول إلى 50 ولاية تمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي وتصل إلى القطب الشمالي في ألاسكا.

لكن من ناحية أخرى من سوء حظ إسرائيل أن هذا المثال غير قابل للتطبيق على العرب والمسلمين؛ أن تمتد إسرائيل من النيل في مصر إلى الفرات في العراق وتبتلع السعودية وسوريا، إلخ، وتسيطر على بقية العالم العربي والإسلامي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة!

لماذا؟

أولًا لأن الفارق التكنولوجي بين إسرائيل وجيرانها العرب والمسلمين أقل بكثير جدًا من الفارق التكنولوجي بين المستعمرين الأوروبيين والهنود الحمر.

اضغط على الاعلان لو أعجبك

ثانيًا لأن إسرائيل ظهرت في مرحلة تراجع الحضارة الغربية وبداية ضمورها علميًا واقتصاديًا وتراجع فكرة الهيمنة العنصرية الأوروبية على العالم، وظهور أعراق أخرى منافسة في جنوب شرق آسيا مثل الصين والهند وإندونيسيا واليابان وفيتنام، إلخ.

ثالثًا لأن الديموغرافيا ليست في مصلحة إسرائيل، فمستعمرات الأوروبي الأبيض ظهرت في وقت كانت مواليد أوروبا كثيرة وعددهم كبير ويهاجر منهم كثيرون إلى المستعمرات في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وأول القرن العشرين، لكن إسرائيل لا يتوفر لديها هذا العدد الكبير من البشر في العالم كله، وكما نعلم، لو جمعنا يهود العالم كلهم فلن يتعدى عددهم 15 مليون شخص.

رابعًا لأن العدد يؤثر والجغرافيا تؤثر في مجرى التاريخ، حتى لو كان العدد الكبير ضعيفًا اليوم، فالضعيف يقوى مع مرور الزمن، لكن الجغرافيا لا تتغير، تظل إسرائيل معزولة عن الحضارة الأوروبية الأم بالبحر الأبيض المتوسط.

قصة الأندلس كانت أيضًا مشابهة، مع فارق العقيدة والأخلاق.

امتداد لحضارة إسلامية متقدمة في وسط بحر من الأوروبيين المتخلفين في قارة أوروبا، وظلت الأندلس قوية لعدة قرون وتتوسع وتسيطر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على من حولها.

ولأن غرب أوروبا كان في هذا الوقت شديد الفقر والتخلف والقذارة، فلم يهتم المسلمون بمتابعة فتوحاتهم في قلب أوروبا أو محاولة تكرار التوسع أبعد من شبه جزيرة أيبيريا (إسبانيا والبرتغال حاليًا).

لكن هذه القنبلة السكانية في غرب أوروبا، وفاصل البحر الذي يعزل شبه جزيرة أيبيريا عن بقية العالم الإسلامي، مر الزمن، وضعف الأقوياء، وقوي الضعفاء، وابتلعت القنبلة السكانية الكاثوليكية الغرب أوروبية الأندلس المسلمة في آخر القرن الخامس عشر، بعد قرون طويلة من القوة والحكم الإسلامي العربي للأندلس وبقية شبه جزيرة أيبيريا.

بعضهم يشبه إسرائيل بالحروب الصليبية فقط لأنها حدثت في نفس المكان. لكن المقارنة غير منطقية لأن الحروب الصليبية في الحقيقة مبالغة لهجمات بعض الهمج والمتخلفين على منطقة الشام، يعني حضارة متخلفة ترسل هجمات إرهابية على منطقة لم يكن المسلمون وقتها مهتمين بها، إذ أهملت الدولة العباسية السنية في العراق الشام عن قصد لأنه معقل الأمويين، وأهمل الفاطميون الشيعة في مصر الشام عن قصد أيضًا لأنه معقل الأمويين!

بل إن من أربع عشرة حملة صليبية لم تنجح غير حملتين، وهذه الحملات هي ما تحصل على التركيز الإعلامي والتاريخ من الغرب والشرق حتى اليوم، مرحلة لا تتعدى 20 أو 30 سنة، لكن يزرعون فيها كثيرًا من القصص والمبالغات التاريخية والصور الوهمية عن البطولات.

في حين بقية الحملات الصليبية كانت غوغاء، يموتون في غابات أوروبا أو يقومون بغزو شمال أوروبا لفرض المسيحية أو غزو شمال إفريقيا للنهب في تونس ومصر، يمكن أن ترى الفيديو الذي سجلته عن حقيقة الحروب الصليبية، ولماذا يبالغ فيها الغرب لرفع معنوياته في عصور انحطاط أوروبا (العصور الوسطى)، ويبالغ فيها المسلمون بسبب انتشار عقلية الضحية وانتظار صلاح الدين المحرر المنقذ من السماء! يعني ما يسمى حروب صليبية هي مبالغات ولا تقارن بحالة العالم العربي والإسلامي اليوم.

أتذكر كلمة جولدا مائير حين حدث حريق المسجد الأقصى، قالت جولدا مائير عند إحراق المسجد الأقصى: “لم أنم ليلتها وأنا أتخيّل العرب سيدخلون إسرائيل أفواجًا من كل صوب، لكن عندما طلع الصباح ولم يحدث شيء أدركت أن باستطاعتنا فعل ما نشاء فهذه أمة نائمة!”.

إسرائيل بعد ٧ أكتوبر توقعت اتحاد الشعوب العربية والإسلامية والهجوم عليها من الاتجاهات كلها يوم ٨ أكتوبر في لحظة ضعفها، في حين أوروبا مشغولة في حرب أوكرانيا وأمريكا منقسمة في مشاكلها الداخلية، لكن ما حدث كان العكس. للأسف

اتحاد إسرائيل وأمريكا وأوروبا وتوجيه ضربات بمساعدة أمريكا وأوروبا، في حين انتظرت وتنتظر الشعوب العربية والإسلامية دورها الواحدة تلو الأخرى.

غزة ثم الضفة ثم لبنان ثم سوريا ثم العراق ثم إيران وبعدها مصر والسعودية وتركيا، إلخ، الكل ينظر بفزع منتظرًا دوره بدلًا من الاتحاد، الكل متردد في الضرب في الوقت الصحيح.

واليوم.. من ناحية أخرى نسمع اليوم عن جرأة نتنياهو وزعيم المعارضة الإسرائيلية لابيد وسفير أمريكا هاكابي وكل الصهاينة يتحدثون بثقة عن التوسع من النيل إلى الفرات والحق الطبيعي في السيطرة واستعباد شعوب المنطقة واحتلال أراضيها!

هذا ليس بسبب الضعف العربي المسلم، فنحن لدينا طاقات وقدرات لكن لا نستعملها، لكنه الوهن والتفتت، النظر بطريقة العجزة الضعفاء المنتظرين للحلول من الخارج بالمعجزات، سواء معجزة من السماء في صورة المهدي أو المسيح، أو معجزة من الأرض في صورة صلاح الدين وخالد بن الوليد!

أو في انتظار المساعدة والشفقة من العدو الغربي الأوروبي الأمريكي والأمم المتحدة والاستعمار، إلى آخره من الخرافات، العدو الذي يقتلنا كل يوم ثم يضحك علينا ببعض كلمات المجاملة!

الدرس

إسرائيل قوية جدًا اليوم، لكن هذا لن يستمر، المهم هو العمل الدؤوب والإصرار والتمسك بالدين الإسلامي والهوية العربية المسلمة، هذا مفتاح النصر ونهاية إسرائيل، ونحن علينا العمل، لكن موعد النصر لن يحاسبنا الله عليه. التفتت والصراعات التافهة وتقسيم الشعوب هو مفتاح هزيمتنا.

مقالات ذات صلة:

ماذا فعل طوفان الأقصى بإسرائيل؟

المقاومة والركن الشديد

مرحلة الانحدار الإمبراطوري

* تنويه: الأفكار المذكورة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

_________________________________

لمتابعة قناة اليوتيوب لأكاديمية بالعقل نبدأ، اضغط هنا

لقراءة المزيد من المقالات، اضغط هنا

أ. د. خالد عماره

الاستاذ الدكتور خالد عماره طبيب جراحة العظام واستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس